وانصـ،ـهر الجليد حصري جزء الثالث جمر الجليد بقلم شروق مصطفى
بعد أن أغلقت مع صديقتها، أخرجت زفيرًا طويلًا حمل معه الكثير من التأوهات المؤلمة. كلمة “لمّتنا” أوجعتها، فالسعادة مرّت كلمح البصر، لكن الحزن لا يزال مخيمًا في القلب ولم ينتهِ بعد. دخلت إليها والدتها، فمنذ طلاقها وهي حبيسة الغرفة، ذبلت كثيرًا. ربتت على كتفها بحنو: – وبعدهالك يا مي، بقالي ست شهور على كده… حبسة نفسك ودمعتك ما نشفتش يا بنتي. ابتسمت مي محاولة التماسك، لكن ابتسامتها كانت باهتة: – أنا كويسة يا ماما، والله.
قالت الأم بقلة حيلة، وقد رأت نور ابنتها ينطفئ: – اخرجي، قابلي أصحابك طيب، أو روحي النادي، انزلي اشتغلي… الهي نفسك عشان ما تفكريش فيه. – مليش نفس أعمل أي حاجة بجد… حتى لسه همسة قافلة معايا، عيد ميلاد بنتها في النادي، بس اعتذرت. – ليه؟ روحي يا حبيبتي وانبسطي، شوفي أصحابك. هتفضلي حابسة روحك لحد إمتى؟ عمر الزعل ما يروح بالحَبسة، ولا العياط هيرجع اللي فات. – مش هينفع أروح… أكيد هو هناك معاهم.
قالت الأم محاولة دفعها للأمام: – طيب ليه مش بتقابلي أصحابك؟ حتى سيلا! الصراحة ما سابتكيش، كل يوم تكلمني وانتي مسافرة تطمِّن عليكي… كلميها. صمتت الأم لحظة ثم أردفت: – يا بنتي، العمر لسه قدامك… مش من تجربة فشلتي فيها تيأسي وتعتزلي الناس. إللي حوالينا مش هيسيبونا في حالنا، لكن لو قوية، اتحديهم. ردت مي والدموع تملأ عينيها، غير مصدقة: – أنا انكسرت… جوايا وجع ونار لسه قايدة، لحد دلوقتي مش مصدقة اللي حصل. حاسة إني في حلم، بجد.
زفرت الأم بقوة، تستجمع كلماتها لتقوي ابنتها التي لم يكتمل زواجها وطُلقت، لأسباب قاهرة. حثّتها على المثابرة في هذه المعركة التي فرضها عليها المجتمع بلقب “مطلقة” وكأنها أذنبت، فقالت: – يا خايبة، أنتي الكسبانة… هو الخسران وهيندم عمره كله. صدقيني، ربنا نجّاكي. مش من أول وقعة تستسلمي كده. لو وقعتي، اقفي، واحمدي ربنا إنك لسه بطولك.
– أحنا كلنا جوّه ساقية بتمشي… في اللي بيستمر، وفي اللي يقع ويقوم ويكمل، وفي اللي يقع وما يقدرش. الحمدلله إنك بطولك، من غير عيل… فوقي لنفسك، وارمي اللي فات وراكي وابدأي حياة جديدة. أنا مش هعيش لك العمر كله، لازم توقفي على رجلك… على أرض صلبة. ارتمت مي في أحضان والدتها، تقبلها بلهفة: – بعد الشر عليكي، متقوليش كده. اعتدلت الأم، وتحدثت وهي شاردة: – والله يا ماما، هحاول أرجع من تاني… ادعيلي إنتي بس.
– قومي صلي ركعتين واشكري ربنا. “وَتَحْسَبُونَهُ شَرًّا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ” دايمًا حطيها في بالك… وأنا دايمًا بدعيلك يا بنتي. – يلا، هروح أجهز الغدا… وتعالي ساعديني، أخوكي ومراته والعيال جايين. ابتسامة باهتة ارتسمت على وجهها، وهزّت رأسها موافقة، ثم قامت لأداء ركعتين لله. — مساءً – داخل أحد النوادي في حديقة المطعم، زُيّن المكان بفروع الزينة والبالونات، ممتدة على حوض السباحة، مما أعطى مشهدًا مبهجًا للعين، وجوًا مرحًا على أنغام أعياد الميلاد. كان الأطفال يركضون ويلهون بألعاب الميلاد.
تقدمت سيلا نحو الطفلة الصغيرة، تحدثت بفرح وهي تقبّل وجنتيها: – حبيبة خالتو يا ناس! كل سنة وانتي طيبة يا قلبي، اتفضلي هديتك. همس، بصوت طفولي مبهور: – الله! حلوة أوي يا خالتو. أخذت اللعبة وركضت تلهو مع أصدقائها، ومع بنات عمها التوأم كنزي وكرما، اللتين تبلغان سبع سنوات. وأثناء اللعب، انتبهت لشيء ما، فتركت يد من كانت تمسك بها، وركضت بلهفة نحوه. في تلك اللحظة، صُدمت سيلا من شيء ما أمامها. حزنت داخليًا لما آل إليه حالهم، لكنها صمتت… فليس هذا وقت الحديث أو العتاب.
