منوعات

صعيدى من اكسفورد بقلم مايا خالد ٣

الجزء الثالث صعيدي من أكسفورد

نور غمضت عيونها للحظة من لمسة صوابعه الداهية على رقبتها، حست بنبضها بيزيد بطريقة مرعبة، مش بس من الخوف، لكن من هيبته وقربه اللي بيخطف الأنفاس. رجعت راسها لورا وسندت بظهرها على الباب الخشبي وحاولت تبعد إيده بصعوبة وهي بتقول بصوت مهزوز:
​”ابعد عني يا يونس… وبلاش الطريقة دي. أنا صحفية وجيت هنا عشان شغلي، مش عشان أكون تحت رحمتك أو حمايتك غصب عني.”
​يونس نزل إيده ببطء، وابتسامة باردة غامضة اترسمت على وشه وهو بيبص لعنادها اللي بيعجبه في صمت. رجع خطوتين لورا، ومشى ناحية مكتبه الفخم، قفل اللابتوب وسحب الفلاشة وحطها في جيبه، وبصلها ببرود:

​”الحماية اهني مفيهاش غصب يا بت الناس… بس فيها أصول. وأنا أصولي بتقول إن الضيف اللي يدخل دار الهواري، رقبته برقبتنا. الحين سليم زهران بعت ناس يسألوا عليكي في كل مكان، واللعب بدأ يسخن.”
​نور خطت خطوة ناحيته بتوجس:
​”يعني إيه؟ سليم عرف إني هنا؟”
​يونس ضيق عيونه وبصلها بنظرة صقر حاسمة:
​”سليم غبي بس وراه ناس واصلين. تليفونك اللي معايا، جاله كذا رنين من نمرة غريبة… نمرة تابعة لرجالة سليم. كانوا بيحاولوا يحددوا الموقع، بس أنا ناصح وخابر ألاعيبهم زين… قافل الشبكة وساحب الخط.”

​طلع التليفون من جيبه الداخلي، لمحه قدام عيونها اللي لمعت بلهفة عشان تاخده، بس رجعه مكانه بسرعة وقال:
​”التليفون ده هيفضل معايا. بس عاد… أنا هخليكي تكلمي رئيس تحريرك الحين من تليفوني الخاص، عشان تطمنيه وميبلغش عن اختفائك ويعمل شوشرة تضرنا وتكشف مكانا.”
​نور حست ببعض الراحة وبلعت ريقها:
​”بجد؟ طيب أرجوك… خليني أكلمه.”
​يونس سحب تليفونه الأسود الصغير المشفر، وطلب الرقم اللي هي أملتهوله، وفتح الاسبيكر وحطه على المكتب قدامها وهو مربع كتافه وواقف يراقب كل همسة وحركة منها.
​أول ما رئيس التحرير رد بصوت قلقان:
​”ألو؟ نور؟ أنتِ فين يا بنتي؟

قلبت الدنيا عليكي بعد حفلة سليم زهران!”
​نور بصت ليونس اللي شاورلها بعينه بصرامة تسكت، فتنحنحت وقالت بصوت حاولت تخليه طبيعي:
​”أنا كويسة يا فندم… متقلقش عليا. أنا في مكان آمن جداً وبكمل الشغل على التحقيق.”
​رئيس التحرير اتكلم بسرعة وتوتر:
​”نور، سليم زهران قالب الدنيا، والبوليس جاله بلاغ باختفائك… سليم نفسه اتصل بيا وبيسأل لو كنتِ كلمتيني. أرجوكِ خليكي مستخبية، سليم باعت ناس يدوروا عليكي في كل المحافظات، وسمعت إن عينه راحت على الصعيد كمان!”
​يونس أول ما سمع سيرة “الصعيد”، عينيه اسودت أكتر وارتسمت على وشه ملامح غضب صعيدي مكتوم ومخيف.

أخد التليفون بسرعة وقفل السكة ببرود، وبص لنور اللي وشها رجع يصفر تاني من الخوف:
​”سمعتِ بنفسك عاد؟ ولد عمي مفكر إن الصعيد ملوش صاحب… ومخابرش إن تراب الهوارية مبيقبلش الخاينين.”
​نور سألته برعب:
​”يعني هو جاي هنا؟ جاي قصرك؟”
​يونس خطى ناحية الباب وفتحه، وبص لها بنظرة أخيرة قبل ما يخرج وقال بثقة زلزلت الأرض تحت رجليها:
​”خليه ييجي… قصر الهوارية ليه هيبة، والشر اللي جواه مبيطلعش برة إلا وهو مقتول. ارجعي جناحك يا نور، وجهزي نفسك…

لأن الليلة دي، صوت الرصاص هيطغى على صوت هدوء الصعيد.”نور اتسمرت مكانها، والبرودة رجعت تسري في أطرافها من تاني وهي بتسمع نبرة صوته المليانة ثقة مرعبة. يونس سابها وخرج من المكتب، وصوت خطواته المنتظمة على الرخام كان بيتباعد لحد ما اختفى تماماً.
​رجعت على جناحها وهي حاسة إن رجليها مش شايلاها. قعدت جنب الشباك وبصت على الجناين والنخل برة؛ الشمس كانت بدأت تغيب، والليل بدأ يرمي ضله الأسود على القصر وهدوء الصعيد اللي بيخبي وراه عاصفة.
​عدت ساعات الليل ببطء قـ,ـاتل. الساعة قربت من حداشر بالليل، والهدوء اللي في القصر كان مريب لدرجة تخليك تسمع دقات قلبك…

