
نور بلعت ريقها وهزت راسها بضعف، وهي بتبص لعيونه اللي كانت بتغلي بالغضب والتحدي. يونس سابها وخرج من الغرفة بخطوات سريعة، سايبها وسط دوامة من الأسئلة والخوف من اللي جاي.
اللعبة دخلت في مراحلها الأخيرة، وصقر الصعيد فرد جناحاته للحرب، ونور لقت نفسها في قلب المعركة، ومصيرها مربوط براجل كل ما فيه بيخوفها، وكل ما فيه بيشدها أكتر لعالم أسود وغامض. حكايات مايا خالد
نور فضلت واقفة مكانها، عيونها بتبص للباب الفاضي اللي خرج منه يونس. لمت دراعاتها حوالين نفسها، وحست برعشة خفيفة برغم دفء الجو الصعيدي.
كلام يونس كان واضح، التهديد زاد وسليم زهران مابقاش عنده حاجة يخسرها، وده معناه إنه مستعد يحرق الأخضر واليابس عشان يوصل للفلاشة… أو يوصل لرأسها هي بالذات.
رجعت على الجناح الشرقي وحبست نفسها فيه. اليوم مر عليها كأنه سنة، مفيش أي صوت في القصر غير صوت الهوا اللي بيخبط في شيش الشبابيك، وحركة خفيفة برة للحراس اللي يونس زود عاددهم على السور.
الساعة عدت تمانية بالليل، والظلمة كحلت المكان تماماً.
نور كانت قاعدة على الكرسي الهزاز في ركن الأوضة، ضامة رجليها لصدرها وعيونها على الباب. فجأة، سمعت صوت حركة غريبة تحت شباك أوضتها.
صوت خطوة خفيفة على الرمل، ووراها صوت وشوشة واطية مكنتش مفهومة.
اتنفضت من مكانها وراحت للشباك ببطء شديد، وربت الشيش وبصت لتحت.
الملامح مكنتش واضحة من الضلمة، بس لقطت حركة لراجل لابس لبس الحراس بتوع القصر، بس كان بيتكلم في تليفون صغير ومخبي بوقه بإيده:
”أيوه يا باشا… البنت في الجناح الشرقي فوق… يونس بيه خرج من ساعة مع همام ورجالته الكبار، والقصر مفيش فيه غير حراسة خفيفة ع البوابات… الطريق فاضي ليكم.”
نور الدم هرب من عروقها، وقلبها سقط في رجليها.
الخاين جوة البيت! الحارس اللي مفروض يحميها شغال مع سليم زهران وجاي يبيعها ليهم.
رجعت لورا بخطوات سريعة وهي بتفكر بجنون. يونس مش هنا، وتليفونها معاه، وهي محبوسة في قصر غريب وسط بلد مكنتش تعرف عنها حاجة من يومين.
ملاقيتش قدامها غير حل واحد. جربت تفتح باب الجناح ببطء، الحمد لله مكنش مقفول بالمفتاح المرة دي. سحبت نفسها في الممرات المظلمة بتاعة القصر وهي بتمشي على طراطيف صوابعها. نزلت السلم الرخام بخفة، وعقلها بيقولها تروح لمكتب يونس… تليفونها الخاص أو تليفون المكتب الأرضي هو أملها الوحيد عشان تطلب المساعدة.
دخلت المكتب وقفلت الباب وراها بهدوء. الأوضة كانت ضلمة تماماً ومفيش فيها غير ضوء القمر اللي داخل من الشباك الإزاز الكبير.
راحت على طول على مكتب يونس، بدأت تفتح الأدراج بجنون وتدور وسط الورق عن تليفونها. مكنش فيه أي أثر ليه.
وفجأة… النور اتفتح في المكتب كله مرة واحدة.
نور اتخضت وصرخت وهي بتلف وشها ناحية الباب وسندت بضهرها على المكتب.
