
إنتي اتجننتي؟ عايزاني ألبس فستان أختي اللي هربت يوم فرحها، وأدخل لـ ‘جبل الهواري’ مكانها؟ ده راجل مابيعرفش غير لغة الأوامر، عايزاني أكون كبش الفدا لفضيحتكم؟” قمر صرخت والدموع بتحرق عينيها، بتبص لأمها اللي كانت قاعدة بتعيط بقلة حيلة. أبوها دخل الأوضة، وشه شاحب وكأنه كبر عشر سنين في ليلة واحدة، صوته كان مكسور وهو بيقول: “الناس مالية السرايا تحت يا بنتي.. لو جبل عرف إن عروسته هربت، هيهد البيت ده على دماغنا كلنا وفضيحتنا هتبقى بجلاجل. استري علينا يا قمر، ده جواز على الورق لحد ما نشوف حل.”
قمر حست إن روحها بتنسحب منها. جبل الهواري.. الراجل اللي طول عمرها بتتحاشى حتى تبص في عينيه من كتر هيبته وصرامته. لبست الفستان اللي كان تقيل على قلبها أكتر من جسمها. نزلت على السلالم زي اللي رايحة لحكم إعدامها، والكل بيباركلها وهما مش عارفين إنها العروسة البديلة. في قصر جبل… الباب اتقفل وراهم. المكان كان فخم جداً بس هادي بطريقة تخطف القلب. جبل قلع عبايته، ووقف يديها ضهره للحظات قبل ما يلف ويبصلها.
نظراته ماكانتش غضب ولا صدمة زي ما توقعت، كانت نظرات… ثابتة، غامضة، وفيها لمعة غريبة كأنه كان مستني اللحظة دي بفارغ الصبر. ”كنت متأكد إنهم هيبعتوكي إنتي.. عشان يداروا على خيبتهم.” صوته كان هادي، بس جواه جاذبية وقوة ترعب وتشد في نفس الوقت. قمر بلعت ريقها بالعافية، وحاولت ترسم القوة على ملامحها وقالت بصوت مهزوز: “أنا.. أنا هنا بس عشان أستر على عيلتي، زي ما بابا أكيد قالك. جوازنا هيبقى على الورق فترة وكل واحد يروح لحاله.”
جبل ضحك ضحكة رجولية هادية، وقرب منها بخطوات بطيئة، لحد ما وقف قدامها بالظبط. ملامحه القاسية لانت فجأة بطريقة خلت قلبها يدق بعنف، وميل عليها وهمس بصوت زلزل كيانها: “جواز على الورق؟ وأبوكي مفهمك إن أختك هربت لوحدها؟” قمر رفعت عينيها بصدمة، ونسيت خوفها للحظة: “قصدك إيه؟” ابتسم ابتسامة جانبية فيها دهاء وانتصار، ومسك إيديها اللي كانت بترتعش بين إيديه القوية، وكمل بنبرة كلها شغف وتملك:
“أختك أنا اللي هربتها مع الواد اللي بتحبه.. أنا اللي خططت لكل ده من شهور، عشان أوصل للحظة دي. أنا عمري ما كنت عايز أختك يا قمر… أنا من الأول كنت عايزك إنتي، واللي جبل الهواري بيعوزه، بيخلق له طريق حتى لو هيقلب الدنيا عشانه. بس تفتكري بعد ما أخيرًا بقيتي في بيتي وعلى اسمي، هسيبك تمشي بالسهولة دي؟” قمر اتسمرت مكانها، ووشها جاب ألوان.. كلامه كان زي الصاعقة اللي قلبت كل الموازين. إزاي خطط لكل ده؟ وليه هي بالذات؟ وإيه اللي جبل ناوي عليه بعد ما أوقعها في فخه بمزاجها؟
“إنت بتقول إيه؟!” قمر رجعت لورا خطوتين، عينيها مفتوحة على آخرها والدم بيغلي في عروقها. “أنت اللي خططت لكل ده؟ إنت لعبت بعيلتي وبأختي وبأبويا عشان… عشاني أنا؟” جبل قرب منها بخطوات واثقة، ملامحه اللي كانت دايماً بترعب الكل، دلوقتي فيها حنية غريبة، حنية مربكة ومخيفة أكتر من قسوته. “لعبت؟ أنا ما بلعبش يا قمر.. أنا بخطط. أختك كانت بتموت على الواد الخايب اللي هربت معاه، وأبوكي كان رافض ومصمم يجوزهالي. أنا بس.. سهلتلهم الطريق. فتحتلهم الباب اللي كان مقفول، عشان الباب التاني يتفتحلي وأجيبك إنتي هنا.”
قمر صرخت فيه ودموعها نزلت: “إنت إنسان مريض! أناني! فاكر إنك لما تلوى دراع أبويا بفضيحته وتجبرني أتجوزك كأني صفقة، إني هحبك؟ أنا بكرهك يا جبل.. بكره جبروتك وغرورك ده!”
جبل ما اتهزش شعرة منه، بالعكس، ابتسامته وسعت وعينيه لمعت بتحدي بيعشقه. رفع إيده ببطء ومشى صوابعه الخشنة على خدها الناعم يمسح دموعها، قمر حاولت تبعد بس جسمها كان متخدر من قربه وهيبته.