وفجأة، الهدوء ده انكسر بصوت ضـ,ـرب نـ,ـار من بعيد، جاي من ناحية البوابات الخارجية للقصر!
​نور اتنفضت من مكانها وقلبها هيقف من الرعب. جريت على الشباك وبصت، شافت حراس القصر بيجروا بأسلحتهم الآلية، وفلاشات كشافات العربيات السودة برة السور بتتحرك بجنون. ضـ,ـرب النـ,ـار بدأ يزيد ويسخن، وصوت الرصاص كان بيرن في ودنها زي الرعد.
​جناحها اتفتح فجأة بحدة.
​دخل يونس، ولابس عبايته السودة وفوق كتافه الشال، وماسك في إيده بندقية آلية فخمة، وعيونه الكحلية كانت بتلمع بغضب وصيد حقيقي. قرب منها بسرعة وسحبها من دراعها بخفة ووداها في زاوية دارية ورا دولاب الخشب الأرو الضخم:
​”خليكي اهني…

واصل متتحركيش ولا تظهري لوع! رجال سليم هجموا على البوابات، شكل المحروس بايع عمره الليلة وجاي يفتش في دار الهواري.”
​نور مسكت في كم عبايته السودة بخوف حقيقي، وعيونها مدمعة:
​”يونس… أرجوك خليك هنا، متخرجش! دول كتير وسمعت صوت رصاص كتير برة!”
​يونس بصلها بنظرة غامضة، ولمسة حنية خفيفة ظهرت في عيونه للحظة تاهت وسط ملامحه الصارمة. حط إيده الكبيرة على كفها اللي ماسك عبايته وطمنها بنبرة صعيدية دافية بس قوية:
​”متقلقيش على ولد الهواري يا بت الناس… الصقر في أرضه مبيخافش من الغربان. خليكي اهني، وسلا*حي ده مبيخيبش واصل.”

​سابها وخرج وقفل الباب وراه بالمفتاح عشان يأمنها.
​نور حطت إيديها على ودنها وهي بتسمع صوت ضـ,ـرب النـ,ـار اللي بقى أقرب بكتير… صوت الرصاص كان بيهز حيطان القصر الأثري، وصوت زعيق رجال يونس برة وصوت يونس الآمر وهو بيوجههم كان واصل ليها.
​بعد نص ساعة من الرعب والضـ,ـرب المستمر، الصوت بدأ يهدى تدريجياً، لحد ما ساد صمت تام ملوش آخر… صمت مرعب أكتر من ضـ,ـرب النار نفسه.
​نور فضلت واقفة مكانها ورا الدولاب، كاتمة أنفاسها وبتترعش، مستنية تسمع أي صوت يطمنها… لحد ما سمعت صوت خطوات تقيلة وثابتة بتقرب من باب الأوضة، وصوت المفتاح وهو بيلف في القفل.

حكايات مايا خالد
الباب اتفتح ببطء شديد، وصوت مفاصل الخشب القديم كان بيرن في ودن نور زي صفارة إنذار. لفت وشها بسرعة ناحية الباب، وضهرها لزق في الحيطة ورا الدولاب، وصوابعها كانت بتغرس في كفوفها من كتر الرعب.
​دخل هو…
​الجلباب الأسود كان عليه تراب وعفرة من تراب المعركة، الشال البيج ممزق شوية عند الكتف، وفي كف إيده اليمين البندقية الآلية وسطحها الفضي بيلمع تحت ضوء الممر الخافت. ملامحه كانت شبه جبال الصعيد… جامدة، قاسية، ومفيش فيها أي تعبير، بس عيونه الكحلية كانت مليانة بلمعة نصر أسود وغامض.

​أول ما شافها واقفة مكانها، عيونها مبرقة برعب وبتترعش، نزل فوهة البندقية للأرض ومسح على وشه ببطء وهو بيتنهد بعمق. خطى خطوتين لجوة الأوضة وقفل الباب بضهره.
​نور طلعت من ورا الدولاب بخطوات مهزوزة، وصوتها طلع بالعافية:
​”يونس… أنت… أنت كويس؟ إيه اللي حصل برة؟”
​يونس بصلها، ومال براسه لورا وهو بيسند البندقية على الحيطة جنب الباب، وقال بنبرة واطية ومبحوحة فيها هيبة وصوت رجولي هادي:
​”أنا جولتك من جبل يا بت الناس… تراب الهوارية مبيقبلش الخاينين. سليم زهران بعت كلابه يجسوا النبض، مفكرين إننا نايمين في العسل…

بس رجالي علموهم الأدب، واللي فضل منهم صاحي هرب في الجبل كيف الفئران.”

السابقانت في الصفحة 1 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى