
يونس خطى خطوة لورا فوراً، وحط إيديه ورا ضهره التزاماً بوقاره وصعيديته اللي بتمنعه يتجاوز حدوده مع حرمة مش من حريمه، وبص لها بعيون مليانة قلق دافيء بس مغلف بالبرود:
“شد حيلك يا بت الناس… الوعر كله فات، ومبقاش باجي غير الطين اللي هيتلم فيه سليم زهران. ارتاحي واشربي مية.”
نور رفعت راسها وصدرها بيعلو ويهبط، وبصتله بعيون لسه مدمعة بس لمع فيها عنادها الغجري من تاني، وقالت بصوت مبحوح وهي بتعدل وقفتها بكبرياء:
“أنا كويسة… مفيش داعي للقلق ده كله يا هواري. أنا صحفية ومش من أول قلم يغمى عليا، ده بس… هبوط مفاجئ من قلة الأكل.”
يونس مالت شفايفه بابتسامة سخرية خفيفة، وحط إيده في جيبه وقال بنبرة صعيدية تقطر ثقة:
“هبوط برضه؟ قولي خوف… قولي إن قلبك الرقِيق ده مستحملش هيبة الصعيد ورجالها. على العموم، المحروس سليم زهران الحين في عربية الترحيلات، والملفات اللي على الفلاشة بقت في يد وكيل النيابة ومستندات الإدانة قفلت عليه كل الأبواب. يعني تقدري تجولي إن قضيتك كسبت، واسمك بكرة هينزل في الصفحة الأولى.”
نور وقفت على رجليها، ورجعت خصلة متمردة من شعرها ورا ودنها ببرود مصطنع عشان تداري دقات قلبها اللي كانت لسه سريعة بسبب قربه، وقالت بعناد:
“تعبك مش هنساه يا يونس بيه…
وجميلك ده فوق راسي. بس دلوقتي، بما إن اللعبة انتهت وسليم زهران بقى ورا القضبان، أظن ملوش لازمة وجودي هنا في قصرك. تليفوني يرجعلي، وبكرة الصبح دلني على الطريق لمحطة القطار عشان أرجع مصر.”
يونس ضيق عيونه الكحلية، ونبرة صوته رجعت هادية وصارمة زي جبال الصعيد:
“قطار إيه اللي تركبيه لِحالك يا بت الناس؟ يونس الهواري ميسيبش حرمة دخلت حمايته تسافر لوحدها في غبش الليل أو عفرة النهار. تليفونك هتاخديه بكرة الصبح… وهمام ورجالتي هياخدوكي في العربية الكبيرة لحد باب بيتك في المحروسة، معززة مكرمة.”
نور رفعت حاجبها بتحدي وعناد صعّب الأمور بينهم:
“وأنا مباخدش أوامر من حد يا يونس! قولتلك أنا صحفية وبسافر بلاد وبدخل وسط خطر، مش محتاجة حراسة ولا عربيات كبيرة.”
يونس قرب منها خطوة واحدة، وطول قامته وهيبته فرضت الصمت في الأوضة، وبص في عيونها مباشرة وقال بكلمات واضحة وقوية هزت كيانها:
“في المحروسة بتاعتك اعملي اللي يريحك… بس طول ما رجلك على أرض الهوارية، كلمتي هي اللي بتمشي، وده للأصول مش فرض سيطرة. رجوعك بكرة لبيتك وسط أهلك هو الصح عشان نطمن عليكي.”
نور سكتت وبصت للأرض، حاسة بصراع غريب جواها؛
عقلها عايز يرجع لحياتها وشغلها في القاهرة ويبعد عن الراجل ده اللي بيلغي تفكيرها بنظرة، وقلبها لأول مرة كان حاسس بأمان غريب في وسط ضـ,ـرب النـ,ـار لمجرد إنه كان واقف ورا الباب بيحميها لكنها في الأخر كانت أمانه وهو صانها.
صباح اليوم التالي – الوداع الصامت
الصبح طلع ونور كانت واقفة عند بوابة القصر الكبيرة، لابسة هدومها وجاهزة للسفر. همام كان واقف جنب العربية السوداء الضخمة ومجهز كل حاجة.
يونس خرج من باب القصر، لابس جلبابه الصعيدي الوقور وشاله على كتافه، ملامحه كانت هادية ومفيش فيها أي تعبير، بس عيونه كانت بتقول كلام كتير ملوش آخر.
وقف على مسافة متر منها، ومد إيده بالتليفون بتاعها وقال بوقار:
“ده تليفونك يا نور… الأمان رجع ليكي ولبلدك. تقدري ترجعي الحين وانتي رافعة راسك.”
نور أخدت التليفون ببطء، صوابعهم متلمستش بس النظرة اللي بينهم كانت أعمق من أي لمسة. بصتله بعنادها المعتاد بس بنبرة فيها رجاء خفي:
“شكراً يا يونس… على كل شيء. حكايتك وحكاية الصعيد دي مش هتنزل في الجرنان… دي هتفضل في مكان تاني.” وأسفة على اي كلام صدر مني مع صحابي وقت ماشوفتني انتو بجد شرف ورجالة فوق الدماغ
يونس ابتسم بوقار وهز راسه:
“توصلي بالسلامة يا بت الناس.”
ركبت العربية، والباب اتقفل، وتحركت العربية وسابت قصر الهوارية وراها. نور بصت من الشباك لآخر لحظة، شافت يونس واقف في مكانه بيبص على أثر العربية، هيبته وصمته وعناده كانوا آخر حاجة شافتها وهي بتودع أرض الصعيد… والاتنين عارفين إن العناد ده مش نهاية الحكاية، بل هو البداية لحرب تانية خالص، حرب القلوب اللي مبتسلمش بسهولة.
يتبع حكايات مايا خالد



