منوعات

صعيدى من اكسفورد بقلم مايا خالد ٣

​نور بلعت ريقها وقربت منه خطوة، عيونها كانت بتتحرك على جسمه بتوجس وقلق حقيقي تاه منها وسط الخوف:
​”بس… بس أنت بتنزف! كتفك فيه دم!”
​يونس بص لكتفه بإهمال وتجاهل تام، وقال بابتسامة سخرية خفيفة:
​”ده خربوش بسيط من رصاصة طايشة… ميعيبش راجل صعيدي واصل. المهم الحين… سليم زهران عرف إنك اهني بالتاكيد بعد الحركة دي، وبكرا الصبح البلد كلها هتكون مقلوبة.”
​مشى خطوات بطيئة ناحيتها لحد ما بقى بيفصل بينهم سنتيمترات قليلة. ريحة البارود والتراب المخلوطة بالعود الفخم اللي بيستعمله حاصرت حواس نور بالكامل. وطى راسه لمستواها وبص في عيونها مباشرة:

​”اللعب الحين مابقاش فيه تراجع يا نور… سليم زهران حفر قبره بيده لما فكر يضـ,ـرب نـ,ـار على قصر يونس الهواري. الملفات اللي معاكي دي… هنسلمها لجهات عليا بكرة، وسليم هيتلم في الحديد قبل ما الشمس تغيب.”
​نور حست بقلبها بيدق بسرعة مرعبة من قربه وأنفاسه السخنة اللي بتلف وشها، وقالت بصوت همس:
​”وتليفوني؟ هيرجعلي؟”
​يونس مد إيده القوية، ومشى صوابعه الخشنة بلطف وهدوء على خصلة من شعرها الغجري المتمرد، وهمس بصوت واطي ومثير هز كيانها:
​”تليفونك هيرجعلك يا قطة… لما أتأكد إنك بقيتي في أمان بعيد عن المحروسة وناسها. بس لحد ما ده يحصل…

أنتِ لساتك في حمايتي وتحت عيني… والظاهر عاد، إن صيد الغالي واعر، وأنا مبعرفش أسيب صيدي واصل.”نور بصت لصابعه اللي بتلعب في شعرها، وغمضت عيونها لثواني وهي بتحاول تاخد نفسها. رجعت خطوة لورا عشان تفلت من قربه اللي كان بيلغي تفكيرها، وبصت لكتفه اللي بدأ ينزف بوضوح أكتر ويبهدل الشال البيج:
​”سيبك من الكلام ده الحين… كتفك بينزف بجد يا يونس، والرصاصة شكلها سابت علامة واعرة. لازم الجرح يتطهر فوراً.”
​يونس بص لكتفه ببرود ولا مبالاة، وابتسم ابتسامة خفيفة مالت بيها شفايفه:
​”وعاد صحفية المحروسة طلعت بتخاف من الدم؟

جولتلك يا بت الناس، صعايدة الهوارية جلودهم ناشفة، والرصاصة اللي متمـ,ـوتش بتقوي.”
​نور حطت إيدها في وسطها وبصتله بعناد غجري طغى على خوفها:
​”وأنا مش هقعد في أوضة واحدة مع راجل بينزف وكأنه مفيش حاجة! انده على الدادة فاطمة تجيب علبة الإسعافات، وإلا والله هطهرها أنا بنفسي بس مش هضمن لو وجعتك!”
​يونس ضحك بحة رجولية واطية رنت في الأوضة، وحط البندقية على جنب، وقلع الشال الممزق ورماه بالإهمال على الكرسي. بصلها بعيون كحلية مليانة تسلية وتحدي:
​”توجعيني أنا؟ عاد وريني كيف يدك الناعمة دي هتعالج صقر الصعيد. علبة الإسعافات في الدرج اللي تحت المراية عندك…

وريني شطارتك يا دكتورة.”
​نور بلعت ريقها وحست إنها ورطت نفسها، بس كبريائها منعها تتراجع. مشيت بسرعة وجابت العلبة البلاستيك البيضاء ورجعت وقفت قدامه.
​يونس قعد على طرف السرير بكل ثقة، وفتح أول زرارين من قميصه الأسود ببطء وهو عينه منزلتش من على وشها، ونزل القميص من على كتفه العريض المصاب. الجرح كان عبارة عن حفرة سطحية بس بتنزف دم أحمر قاني.
​نور قربت ببطء، ركعت على ركبة ونص قدامه عشان تكون في مستوى كتفه، وطلعت القطن والمطهر وإيدها بتترعش خفيف.

