
وجاء الليل المنتظر.. الساعة دقت 9، والبيت الصغير كان هادي لدرجة تخنق، مفيش أي مظاهر للفرحة، مفيش غير صوت دقات قلب سولاف اللي كانت بتسمعها في ودنها من كتر الرعب.
كانت قاعدة في أوضتها، لابسة فستان أبيض بسيط جداً وواسع، وحاطة طرحة بيضاء على راسها دارت بيها وشها الباهت وعيونها المورمة من كتر العياط. رنا كانت قاعدة جنبها، ماسكة إيدها وبتحاول تطمنها: “والله يا سولاف أبيه سالم ده أطيب قلب في الدنيا، هو بس طبعه شديد وعصبي عشان شغلو، وكمان هو مبيحبش صنف الستات.. بس صدقيني، هو وافق يحميكي، وده أهم حاجة دلوقتي.”
سولاف بصت لها بكسرة ودموعها نزلت:
“هو وافق عشان خاطرك أنتِ يا رنا.. أنا شوفت في عينه نظرة احتقار وكُره، حاسة إني رخيصة أوي في نظره.. حاسة إني داخلة على جحيم.”
قبل ما رنا ترد، انطلق صوت خبطات سالم القوية على الباب البراني، الخبطات اللي بقت ترعب سولاف لمجرد سماعها.
برة في الصالة، المأذون كان قاعد والجدة جنبه بتدعي وساندة على عصايتها. دخل سالم بهيبته الطاغية، لابس بدلة سودا شيك جداً، وملامحه جامدة كأنها منحوتة من صخر، مفيش على وشه أي تعبير يدل إنه عريس.. كأنه داخل يخلص مأمورية رسمية ويقفل المحضر.
سالم قعد وحط بطاقته قدام المأذون ببرود:
“اتفضل يا مولانا، ورقة الجواز أهِي.. وبسرعة لو سمحت عشان ورايا شغل.”
المأذون بدأ يكتب، وطلب وكيل العروسة، فالجدة قالت بصوت مرتعش: “أنا وكيلتها يا ابني.. مفيش غيري.”
مرت الدقائق تقيلة وزي السكاكين، لحد ما انطلقت الجملة الشهيرة: “بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.”
الجدة زغرطت زغروطة مكسورة وخفتت بسرعة لما شافت نظرات سالم الحادة. قام سالم وقف، وبص لرنا اللي خرجت من الأوضة وقالت: “مبروك يا أبيه.. سولاف جوة.”
سالم مشى بخطوات منتظمة وواسعة ودخل الأوضة.. قفل الباب وراه بالمفتاح، والصوت ده خلا جسم سولاف كله ينتفض.
وقفت بسرعة واستندت على ضهر السر,,ـــــير، باصة في الأرض وضامة إيدها لبعضها وبتترعش.
سالم وقف قدامها، طوله الفارع وعرض كتافه كان مغطي عليها تماماً، حط إيده في جيبه وبص لها من فوق لتحت بنظرة باردة وقاسية، وقال بصوت واطي ومرعب: “ارفعي راسك وبصي لي هنا.”
سولاف اتنفضت ورفعت راسها ببطء، وعيونها اللي بلون السما ومليانة دموع جَت في عيونه السودا الحادة.. البراءة اللي في وشها والضعف اللي باين عليها خلا حتة جوا قلبه تتحرك، بس هو قسّى قلبه بسرعة وافتكر عقدته القديمة من الستات.
قرب منها خطوة، فـ رجعت هي خطوة لورا بخوف، سالم ابتسم بسخرية وقال:
“أنا مش هعضك.. اسمعيني كويس يا بنت الناس عشان نضع النقط على الحروف من أول دقيقة.. الجوازة دي تمت غصب عني، عشان دموع أختي رنا وبس.. يعني على الورق، أنتي هنا زي الكرسي ده، مالكيش أي حقوق عندي ولا ليكي مكان في حياتي.”
سولاف بلعت ريقها وصوتها طلع مخنوق ومكسور: “أنا.. أنا عارفة، ومش عايزة حاجة.. كتر خيرك إنك سترت عليا.”