الكره ده بداية حلوة أوي يا قمر.. أحسن من البرود. الكره معناه إنك شايفة جبل الهواري وحاسة بيه، معناه إني شاغل تفكيرك. ومادام حاسة بيا، أوعدك إن الكره ده هيتحول لنار هتحرق قلبك لو غبت عنك لحظة. إنتي ليا يا قمر، من زمان أوي.. ودلوقتي بس بقيتي في مكانك الصح.”
سابها وخرج للبلكونة، وقمر قعدت على الأرض بفستانها التقيل، مش عارفة تبكي على حظها ولا على الراجل اللي قدامها ده اللي طلع مهووس بيها بالشكل ده. طول الليل رفضت تنام على السرير، وفضلت قاعدة على الكنبة، وهو سابها براحتها تماماً، كأنه بيعطيها مساحة تستوعب الصدمة. في الصباح… الصبح طلع على قمر بجلابية بيتي واسعة، ملامحها مرهقة. جبل خرج من الحمام، قطرات الميه بتنزل من شعره الأسود الكثيف على ملامحه الرجولية القاسية. بصلها بنظرة طويلة وهو بيلبس ساعته، وراح ناحية الباب.
“انزلي افطري معايا.. مش عايز أسمع كلمة لا.” قالها بنبرة أمر، بس عينيه كانت بتدور على أي رد فعل منها. نزلت قمر بخطوات بطيئة، السرايا كانت كبيرة ومخيفة. دخلت غرفة السفرة، لقت “الحاجة رضوى” أم جبل قاعدة على رأس الطرابيزة. بمجرد ما شافت قمر، بصتلها من فوق لتحت بقرف وقالت بصوت مسموع للخدم: “أهلاً بست الحسن.. العروسة الاستبن. فاكرة نفسك هتبقي ست السرايا دي؟ ده إنتي جاية تسدي خانة فضيحة أختك، إحمدي ربنا إن جبل ابني رضي يستر عليكم.”
قمر دمعت وحست بكسرة نفس، لسه هترد وتدافع عن كرامتها، لقت صوت زلزل السفرة كلها خلى الخدم يترعبوا. “قمر مش استبن يا حجة.. قمر هي ست السرايا، وتاج راس الكل هنا.. واللي هيبصلها بطرف عينه، أو يفكر يجرحها بكلمة، هنسى هو مين وهقلعها له!” جبل كان واقف على باب الأوضة، عينيه بتطلع شرار. أمه سكتت بصدمة، وقمر قلبها دق بعنف.. أول مرة حد يدافع عنها بالقوة دي، وأول مرة تحس بالأمان في مكان كانت فاكراه سجنها.
جبل قرب منها، سحبها من إيديها قدام أمه وكل الموجودين، وطلع بيها على السلم بخطوات واسعة. دخلوا جناح مقفول في آخر الطرقة أول مرة تشوفه. فتح الباب، وقمر وقفت متسمرة مكانها من الصدمة… الجناح كان نسخة طبق الأصل من المرسم اللي كانت دايماً بترسمه في خيالها وتكتب عنه في مذكراتها اللي ضاعت منها من خمس سنين! نفس الألوان، نفس اللوح الفاضية اللي مستنية ريشتها، حتى نوع الورد المفضل ليها مالي المكان.
”إيه ده؟” همست وهي مش مصدقة عينيها، وبتمد إيديها تلمس أدوات الرسم كأنها في حلم. جبل وقف وراها، حوط وسطها بإيديه الاتنين برقة متتناقضة مع ضخامته، ودفن وشه في رقبتها، وهمس بصوت دافي دوب كل حصونها: “ده حلمك اللي ضاع.. أنا بنيتهولك طوبة طوبة من خمس سنين. من اليوم اللي لقيت فيه مذكراتك وعرفت إني مستحيل أكون لغيرك. أنا كنت براقبك بتكبري قدامي يوم ورا يوم، وكنت مستني اللحظة اللي تبقي فيها مراتي.”
قمر لفت ببطء عشان تبصله، عينيها مليانة دموع وحيرة ومشاعر متلخبطة. قربت منه لدرجة إن أنفاسهم اختلطت، قلبها كان بيدق طبول، ولسه هتتكلم وتكسر حاجز الصمت… الباب خبط بقوة وعنف، وصوت “سالم” دراع جبل اليمين جاي من برا بيصرخ: “يا جبل بيه.. يا جبل بيه.. إلحق!” جبل شد على سنانه، وفتح الباب بغضب جحيمي: “في إيه يا زفت زلابيا إنت؟” سالم بيبلع ريقه بخوف وبص لقمر ورجع بص لجبل وقال: “أبو العروسة.. الحاج عبد الرحمن.. جالنا السرايا دلوقتي، ومعاه مأذون، وبيقول إنه…”
جبل عروقه برزت، وقمر حطت إيديها على قلبها برعب.. يا ترى أبوها جاي ليه؟ وإيه اللي خلاه يجيب مأذون بعد ما اتجوزوا؟ وإيه السر اللي الحاج عبد الرحمن جاي يكشفه دلوقتي بالذات وهيقلب كل اللي جبل خططله؟