—
ركضت الصغيرة حينما شاهدت صديقتها في المدرسة بصحبة شخصٍ ما، فهرولت إليها بفرحة واحتضنتها بسعادة، محدثةً ببراءة: – دودو صاحبتي! أنتي جيّه عشاني، صح؟ ردّت الأخرى بسعادة لرؤيتها: – أنا جيه مع بابي وتيتة. ثم رفعت رأسها لأعلى، تمسك بطرف بنطاله وتتوسله: – بابي، بابي… عاوزة أروح ألعب مع صاحبتي، بلييييز! فهم بدر الأجواء من حوله، وما ترتديه الصغيرة من ثوب أبيض وتاج على رأسها: – مش هينفع يا دودو… استني بس.
لكن الصغيرة شدّت يده، بينما يدها الأخرى جذبت يد صديقتها “همس”، التي همست لها: – تعالي… ده عيد ميلادي كبير! نظر بدر إلى والدته، طالبًا النجدة في هذا الموقف، فهم ليسوا من ضمن الضيوف. تدخل وليد سريعًا عندما لاحظ ابنته قد ابتعدت وتركت الحفل، وتحدثت ابنته إليه: – يا بابي، دودو صاحبتي! عاوزاها معايا. تعرّف وليد على بدر ووالدته، ورحّب بهم بلطف، عارضًا مشاركتهم الحفل. وافقوا، لتجذب الصغيرة صديقتها خلفها، يركضون بسعادة.
دخلوا سويًا إلى الحفل، وتفاجأ بدر عندما رأى عاصم أمامه. وكاد وليد أن يقدّمهم لبعض، إلا أنه فوجئ بهما يتعانقان. هتف عاصم: – إيه المفاجأة الحلوة دي! هتف وليد بدهشة: – انتو تعرفوا بعض؟! قهقه بدر، وهو يربت على كتف عاصم: – طبعًا! ده حبيبي وأعز صديق، بس بقالنا كتير ماشفناش بعض. ردّ عاصم بمزاح: – الندالة ليها أصولها، عارف؟ أمال فين بنوتك؟ ردّ بدر محاولًا كتم ضحكته: – لا وانت الصادق… الندالة ليها عنوان، وعنوانها إحنا!
ضحك وليد وهو يشير نحو الأطفال: – ونِعم الصحاب! همس صادرت بنتك خلاص… دول طلعوا صحاب كمان في المدرسة! ظلوا يتحدثون وينشغلون في الحوار، ثم انضم إليهم معتز وعامر. استمر عيد الميلاد حتى نهايته، وكانت النهاية مليئة بالسعادة للبعض، واللامبالاة للبعض الآخر، وبعض الشفقة في قلوب آخرين… .. كان يقود سيارته، وكل تركيزه منصب على الطريق أمامه، في صمتٍ تام حتى قطعته سيلا قائلة:
– جميل عيد الميلاد أوي.
ردّ دون أن يلتفت إليها:
– آه… أوي.
عاد الصمت من جديد، لكن عقلها لم يتوقف عن التفكير فيما رأته سابقًا؛ حين رأت معتز، شقيق زوجها، يسير بصحبة فتاة وقد تبادلا لمساتٍ حميمية وكأن بينهما علاقة حب! وكأن ما حدث مؤخرًا لم يكن على باله أصلًا. بقلم شروق مصطفى
استطردت حديثها، والحزن يعلو ملامحها: – إيه اللي معتز عامله ده؟ ومين اللي معاه دي؟ لحق ينسى مي ويرتبط بالسرعة دي؟ أخرج عاصم زفيرًا طويلًا، ثم شدّ قبضته على المقود حتى أبيضت عروقه، وازدادت سرعته دون أن ينتبه، ثم قال بغضبٍ مكتوم، مكررًا ذات الكلمة:
– غبي… متسرع.
أحست سيلا بالخـ،ـطر، فحاولت تهدئته، منادية برجاء: – أهدي يا عاصم، خلي بالك من الطريق… هدي السرعة، أرجوك. انتبه أخيرًا لحالته، فخفّف السرعة وتوقف بجانب الطريق، ثم اعتذر بهدوء: – آسف… محسّتش بنفسي، أنتي كويسة؟
هزّت رأسها بالإيجاب، ثم أردفت: – متقلقش… كويسة. صمتت لثوانٍ، ثم تابعت بنبرة حزينة: – هو خلاص كده؟ مفيش أمل لرجوعهم تاني؟ واللي بيعمله ده بيوصلنا إنه مش في دماغه أصلًا وبيعيش حياته… يعني ليه؟ مش قادرة أصدق إن قصتهم تنتهي كده.
قال عاصم بأسف: – للأسف… بقى شخص تاني معرفهوش، آه لو أعرف بس السبب!