كان واقف عند كبس النور، سانده بكتفه العريض وباصص ليها ببرود مميت وعيونه الكحلية بتلمع بسخرية وغضب مكتوم. “يونس الهواري”.
بصلها من فوق لتحت وقال بنبرة صعيدية هادية وباردة تقطع الأنفاس:
”بتدوري على إيه عاد في أدراج مكتبي يا بت الناس؟ تليفونك؟ ولا كنتِ ناوية تهربي ورا ضهري بعد كل اللي عملته عشان أحميكي؟”
نور بلعت ريقها وبصتله بعيون مليانة دموع ورعب، وجريت عليه ومسكت في قميصه الأسود بقوة وإيدها بتترعش:
”يونس! فيه خاين هنا… فيه حارس من رجالتك واقف تحت الشباك وكان بيكلم سليم زهران! قاله إنك مش هنا وإن الطريق فاضي ليهم عشان يدخلوا ياخدوني! أرجوك صدقني!”
يونس ملامحه متهزتش شعرة. مد إيده الكبيرة وبمنتهى الهدوء مسك إيدها اللي ماسكة قميصه ونزلها ببطء، وبص في عيونها مباشرة وقال بصوت دافي ورجولي واثق لدرجة الرعب:
”عارف.”
نور اتسمرت مكانها وعيونها اتسعت بصدمة:
”عارف؟ عارف إزاي؟”
يونس خطى خطوة ناحية الكنبة وقعد عليها بكل هيبة، وربع رجل فوق رجل وقال وهو بيمسح على دقنه الخفيفة:
”أنا يونس الهواري يا نور… يعني مفيش نملة بتتحرك في داري من غير إدني. الحارس الخاين ده، أنا اللي سايبه يتكلم… والكمين اللي سليم زهران جاي برجله فيه الليلة، أنا اللي نصبه بيدي.”
قربت منه بذهول:
”يعني أنت مخرجتش من القصر؟”
يونس وقف تاني، وبقى يفصل بينه وبينها خطوة واحدة، وطى لمستواها وهمس بصوت واطي فيه بحة رجولية خطفت قلبها:
”أخرج وأسيب صيدي لوحده؟ عاد ده يبقى عيب في حق الهوارية. أنا اهني…
وسليم زهران الليلة هيدخل برجله لعرين الصقر، والملفات اللي معاكي بقت الحبل اللي هيلتف حوالين رقبته في نص بيتي.”حكايات مايا خالد
نور وقفت مكانها، عقلها بيحاول يستوعب الجبروت والذكاء المرعب اللي في الراجل ده. يعني هو كان مرتب لكل حاجة، وسايب الخاين وسطهم زي الطعم عشان يسحب سليم زهران لآخر مكان ممكن يتوقعه… عرين الصقر نفسه.
بصت لعيونه الكحلية اللي مكنش فيها ذرة خوف، وقالت بصوت واطي مهزوز:
”يعني أنت… استخدمتني طعم؟”
يونس ضيق عيونه، وملامحه لانت شوية وهو بيبص لملامحها المخطوفة.
خطى خطوة سريعة ناحيتها ومسك كفوف إيدها الباردة بين إيديه الكبار الدافية وقال بنبرة صعيدية أصيلة فيها رجولة وصدق غريب:
”وعاد واجفة تقولي طعم؟ يا بت الناس، لو كنت بايعك أو بستخدمك كيف ما بتقولي، مكنتش وفجت بصدري ل رصاصهم في الجراج، ولا كان كتفي الحين ينزف دم عشانك. سليم زهران كان لازم يطمن عشان يرتكب غلطته الأخيرة اللي هتوديه ورا الشمس. الحارس ده اتصل بيه تحت عيني، والكمين الحين منصوب ع البوابات… وسليم لو خطى خطوة جوة السور، مش هيطلع منها إلا على السجن.”
