
حصري للكاتبه #سهر_محمد “أبو العروسة جايب مأذون؟” الكلمة طلعت من بين سنان جبل كأنها فحيح أفعى، ملامحه اللي كانت من ثواني غرقانة في العشق والحنية، اتحولت لبركان غضب جاهز ينفجر ويحرق الأخضر واليابس. ساب الباب، ونزل درجات السلم الطويلة بخطوات سريعة ومرعبة كأنه عاصفة هتهد السرايا على دماغ الكل. قمر قلبها وقع في رجليها، حست إن روحها بتتسحب منها. مسكت ديل فستانها وجريت وراه حافية، مش قادرة تستوعب إيه اللي بيحصل. أبوها جاي يطلقها؟ بعد ليلة واحدة من جوازهم؟ طب ليه؟ وإزاي عرف إن جبل هو اللي ورا هروب أختها؟
الحاج عبد الرحمن كان واقف شامخ، رغم التعب والكسرة اللي كانت في عينيه امبارح، النهاردة واقف كأنه أسد بيدافع عن شرفه. جنبه المأذون قاعد على طرف الكرسي بيترعش من هيبة المكان واسم “جبل الهواري”. الحاجة رضوى (أم جبل) كانت واقفة بتبتسم بشماتة، كأنها مصدقت تلاقي حجة عشان تطرد قمر من السرايا. جبل وصل لآخر السلم، ووقف قدام الحاج عبد الرحمن، حط إيديه في جيوب بنطلونه ببرود مخيف وقال بصوت واطي بس بيرجّ المكان:
“خير يا حاج عبد الرحمن؟ خطوتك عزيزة، بس دخول السرايا بمأذون الصبحية دي بدعة جديدة ولا إيه؟” الحاج عبد الرحمن بصله بقوة، ورفع عكازه خبط بيه الأرض وقال بصوت مليان قهر وتحدي: “بدعة إنت اللي خلقتها يا جبل بيه! فاكر إن فلوسك ونفوذك هيعموا عينيا عن الحقيقة؟ أنا بنتي التانية كلمتني الفجر.. حكتلي كل حاجة. حكتلي إزاي رجالتك أمنوا طريقها هي والزفت اللي هربت معاه، وإزاي إنت سهلتلهم السفر عشان تحطني قدام الأمر الواقع، وتجبرني أجوزك قمر عشان أداري على الفضيحة!”
شهقة مكتومة طلعت من قمر اللي كانت واقفة على السلم بتسمع كل حاجة.. أبوها عرف! عبد الرحمن كمل بصوت بيتهدج من الانفعال: “أنا يمكن راجل بسيط جنب نفوذك، بس بناتي أغلى من روحي. قمر مش بيعة وشروة يا جبل، ولا هي عروسة لعبة هتكسر عين أبوها بيها عشان تاخدها. المأذون ده جاي يفك الغمة دي.. بنتي هتطلق دلوقتي، وهترجع معايا بيتي معززة مكرمة، ولو هبيع هدومي عشان أسددلك أي خسارة هعملها!”
الحاجة رضوى ضحكت بسخرية وقالت: “عين العقل يا حاج.. خد بنتك اللي ما تليقش بمقامنا، وريحنا من الليلة الكدابة دي!” ”امييييي!” صرخة مدوية طلعت من جبل خلت السرايا كلها تتهز، والكل سكت كأن على روسهم الطير. عروق رقبته برزت، ولف لأمه بنظرة خلتها ترجع لورا بخوف، وبعدين رجع بص للحاج عبد الرحمن، بس المرة دي ملامحه اتغيرت.. الغضب اتبخر، وظهرت مكانه لمعة غريبة، لمعة عاشق مجنون مستعد يهد الدنيا عشان يثبت حبه.