سالم ضغط على سنانه وعروق رقبتها برزت من الغضب: “كلمة “سترت عليا” دي مسمعهاش تاني.. وملمحكيش بتعيطي وتتمسكني قدامي، أنا بيكره دموع الستات وبلوعهم..
أنتي هتقعدي هنا مع جدتك، وأنا هسيب ليكي مصروفك كل أول شهر، وممنوع تتصلي بيا أو تتدخلي في شغلي.. وأول ما الأزمة دي تعدي، ورنا تتخرج وتتصلح الأمور، ورقتك هتوصلك.. فاهمة ولا لأ؟!”
سولاف هزت راسها بسرعة والدموع نازلة على خدودها زي الشلال: “فاهمة.. فاهمة يا بيه.”
سالم سابها ودار ضهره وهو مخنوق من ريحة برائتها اللي هزت جموده، وخرج من الأوضة وقفل الباب وراه بعنــ,,ـــــف.. مشى وساب البيت كله، وركب عربيته وطار بيها في شوارع القاهرة وهو بيشتم حظه اللي رماه في سكة عيلة مكسورة، هتقلب حياته كلها وتحديه الأسود يادوب لسه بيبدأ!
مرت الأيام وسولاف عايشة في حالة من الرعب المستمر، كل ما تسمع صوت عربية في الحارة يتهيأ لها إن الرائد سالم رجع، أو إن الكابوس اللي عاشته هيرجع يتكرر تاني. رنا كانت بتجيلها الجامعة وتحاول تخفف عنها، بس سولاف كانت دايما حاسة إنها تقيلة، وإنها مجرد “جميلة” عملها سالم المنشاوي في أختها.
في يوم، بعد حوالي أسبوعين من كتب الكتاب، كانت سولاف قاعدة جنب جدتها اللي تعبها زاد وبقت مش قادرة تتحرك من السر,,ـــــير. فجأة، الباب خبط خبطات قوية وسريعة.. نفس الخبطات اللي سولاف حافظاها ومش بتغيب عن بالها.
جرت بسرعة تفتح والنعاس طاير من عينها، وأول ما فتحت لقت سالم واقف بهيبته، بس المرة دي وشه كان شاحب، وقميصه الأبيض متبهدل تراب وفي بقعة دم صغيرة على كتفه، وعيونه الحادة فيها كمية تعب وغضب مش طبيعية.
سولاف حطت إيدها على بؤها بصدمة وخوف: “أبيه سالم!.. أنت.. أنت كويس؟ فيك حاجة؟”
سالم دخل وقفل الباب برجله بعنــ,,ـــــف، وبص لها بنظرة خلت ركبها تسيب، وصوته طلع مبحوح وخشن من كتر العصبية: “وسعي من وشي يا سولاف.. مش طايق نفسي.”
سولاف رجعت لورا وهي شايفة إنه بيتحامل على نفسه ومش قادر يقف على رجله، بس كبريائه منعه يشتكي.
سابها ودخل الصالة، رمى مفاتيحه وسلا..حه على التربيزة واترمى على الكنبة بتعب، وغمض عينه وهو بيمسح على وشه بقهر. كان راجع من مأمورية ضــ,,ـــــرب نــ,,ـــــار صعبة ومات فيها واحد من عساكره، والدنيا كانت سودا في عينه.
سولاف، رغم خوفها الشديد منه ورقتها اللي بتخليها تتفزع من أي صوت عالي، حست إن واجبه عليها تقف جنبه، ده في النهاية الراجل اللي شايل اسمها. قربت منه بخطوات بطيئة ومرعوبة، ووقفت على مسافة منه وقالت بصوت رقيق زي النسمة: “أبيه.. لو حضرتك تعبان أو فيك جرح.. أنا ممكن أساعدك؟ أو أطلب لك دكتور؟”
سالم فتح عينه فجأة، وبص لها بنظرة حادة زي الموس، نظرة مليانة كُره وغضب أعمى من صنف الستات كله، وقال بـ فحيح مرعب: “أنتي فاكرة نفسك مين عشان تساعديني؟! مش سالم المنشاوي اللي حتة عيلة مكسورة زيك تشفق عليه! أنتي هنا مجرد واجب ثقيل على قلبي وبأديه، فوقي لنفسك ومتعيشيش الدور!”