نور سحبت إيدها ببطء وهي بتحاول تسيطر على دقات قلبها اللي زادت من قربه، وسألته بتوجس:
”والحين؟ إيه اللي هيحصل؟”
يونس سحب مسد*سه الفضي من حزامه وراجع الأمان بتاعه بهدوء حاسم، وبص ناحية الشباك الكبير اللي بيطل على الجنينة:
”الحين… هتدخلي الحمام اللي جوة المكتب ده وتقفلي على نفسك بالضبة والمفتاح. ورجالي برة صاحيين، وصوت الرصاص اللي هتسمعيه بعد دجيجة واحدة… ده صوت نهاية سليم زهران.”
قبل ما نور تتحرك، النور انقطع عن القصر كله فجأة، وساد الضلام الدامس مفيش فيه غير ضوء القمر الضعيف اللي رامي ظلال الشجر على الحيطة.
وفي نفس الثانية، صوت ضـ,ـرب نـ,ـار كثيف وسريع ملى الجو برة، وصوت صراخ وجري ورجال بتنادي على بعضها.
نور صرخت بخفوت من المفاجأة، بس في ثانية واحدة كانت إيد يونس القوية لفت حوالين وسطها وضمتها لصدره العريض، وحست بضـ,ـربات قلبه القوية والمنتظمة اللي بتوحي بثبات غريب. همس جنب ودنها ببحته الرجولية الدافية:
”متخافيش واصل… الصقر واجف على رجله.”
شالها بخفة ورشاقة ووداها لحد باب الحمام الصغير الملحق بالمكتب، ودخلها وقفل الباب عليها وهو بيقول من ورا الخشب بصوت آمر وصارم:
”حسك عينك تفتحي الباب لأي حد…
حتى لو سمعتي صوتي أنا شخصياً، متفتحيش إلا لما أنده عليكي باسمك. فاهمة يا نور؟”
نور سكتت من رعبها وضمت نفسها ورا الباب وهي بتسمع صوت خطوات يونس الثقيلة وهي بتبتعد برة المكتب، وصوت تعمير سلا*حه الفضي رن في ودنها كأنه إعلان لبداية النهاية.
ضـ,ـرب النـ,ـار برة بقى زي الإعصار، وصوت يونس الهواري وهو بيزعج ويؤمر رجالته بلهجته الصعيدية الواعرة كان بيهز جدران المكتب. نور حطت راسها بين ركبها ودموعها نزلت بصمت، ويدها راحت تلقائياً لقلبها اللي بقى يدق باسم الصعيدي اللي مكنتش تطيق مظهره في المصعد…
وبقى الحين هو الراجل الوحيد اللي مستعدة ترمي نفسها في وسط النار عشان يفضل عايش.
المكتب كان بيتهز مع كل طلقة بتطلع برة، ونور كانت عاصرة عيونها في الضلمة، كأنها بتحاول تختفي جوة جدران الحمام الضيق. الصوت كان غريب، خليط من رعب الرصاص وصوت ريح الليل اللي بتخبط في الشجر برة. كانت بتفكر في يونس، في كتفه المصاب اللي لسه مطهر ملقاش وقت يرتاح، وفي هيبته وهو واقف بسلا*حه الفضي وصدره المفتوح للمـ,ـوت عشان يحميها.
فجأة… ضـ,ـرب النـ,ـار برة بدأ يهدى ويسكت تدريجياً.
السكوت اللي حل بعد العاصفة كان أصعب بكتير.
ساد صمت قـ,ـاتل ملوش آخر، ونور كانت بتتنفس ببطء شديد، وودنها ملتصقة بباب الخشب، بتحاول تلقط أي نبرة، أي خطوة.
سمعت صوت خطوات تقيلة وجافة بتدخل المكتب برة. الخطوات كانت بطيئة ومترددة، مش خطوات يونس الواثقة اللي بتهد الأرض.