”طلق؟” جبل نطق الكلمة وكأنه بيدوق طعمها المر، وقرب خطوة من الحاج عبد الرحمن، صوته نزل لدرجة الهمس بس كان مسموع للكل: “الظاهر إنك مش فاهم يا حاج. أنا ما كسرتكش عشان أذلّك.. أنا عملت المستحيل عشان أطول النجمة اللي في سماك. قمر دي روحي اللي مسلوبة مني بقالها خمس سنين.. إنت فاكر إني ممكن أفرط في روحي بسهولة دي؟” رفع عينيه وبص لقمر اللي واقفة على السلم بتبكي ومصدومة، عيونهم اتقابلت في نظرة طويلة، نظرة فيها ألف اعتراف واعتذار وشغف. جبل شاور للمأذون اللي كان بيترعش وقال بثبات:
“افتح دفترك يا مولانا.. بس مش عشان تكتب طلاق. إكتب ملحق لعقد الجواز.” المأذون طلع القلم وهو متلخبط: “مـ.. ملحق إيه يا جبل بيه؟” جبل بص لقمر، وعينيه ما نزلتش من عليها، وقال بصوت عالي وثابت: “إكتب إن جبل الهواري بيكتب نص أملاكه، سرايته، وأراضيه، وشركاته باسم حرمه ‘قمر عبد الرحمن’.. مهر متأخر ليها. وإكتب إن العصمة بقت في إيدها.. لو حبت تطلقني وترميني بره جنتها، تقدر تعملها في أي لحظة.”
الصدمة ألجمت الكل. الحاج عبد الرحمن عينيه وسعت بذهول، والحاجة رضوى لطمت على صدرها بصمت، والمأذون القلم وقع من إيده. دي مش تصرفات جبل الهواري القاسي.. ده تصرف راجل متيم، مجنون، مسلم رقبته بكامل إرادته للي ملكت قلبه.
جبل سابهم كلهم، وطلع السلم ببطء لحد ما وقف قدام قمر. مسك إيديها اللي كانت متلجة، وباس باطن إيدها بعمق قدام أبوها والكل، وهمس لها بصوت بيدوب الحجر:
“أنا ما سرقتكيش يا قمر.. أنا حاربت الدنيا عشانك. ودلوقتي، أنا حطيت رقبتي وثروتي وكبريائي تحت رجليكي. لو شايفة إني أستاهل فرصة أثبتلك إنك ملكة قلبي، انزلي معايا وقولي لأبوكي إنك مرات جبل الهواري.. ولو شايفة إني لسه الوحش الأناني، العصمة في إيدك.. طلقيني، وامشي مع أبوكي، وأقسم بالله ما هرفع عيني فيكي طول ما أنا عايش.” قمر كانت بتترعش، قلبها بيدق بسرعة جنونية كأنه هيخرج من ضلوعها. كل حاجة حواليها بتلف.. حب مجنون، تضحية غير متوقعة، وأبوها اللي واقف تحت مستني كلمتها.
نزلت عينيها لجبل اللي كان راكع على ركبة واحدة قدامها على السلم، باصصلها بنظرة رجاء أول مرة تظهر في عيون الصقر. خدت نفس عميق، ونزلت بخطوات بطيئة، كل العيون متعلقة بيها.. وقفت قدام المأذون، وبصت لأبوها، وبعدين لفت لجبل وقالت بصوت هادي بس واثق: “أنا………” …يتبع صلوا على النبي في التعليقات.. وقولولي رأيكم في البارت الطويل ده! تفتكروا قمر هتقول إيه؟ هتختار ترجع مع أبوها بعد ما جبل سلمها كل حاجة؟ ولا هتختار تدي لجبل فرصة وتكون ست السرايا؟
متحمس للباقي شوف الجزء الثاني بسرعه & “أنا… أنا هفضل مرات جبل الهواري، وهكمل معاه يا بابا.” الكلمة نزلت على السرايا كلها زي السكوت اللي بيسبق العاصفة. الحاج عبد الرحمن عينيه وسعت بصدمة، كأنه مش مصدق إن بنته الرقيقة، اللي كانت بتترعش من الخوف امبارح، واقفة دلوقتي بالثبات ده. قمر سابت المأذون، وقربت من أبوها، مسكت إيده العجوزة وباستها بدموع محبوسة، وقالت بصوت قوي نابع من كرامتها:
“أنا مش هطلق يا بابا.. بس مش عشان خايفة من نفوذه، ولا عشان طمعانة في الفلوس اللي كتبها باسمي. أنا هفضل هنا عشان جبل بيه اداني الس*لاح اللي أحمي بيه نفسي.. العصمة في إيدي، يعني أنا قاعدة في السرايا دي بمزاجي وبإرادتي، مش غصب عني ولا كبش فدا لفضيحة حد. اطمن يا حبيبي، بنتك بميت راجل، ومحدش هيقدر يكسرها.” جبل كان باصصلها، وصدره بيعلى ويهبط من كتر الأنفاس اللي كان حابسها. ملامحه اللي دايماً صارمة، ظهرت عليها ابتسامة إعجاب وفخر هزت كيانه من جوه. دي مش مجرد بنت بيحبها، دي ملكة تستاهل تتربع على عرش السرايا وقلبه.