أول ما حطت القطنة المبللة بالمطهر على الجرح، جسم يونس اتشد وعضلات كتافه برزت بقوة، بس مطلعش منه ولا همسة وجع، عينه كانت مركزة في عيونها اللي قريبة منه جوي.
​نور كانت بتتنفس ببطء، وبتحاول تركز في الجرح عشان تداري توترها من نظراته اللي كانت بتخترقها:
​”أنا… أنا متأسفة لو كنت بوجعك.”
​يونس اتكلم بصوت واطي ومبحوح كأنه همس دافي وسط الليل:
​”الوجع الحقيقي يا نور… هو إن الواحد يلاقي صيده غالي وصعب يطوله، بس يفضل يحاول لحد ما يجيبه لأرضه.”

​نور حست بكهربا سرت في جسمها من نبرة صوته المليانة تلميحات سودا ودافية في نفس الوقت. لزقت البلاستر الطبي بسرعة وقامت وقفت وهي بتلم العلبة بتهرب:
​”الجرح كده تمام… وبكرة لازم دكتور يشوفه.”
​يونس وقف وعدل قميصه ببطء وهيبته رجعت تسيطر على المكان:
​”بكرة الصبح عاد، الدكتور اللي هييجي هو اللي هيكتب شهادة وفاة سليم زهران السياسية والمالية في البلد دي. أنا كلمت ناس واصلين في القاهرة، والملفات اللي معاكي على الفلاشة زمانها الحين بتتحول لجهات تحقيق عليا مش هتقبل تساوم.”
​نور بصتله بامل حقيقي:
​”يعني خلاص؟ اللعبة هتنتهي؟”

​يونس قرب منها خطوة، وبص لوشها اللي بدأ يسترد لونه الودي، وقال بنبرة صعيدية أصيلة تقطع الشك باليقين:
​”هتنتهي لـ سليم… بس حكايتي معاكي عاد، مخابرش واصل هتنتهي كيف ولا ميتى. اطلعي سريرك ونامي يا بت الناس… وصوت الرصاص اللي سمعتيه الليلة، اعتبريه كان زفة ترحيب بيكي في بلاد الهوارية.”
​سابها وخرج وقفل الباب وراه بهدوء، ونور وقفت مكانها بتبص للباب، وحاسة إن السواد اللي كانت خايفة منه مابقاش بس بيحاصرها من برة… ده بقى بيحاصر قلبها من الراجل الصعيدي اللي نايم ورا الباب ده.

حكايات مايا خالد
نور فضلت واقفة باصة للباب شوية، ضـ,ـربات قلبها كانت لسه مسموعة، مش من رعب الرصاص، لكن من نظرات يونس وكلماته اللي بترن في ودنها. “حكايتي معاكي مخابرش واصل هتنتهي كيف”. الجملة دي كانت زي اللغز اللي خايفة تحله.
​راحت للسرير، رمت نفسها عليه بتعب، وغطت وشها بالمخدة وهي بتحاول تهرب من التفكير. الساعات الباقية من الليل مرت بطيئة، وصوت أنفاسها كان الحاجة الوحيدة اللي قاطعة صمت الأوضة.
​شمس جديدة وعاصفة جديدة
​الصبح طلع بدري في الصعيد. نور صحيت على خبط خفيف على الباب، وصوت الدادة فاطمة الدافي:
​”يا بتي…