وقف صاحب الخطوات قدام باب الحمام بالظبط. نور كتمت أنفاسها بإيدها، والدموع جمدت في عيونها من الرعب. مقبض الباب بدأ يتحرك ببطء… حد بيحاول يفتحه من برة، بس الباب كان مقفول بالترباس من جوة.
صوت نفس خشن وضيق جه من ورا الباب، وراه نبرة غل وحقد مألوفة جوي… كان “سليم زهران”:
”نور…
أنا خابر إنك جوة يا بت الناس. افتحي بالذوق بدل ما أطير الباب ده برصاصة وأطير راسك معاه. يونس الهواري ورجالته انتهوا برة، ومحدش واجف معاكي الحين.”
نور قلبها سقط في رجليها. هل فعلاً يونس جرى له حاجة؟ هل الصقر وقع؟
قبل ما سليم يكمل كلامه أو يمد إيده على الزناد، صوت هبدة قوية هزت المكتب برة، وصوت جسم بيتزق بعنف على الحيطة الخشب.
”وعاد مفكر دار الهواري ملهاش صاحب يا ولد زهران؟”
صوت يونس! النبرة الرجولية الواعرة، المليانة غضب وثقة تزلزل جبال.
نور شهقت بفرحة ودموعها نزلت وهي سامعة صوت يونس وهو بيطبق على خناق سليم. صوت ضـ,ـرب وعنـ,ـف ملى المكتب برة، وصوت سليم وهو بيصرخ بوجع ويحاول يفلت من إيد يونس القوية اللي كانت شبه الكلبشات الحديدية.
يونس بلهجة صعيدية حامية تطلع شرار:
”أنت مفكر إنك واصل بفلوسك وناسك؟ الحين الكبار اللي كنت بتتحامى فيهم سحبو يدهم منك بعد ما الملفات بقت في يد النيابة العامة بوزارة الداخلية… ورجالتك برة كلهم متكتفين في الحوش تحت رجلين صبياني. انتهيت يا سليم… وقبرك حفرته بيدك اهني في الصعيد.”
سليم وهو بيلهث وبيتكلم بصعوبة وهو تحت إيد يونس:
”مش هترتاح يا يونس… البنت دي مش هتبقى ليك!”
يونس رد بصوت واطي ومبحوح، بس هز كيان نور اللي ورا الباب:
”البنت دي في حمايتي… والكلمة دي تمنها رقبتي ورقبة عيلة الهواري كلها. غور من وشي.”
سمعت نور صوت خطوات رجالة كتيرة بتدخل وسحبت سليم وهو مكسور وبيجر أذيال خيبته برة القصر عشان يتسلم للشرطة اللي كانت محاوطة المكان من برة بعد ما يونس رتب كل شيء مع الجهات الرسمية.
الصمت رجع تاني للمكتب، بس المرة دي كان صمت دافي ومريح.
خبطتين خفاف وعلى الهادي جم على باب الحمام، وصوت يونس الهمس رجع يملى المكان بحنية صعيدية أصيلة:
”نور… اطلعي يا بت الناس. الصقر خلص صيده، والأمان رجع لدارك.”
نور فتحت الترباس بسرعة وإيدها بتترعش، وفتحت الباب.
كان واقف قدامها، وشه عليه عفرة بسيطة من التراب، والقميص الأسود متبهدل، بس عيونه الكحلية كانت بتلمع بهدوء وراحة غريبة أول ما وقعت عليها.
نور متمالكتش نفسها، ومن كتر الضغط العصبي والخوف اللي عاشته ليلتها، حست إن الدنيا بتلف بيها، وقبل ما تقع على الأرض، يونس لمح هبوطها وبسرعة البرق، وبدون ما يلمسها بشكل مباشر، سحب الكرسي الفخم اللي وراه وزقه بنعومة تحتها عشان تسند عليه، وسند كتفها بطرف العباية اللي كان لابسها فوق قميصه لحد ما استعادت توازنها وجلست وهي بتتنفس بصعوبة.