الحاج عبد الرحمن بص لجبل نظرة طويلة، كلها تحذير، وقال بصوت خشن: “سمعت كلامها يا جبل؟ بنتي قاعدة بإرادتها.. بس قسماً بالله، لو دمعة واحدة نزلت من عينها قهر، أو مسيت كرامتها بكلمة، لهقفلك ولو كنت مين!” جبل قرب منه بكل هدوء واحترام، حط إيده على كتف الحاج عبد الرحمن وقال بنبرة مليانة يقين: “دمعتها بكفر يا حاج.. ورقبتي سدادة لو في يوم قصرت معاها. قمر في عيني، ومفيش راجل بيأذي روحه.”
انسحب الحاج عبد الرحمن والمأذون، والباب الكبير اتقفل. وهنا، الصمت اتكسر بصوت “الحاجة رضوى” اللي ضربت كف على كف بذهول وغضب: “يا مراري الطافح! بقى حتة عيلة زي دي تلوي دراع جبل الهواري؟ تاخد نص أملاكك وتبقى العصمة في إيدها؟ السرايا دي ليها كبير يا جبل، وإنت الظاهر عقلك طار!” جبل لف لأمه، ونظرته رجعت قاسية زي الجليد: “الكبير ربنا يا أمي. والسرايا دي مالهاش غير ست واحدة، وهي اللي واقفة قدامك دي. قمر خط أحمر، كلامها يمشي على الكبير قبل الصغير هنا.. وأي حد هيزعلها، السرايا دي هتبقى ضيقة عليه أوي، حتى لو كان أقرب الناس ليا.”
الكلمات كانت زي الرصاص، الحاجة رضوى سكتت وهي بتغلي من جواها، وبصت لقمر بنظرة توعد قبل ما تسيبهم وتطلع أوضتها. جبل لف لقمر، عينيه كلها شغف ولهفة. مد إيده ومسك إيديها، وسحبها وراه من غير ولا كلمة لحد ما طلعوا لجناحها (المرسم). أول ما قفل الباب، ساب مسافة بينه وبينها احتراماً لطلبها القديم، بس عينيه كانت بتحضنها.
”كنت هموت لو مشيتي..” همس بيها بصوت أجش، فيه ضعف أول مرة راجل زيه يبينه. “لما شوفتك واقفة قدام المأذون، حسيت إن روحي بتنسحب مني.. إنتي مش متخيلة الكلمة دي عملت فيا إيه يا قمر.”
قمر بلعت ريقها، وحاولت تحافظ على قوتها قدام طوفان المشاعر اللي بيحاصرها منه، وقالت بجدية: “أنا وافقت أفضل عشان مكسرش أبويا مرتين، وعشان مسمحلكش تنتصر في لعبتك وتتحكم في مصايرنا براحتك. إنت إديتني مفتاح حريتي.. بس ده مش معناه إني سامحتك أو إني بقيت بتاعتك. إنت لسه محتاج تثبتلي إنك تستاهلني، وإني ممكن أثق في راجل خطط من ورايا سنين.”
جبل ابتسم ابتسامة خطفت قلبها، وقرب خطوة واحدة، رفع إيده ومشى ظهر صوابعه على خدها برقة متناهية وقال: “وأنا قابل التحدي. هخليكي تعشقيني يا قمر، هخليكي ما تشوفيش غيري، وهعوضك عن كل دمعة. إحنا هنبدأ من الصفر.. بس في حاجة واحدة لازم تعرفيها الأول.” قمر عقدت حواجبها بحيرة: “حاجة إيه؟” جبل مشى بخطوات هادية ناحية خزنة حديد صغيرة متدارية في ركن المرسم. فتحها، وطلع منها حاجة خليت قلب قمر يدق بعنف.. “مذكراتها”! الدفتر القديم اللي ضاع منها من 5 سنين وكان فيه كل أسرارها وتفاصيل حياتها.
جبل رجع وقف قدامها، ومد إيده بالمذكرات، وعينيه بتلمع ببريق غامض: “عارفة إيه اللي خلاني أصبر 5 سنين بحالهم وما أجيش أطلب إيدك من أبوكي وقتها؟ مع إني كنت قادر أعملها وأنا حاطط رجل على رجل؟” قمر خدت المذكرات وإيديها بترتعش، وبصتله بتساؤل: “ليه؟” جبل أخد نفس عميق، وقال بصوت مليان مشاعر متأججة: “عشان وعد قطعتوا على نفسي. افتحي المذكرات يا قمر.. افتحي آخر صفحة إنتي كتبتيها قبل ما تضيع منك بيوم.”