يا بتي اصحي عاد، يونس بيه مستنيكي تحت على الفطار.”
​نور قامت بكسل، غيرت هدومها ولبست جينز واسع وتيشيرت قطن أبيض، ولمت شعرها ديل حصان بسيط. نزلت السلم الرخام وهي حاسة بتوتر، القصر كان هادي، بس هدوء مختلف عن هدوء الليل المرعب.
​دخلت غرفة السفرة الضخمة، لقت يونس قاعد على راس الترابيزة. لابس قميص أسود بسيط بنص كم، باين منه عضلة دراعه، والشال الصعيدي مرمي بإهمال على الكرسي اللي جنبه. كان بيشرب قهوة سادة وبيقرا في ورق قدامه بتركيز. أول ما سمع صوت خطواتها، رفع عينه وبصلها، وعيونه الكحلية كانت هادية بس فيها نظرة ثاقبة.

​”صباح الخير يا بت المحروسة.” قالها بنبرة صعيدية هادية، وشاور لها على الكرسي اللي جنبه، “اجلسي كلي لقمة تفطري بيها، اليوم طويل.”
​نور قعدت بتوتر، وبدأت تاكل ببطء. حاولت تفتح كلام عشان تكسر الصمت المربك:
​”أنت قولت امبارح إن الملفات زمانها اتحولت لجهات التحقيق… هل فيه جديد؟”
​يونس ساب الورق اللي في إيده وبصلها بجدية:
​”الأخبار الزينة إنهم مسكوا طرف الخيط، والليلة دي سليم زهران هيكون في قبضة الحكومة. والأخبار الواعرة… إن سليم خابر زين إن النهاية قربت، والنوع ده من الرجالة لما بيحسوا بالخطر، بيضـ,ـربوا في أي اتجاه، ومش هيهمه غير إنه يوصل لك، إنتي بالذات.”

​نور سابت الأكل بخوف:
​”هيوصلي إزاي؟ أنا في قصر الهوارية ومحدش يقدر يدخل هنا، صح؟”
​يونس مالت شفايفه بابتسامة خفيفة، بس عيونه كانت مليانة تحدي:
​”صح… طول ما أنتي جوة السور ده، رقبتك في حماية يونس الهواري. بس الخطر مش بس من برة، الخطر ممكن ييجي من الناس اللي مفروض يحموا سليم، والناس دي في كل مكان.”
​فجأة، صوت تليفون يونس رن. رفع التليفون، وملامحه اتغيرت فجأة، الجدية اتحولت لغضب مكتوم، وعروق رقبته برزت.
​”جولتهالك ميت مرة يا همام، البنت مش هتمشي من اهني! سليم بيحاول يلعب بورق أخير، وأنا اللي هقطع الورق ده بإيدي.”

​قفل الخط ورزع التليفون على الترابيزة بقوة خلت نور تتنفض.
​”إيه اللي حصل؟” سألت بخوف حقيقي.
​يونس قام وقف، وسند بإيديه على الترابيزة وبصلها بنظرة مرعبة:
​”سليم زهران بعت رسالة. بيهدد إنه هيفضح عيلة الهواري كلها لو الملفات دي طلعت للعلن، ومفكر إنه كدة بيلوي دراعي.”
​نور وقفت، الكبرياء والخوف بيتصارعوا جواها:
​”وأنت… أنت هتسلمني ليه؟ عشان تحمي عيلتك؟”
​يونس ضحك ضحكة قوية ومرعبة رنت في غرفة السفرة، خطى ناحيتها ومسكها من دراعها بقوة بس مش مؤلمة، وقربها منه لحد ما أنفاسه لفتت وشها:
​”أسلمك؟

عاد يونس الهواري مبيسلمش حرمة دخلت حمايته، حتى لو التمن دمار البلد كلها. سليم زهران فتح باب الجحيم، وأنا اللي هزقه فيه. بس الحين… مفيش خروج من القصر، ومفيش كلام مع حد، ولا حتى الدادة فاطمة. مفهوم؟”

انت في الصفحة 2 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى