
فتح الظرف… كان جواه ورقة واحدة. مكتوب فيها بخط ياسمين: “لو وصلتم للرسالة دي… يبقى شريف وقع في الفخ، وقال الجملة اللي كنت مستنياه يقولها.” “الحقيقة… إن اللي اتدفن فعلًا مش أنا.” حسيت إن أنفاسي اتقطعت. الضابط كمل قراءة: “من ست شهور اكتشفت إن شريف بيحاول يقتلني علشان يستولى على شركتي. بلغت الجهات المختصة، واتفقنا على خطة محدش يعرفها… حتى أقرب الناس ليا.” “اضطريت أختفي… واتعملت جنازة بجثمان مجهول الهوية، بعد موافقة النيابة، علشان نراقب شريف وهو بيحاول يبيع الشركة ويهرب بالفلوس.”
دموعي نزلت من غير ما أحس. يعني… أختي كانت عايشة كل الوقت ده؟ لكن قبل ما أفرح… الضابط قلب آخر صفحة، واتغير لون وشه. قلت بخوف: “في إيه؟” ناولني الورقة. كان فيها سطر واحد: “لو الرسالة دي وصلت ليكم، يبقى الخطة فشلت… لأن شريف مش لوحده.” وتحتها… “الخاين الحقيقي… من العيلة.” سكتنا كلنا. وفجأة… رن موبايل ياسمين القديم، اللي كان محفوظ ضمن الأحراز. الضابط رد بسرعة، وحط المكالمة على السماعة.
صوت ست كان بيترعش: “الحقونا… الأستاذة ياسمين اتخطفت.” صرخت: “مين بيتكلم؟!” ردت وهي بتعيط: “أنا الممرضة اللي كانت مخبياها… في ناس اقتحموا المكان من خمس دقايق، وخدوها بالعافية… وقالوا إن الباشا مستنيها.” المكالمة اتقطعت. الضابط جري ينادي القوة. وأنا وقعت عيني على صورة كانت واقعة من الملف. الصورة كانت قديمة… فيها أنا وياسمين وإحنا أطفال… وكان واقف ورانا راجل. قلبت الصورة من الضهر… واتجمد الدم في عروقي. كان مكتوب بخط ياسمين:
“لو اختفيت… متثقيش في خالك فؤاد.” في اللحظة دي دخل عسكري وهو بيجري، وقال بصوت عالي: “يا فندم… في خبر عاجل!” “شريف هرب.” ساد الصمت. لكن الصدمة الأكبر كانت لما العسكري كمل كلامه: “والكاميرات أثبتت إن اللي ساعده على الهروب… ضابط من نفس القسم.” ساد صمت ثقيل في القسم. الكل بص لبعضه، ومحدش كان قادر ينطق. ضابط ساعد متهم بالقتل والهروب؟ دي كانت مصيبة. رئيس المباحث ضرب بإيده على المكتب وقال بغضب:
“اقفلوا كل المخارج… محدش يخرج من القسم!” لكن كان فات الأوان. الضابط الخاين اختفى… وشريف اختفى معاه. في اللحظة دي، افتكرت حاجة. جريت على شنطة ياسمين، وبدأت أقلب فيها تاني. المرة دي، حسيت إن في حاجة صلبة جوه المقبض الجلدي للشنطة. بمشرط صغير شققت الجلد بحذر… وطلع منه كارت ذاكرة صغير جدًا. وصلناه بالكمبيوتر. كان عليه مجلد واحد اسمه… “آخر فرصة.” فتحناه. ظهر فيديو لياسمين، لكن المرة دي كانت لابسة هدوم المستشفى، وواضح إنها سجلته قبل اختفائها بساعات.
قالت وهي بتبص مباشرة للكاميرا: “لو بتشوفوا الفيديو ده، يبقى شريف عرف يهرب… وده معناه إن الخيانة وصلت لمكان أكبر مما كنت متخيلة.” سكتت لحظة، وكملت: “أنا مش خايفة من شريف… أنا خايفة من الراجل اللي بيشتغل معاه.” ثم رفعت صورة قدام الكاميرا. أول ما الصورة ظهرت… شهقت. الصورة كانت لضابط الشرطة اللي كان ماسك القضية من أول يوم. نفس الضابط اللي كان واقف جنبنا من شوية، وبيواسيّني، وبيأكدلي إنه هيجيب حق أختي.
في اللحظة دي… باب المكتب اتفتح. دخل الضابط نفسه. ابتسم وقال: “واضح إنكم شفتوا الفيديو.” رفعنا سلاحنا ناحيته. لكنه فضل واقف مكانه، وقال بهدوء: “لو كنت فعلاً شغال مع شريف… كنت زمانكم كلكم ميتين.” ورمى على المكتب ملف سميك. “أنا كنت متخفي وسطهم من سنة كاملة.” فتحنا الملف. كان مليان تسجيلات، وتحويلات بنكية، وصور لاجتماعات سرية. لكن أخطر ورقة كانت في آخر الملف. عقد بيع. بيع شركة ياسمين… بتوقيع ياسمين نفسها!
صرخت: “مستحيل… ده تزوير!” هز الضابط رأسه وقال: “للأسف… التوقيع حقيقي.” اتجمدت في مكاني. “يعني إيه؟!” قال وهو بياخد نفس عميق: “لأن ياسمين باعت الشركة بنفسها… قبل اختفائها بيوم.” “باعتها لمين؟” قلب آخر صفحة… وظهر اسم المشتري. لما قريته، حسيت الدنيا اسودت قدام عيني. المشتري كان… أنا. اسمي كامل… ورقمي القومي… وتوقيعي كمان. وأنا… أقسم بالله… عمري ما شفت العقد ده في حياتي. فضلت أبص للعقد وأنا مش مستوعبة. اسمي… توقيعي… ورقمي القومي.
صرخت: “والله ما مضيت على أي ورقة!” الضابط هز رأسه وقال: “وأنا مصدقك… لأن ياسمين كانت أذكى من شريف بكتير.” فتح آخر ظرف في الملف، وكان مكتوب عليه: “يتفتح بعد ما أختي تعرف إن الشركة بقت باسمها.” إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه. جواه فلاشة ورسالة قصيرة. شغلت الفيديو… ظهرت ياسمين، لكنها المرة دي كانت مبتسمة لأول مرة من شهور. قالت: “لو بتشوفي الفيديو ده يا حبيبتي… يبقى الخطة نجحت.” “أنا عمري ما بعت الشركة لشريف… ولا سرقها مني.”
“أنا نقلت كل أسهم الشركة باسمك إنتِ من قبل ما أختفي، لكن عملت العقد بشكل سري عشان محدش يشك.” “أما العقد اللي لقيتيه… فهو حقيقي، لكن التوقيع اللي عليه كان بتوكيل رسمي عملتهولي بنفسك من خمس سنين لما كنا بنخلص إجراءات الشركة… وعمرك ما استخدمتيه بعد كده.” دموعي نزلت. يعني… ياسمين كانت مأمنة مستقبلي من زمان. لكنها كملت: “في حاجة أخطر…” “شريف كان فاكر إن ثروتي هي الشركة.” “لكن الحقيقة… الشركة كانت خسرانة بقالها سنة.”
اتسمرنا كلنا. “أنا بعت كل حاجة قبل مرضي، وحولت الفلوس في صندوق استثماري باسمي وباسم أختي.” “أما الحسابات اللي شريف سرقها… فكانت فاضية أصلًا.” الضابط ابتسم لأول مرة. قال: “يعني وقع في الفخ.” لكن لسه في سؤال. “هو الفلوس فين؟” ابتسمت ياسمين في الفيديو وقالت: “هتلاقوا المفتاح في المكان اللي بابا كان دايمًا يقول إنه أأمن مكان في الدنيا.” افتكرت على طول… ساعة الحائط القديمة في بيت بابا. جرينا كلنا على البيت.
فكينا الساعة. وكان جواها مفتاح صغير. المفتاح فتح خزنة في أحد البنوك. ولما اتفتحت الخزنة… لقينا مستندات الملكية، وكل أموال ياسمين، ورسالة أخيرة. فتحتها وأنا بعيط. كان مكتوب فيها: “الفلوس دي مش للانتقام.” “اعملي بيها مستشفى مجاني لعلاج مرضى سرطان الدم… عشان محدش يعيش اللي أنا عشته.” بعد شهرين… اتحكم على شريف بالسجن المؤبد بعد ما اعترف الطبيب وكل أفراد الشبكة، واتردت كل الحقوق لأصحابها. أما أنا… نفذت وصية أختي.
واتبنى أول مركز خيري لعلاج سرطان الدم باسم “مركز ياسمين للأمل”. وفي يوم الافتتاح… وقفت قدام صورتها الكبيرة. كنت بابتسم وأنا بقول: “إنتِ كسبتي يا ياسمين… لأنهم سرقوا فلوسك، لكن مقدروش يسرقوا قلبك ولا رسالتك.” وأنا خارجة من المكتب بعد انتهاء الحفل، لفت انتباهي موظف البنك وهو بيجري ورايا. ناولني ظرفًا صغيرًا وقال: “ده كان موجود في الخزنة… واضح إنه وقع وسط الأوراق.” فتحته باستغراب. كان جواه صورة قديمة ليا وأنا وياسمين وإحنا أطفال، وعلى ظهرها جملة واحدة بخطها:
“لو وصلتي للنهاية… اعرفي إن أعظم انتقام مش إنك تدمري اللي ظلمك… أعظم انتقام إنك تعيشي سعيدة وهو يفضل طول عمره يتفرج على اللي خسره.” حضنت الصورة، وخرجت للشمس لأول مرة وأنا حاسة إن أختي ما ماتتش… كانت لسه عايشة… في كل مريض اتعالج، وكل إنسان رجعله الأمل بسببها. تمت.