قمر فتحت المذكرات بسرعة، قلبت الصفحات لحد ما وصلت لآخر صفحة. قرأت كلامها اللي كانت كاتباه بخط إيدها عن “فارس أحلامها المجهول”، بس فجأة عينيها اتجمدت.. كان في سطرين مكتوبين تحت كلامها، بخط رجولي قوي، حبره لسه محتفظ بلونه وكأنه مكتوب إمبارح. قرأت السطرين في سرها، وشهقة صدمة مكتومة طلعت من شفايفها. رفعت عينيها المليانة بالدموع والذهول لجبل، ملامحها كلها بتنطق بسؤال واحد مستحيل عقله يصدقه. ”إنت… إنت اللي كنت….؟!” صوتها طلع بالعافية وهي بترجع خطوة لورا.
جبل ابتسم بحنين، وعينيه ركزت في عينيها وقال: “أيوه يا قمر… أنا اللي كنت…” ياترى قمر قرأت إيه في المذكرات؟ وإيه السر العاطفي اللي جبل مخبيه عنها من 5 سنين وبيقلب كل الموازين بين ليلة وضحاها؟ وهل هتقدر تقاوم السحر اللي جواه، ولا الحاجة رضوى هيكون ليها رأي تاني وهتحضرلهم مفاجأة تدمر الليلة دي؟ …يتبع في الجزء الاخير من الروايه “إنت… إنت اللي كنت بتبعتلي الورد الأبيض كل يوم الصبح؟ إنت اللي اشتريت كل لوحاتي من المعرض البسيط اللي عملته في الكلية من غير ما أعرف مين المشتري؟”
صوت قمر كان بيترعش، والدموع متجمعة في عينيها وهي بتبص للسطرين اللي مكتوبين في آخر مذكراتها: “أنا طيفك اللي بيحرسك من بعيد.. أنا الراجل اللي شاف روحه بين سطورك. مش هظهر في حياتك دلوقتي، بس بوعدك، لما نتقابل، هخليكي ملكة متوجة على عرش قلبي، في قصر ما تدخلوش ست غيرك.. الإمضاء: جَبَلِك وحمايتك.” جبل قرب منها بخطوات بطيئة، ملامحه القاسية دابت تماماً، وبقت كلها حنية ودفء، ومسك إيديها اللي كانت ماسكة المذكرات برعشة:
“أيوه يا قمر.. أنا. من خمس سنين، لما شُفتك صدفة قاعدة تحت شجرة التوت اللي على أول أرضكم، بترسمي وبتتكلمي مع نفسك كأنك طير حر.. قلبي اتخطف. ولما نسيتي المذكرات دي وفتحتها، وعرفت إزاي بتفكري، وإيه أحلامك، وإزاي بتتمني راجل يحميكي مش يتحكم فيكي… حلفت إنك مش هتكوني لغيري.” قمر بلعت ريقها والدموع نزلت على خدها: “ولما إنت بتحبني كل ده.. ليه ما جيتش طلبتني من أبويا؟ ليه الرعب اللي عيشتني فيه ده كله واللعبة اللي عملتها؟”
جبل اتنهد تنهيدة طويلة، ورفع إيده يمسح دموعها بصباعه بإحساس خلاها تغمض عينيها غصب عنها: “عشان جبل الهواري من خمس سنين ما كانش الراجل اللي يقدر يسعدك.. كنت غارق في شغل السرايا ومسؤوليات أكبر مني، وسمعتي كراجل قاسي وصارم كانت سابقة اسمي. أبوكي كان مستحيل يوافق، وإنتي كنتي لسة زهرة بتفتح، كنتي هتتخضي مني وتكرهيني. قررت أبني نفسي، وأجهزلك السرايا دي، وأعملك المرسم اللي حلمتي بيه. ولما عرفت إن أختك هتهرب وهتجيب العار لأبوكي، وعرفت إنهم هيفكروا يدوكي ليا كترضية.. قولت دي إشارتي، إني أنقذ أختك من جوازة غصب، وأنقذ أبوكي من الفضيحة، وأجيبك لحضني.”