الكلمات نزلت على قلب سولاف جرحته، دموعها نزلت بسرعة وحست بـ إهانة وكسرة نفس ملهاش آخر. لفت وشها وجرت على أوضتها وهي بتعيط بكتمان عشان جدتها متمــ,,ـــــوتش من الصدمة.
سالم أول ما شاف دموعها وجريها من قدامه، حس بـ نغزة غريبة في صدـ,,ـــره..
ريحة برائتها ونعومتها كانت بتهاجم جفافه وقسوته، وهو بيكره الضعف ده. اتنرفز أكتر وقام وقف وهو بيشتم نفسه إزاي سمح لنفسه ييجي هنا بدل ما يروح بيته.
وهو قايم، سمع صوت كحة شديدة ومكتومة جاية من أوضة الجدة، وبعدها صوت حاجة تقع على الأرض. سولاف خرجت من أوضتها بتصرخ: “تيتاااا!”
سالم جرى وراها ودخل الأوضة، لقى الجدة واقعة في الأرض، وشها أزرق ومش قادرة تاخد نفسها. سولاف قعدت في الأرض جنبها، بتعيط بهستيريا وتلطم على وشها برعب: “تيتا ردي عليا!! عشان خاطري متسبنيش لوحدي! يا رب ملهاش غيرك.. أبيه سالم الحقني!!”
سالم في ثانية، تحول لـ ظابط المحترف، شال الجدة بسرعة وخفة بين إيديه الطويلة، وبص لسولاف وزعق بصوت جهوري: “امسحي دموعك دي والسي طرحتك بسرعة!! مفيش وقت للعياط المرق ده.. يلاااا!”
سولاف من الخوف حطت الطرحة على راسها وطلعت تجري وراه. سالم نزل بيها السلم بسرعة الصاروخ، وركبها الكنبة اللي ورا في عربيته، وسولاف قعدت جنبها وهي بتترعش وماسكة إيد جدتها وبتبوسها.
سالم طار بالعربية في شوارع القاهرة، بيسوق بأقصى سرعة، وعينه كل شوية تيجي في المراية على وش سولاف البريء اللي غرقان دموع ورعب..
لأول مرة يشوفها وهي مش خايفة منه، هي خايفة من الدنيا كلها لو جدتها سابتها.
وصلوا المستشفى، والممرضين جرو بالترولي وخدوا الجدة على العمليات فوراً. سولاف وقفت في الطرقة، ضامة نفسها وبتترعش من البرد والخوف، ودموعها مش راضية تقف.
سالم وقف بعيد، مربع إيده، عينه عليها.. الصراع جواه شغال؛ عقله بيقول له دي ست، والستات كلهم خاينين ومصايب (عقدته القديمة)، وقلبه أو جانب النخوة والشهامة فيه بيقول له دي طفلة يتيمة، مكسورة، ومستجيرة بيك.
قرب منها بخطوات بطيئة، ولأول مرة صوته ميكونش فيه زعاق، قال بنبرة جافة بس أهدى من الأول: “اقعدي.. الجري والعياط ده مش هيشفيها.
ادعي لها.”
سولاف بصت له بعيونها الزرقا الدبلانة، وبشهقات مكسورة قالت: “لو جرى لها حاجة أنا همــ,,ـــــوت يا أبيه.. أنا ملأيش حد في الدنيا دي غيرها.. الدنيا برة توجع أوي، وأنا خلاص مش قادرة.”
كلمة “الدنيا برة توجع” خبطت في قلب سالم.. افتكر المصيبة اللي البنت مرت بيها والكسرة اللي هي فيها. لقى إيده، من غير ما يحس، بتمتد وبتمسك كتفها بهدوء، وضغط عليه ضغطة خفيفة كأنه بيقول لها “أنا هنا”.. بس بسرعة سحب إيده لما افتكر نفسه، ودار وشّه الناحية التانية وهو بيقول في سره: “أنتي هتعملي فيا إيه يا بنت الحارة؟!”



