منوعات

«رقمها في ملف بنتي فضـ,ـح جوزي»حكاوي ديدا الشهاوي

جوزي غيّر رقم الطوارئ بتاع بنتنا وحط رقم عشـ,ـيقته… ولما المدرسة احتاجتها، اتصلوا بيها بدل مني! ممرضة المدرسة ما اتصلتش بيا لما بنتي اللي عندها خمس سنين وقعت من شدة السخونية. اتصلت بعشـ,ـيقة جوزي. عرفت الكلام ده الساعة 1:46 الضهر، في يوم تلات رمادي، وأنا واقفة حافية في المطبخ، ماسكة طبق شوربة فراخ كنت عاملاه لبنتي… وأنا لسه ما كنتش أعرف إنها تعبانة. تليفوني رن من رقم غريب من القاهرة.

— «حضرتك هناء مراد؟» — «أيوه.» — «أنا أستاذة إيمان من مدرسة النيل الدولية. بتصل بحضرتك علشان بنتك ليان لسه موجودة في غرفة الممرضة.» إيدي ارتعشت، والطبق كاد يقع مني. — «لسه؟» سكتت لحظة، وبعدين قالت: — «أيوه… هي سخنت جدًا بعد الفسحة.» — «حرارتها كام؟» — «تلاتة وتسعين؟» ثم صححت بسرعة: — «قصدي تلاتة وتسعة وثلاثين وأربعة من عشرة.» قلبي خبط بعنف جوه صدري. — «وده حصل إمتى؟» — «قبل الضهر بشوية.»

بصيت على الساعة. عدّى تقريبًا ساعتين. — «طب ليه أنا أول مرة أعرف دلوقتي؟!» نبرة الست اتغيرت، وبقت أهدى وحذرة. — «إحنا اتصلنا بالشخص المسجل عندنا كمسؤول عن ليان في حالات الطوارئ.» — «أنا أمها!» — «أنا فاهمة يا مدام هناء.» — «لا، واضح إن حضرتك مش فاهمة! ليه ما اتصلتوش بيا؟» — «إحنا نفذنا تعليمات بيانات الطوارئ الموجودة في ملفها.» حطيت الطبق على الرخامة بعنف، لدرجة إن الشوربة اتناثرت حواليه.

— «تعليمات إيه؟!» — «مدام هناء، يمكن يكون أسهل لو حضرتك تيجي المدرسة بنفسك.» — «أنا جاية حالًا. ليان واعية؟» — «أيوه، هي نايمة ومرتاحه دلوقتي، بس…» سكتت. — «بس إيه؟» — «هي كانت بتسأل على حضرتك.» الكلمة دخلت في قلبي زي السـ,ـكينة. — «كانت بتسأل عليا؟» — «أيوه.» — «من إمتى؟» الست سكتت. فهمت من سكوتها كل حاجة. مسكت شنطتي ومفاتيحي بسرعة. — «إنتوا اتصلتوا بمين؟» جالي صوتها متردد.

وبعدين قالت اسم أنا كنت عارفاه كويس أوي. — «مدام مريم الشاذلي.» لثواني… ما قدرتش أتحرك. صوت المطر كان بيخبط على شباك المطبخ. عربية نقل كانت بتعدي في الشارع بصوت عالي. وتلاجة المطبخ كانت شغالة كأن مفيش أي حاجة حصلت. كل حاجة حواليّا كانت طبيعية… إلا حياتي. لأن مريم الشاذلي ما كانتش خالة ليان. ولا قريبة لنا. ولا حتى جارتنا. دي كانت واحدة من أمهات الطلبة في مدرسة النيل الدولية.

والأهم من كده… إن من ست شهور، لقيت صورة ليها قاعدة جنب جوزي في بار فندق في القاهرة. جوزي، كريم، أقسملي إن الموضوع مفيهوش أي حاجة. قال إنها كانت عزومة شغل. واجتماع مع أحد رجال الأعمال. ومجرد صدفة. حتى إنه ضحك لما سألته: — «طب وإيدها كانت على رجلك ليه؟» بصلي وقتها وقال بمنتهى البرود: — «إنتِ شايفة خيـ,ـانة في كل حاجة علشان إنتِ مرهقة.» وبعدين كمل: — «بطلي تعتبرّي كل ست بتشتغل معايا خطر على جوازنا.»

كنت عايزة أصدقه. ويمكن علشان بحبه… صدّقته فعلًا. كريم كان صاحب شركة استشارات تعليمية كبيرة، بتتعامل مع مدارس خاصة ودولية، وكان طول الوقت بين اجتماعات، مؤتمرات، حفلات عشاء، واجتماعات مع أولياء أمور ومستثمرين. أما مريم… فكانت نائبة رئيس جمعية أولياء الأمور في مدرسة ليان. يعني طبيعي إن طريقهم يتقاطع كتير. وده كان تفسير كريم. بس كان فيه حاجات عمرها ما دخلت دماغي. زي مثلًا… ليه مريم كانت بتتابع كل صورة بنزلها أنا على فيسبوك؟

ليه كانت عارفة إمتى بنسافر؟ وليه في مرة، في حفلة خيرية للمدرسة، قالتلي بمنتهى العفوية: — «كريم بيحب النبيذ الأحمر أوي، مش كده؟» رغم إني عمري ما شفتها قاعدة معاه في أي مكان. وقتها عدّيت الموضوع. دلوقتي… المدرسة اتصلت بيها هي لما بنتي وقعت من السخونية. مش بيا أنا. ركبت عربيتي وأنا مش شايفة قدامي من كتر التوتر. المطر كان شديد، وإيدي متشبثة بالدركسيون. كل إشارة مرور حسيتها بتعطلني عن بنتي.

كل عربية ماشية ببطء قدامي كنت حاسة إنها واقفة بيني وبين ليان. مسكت موبايلي واتصلت بكريم. رن مرة. مرتين. تلات مرات. وبعدين رد. — «ألو؟» صوته كان هادي جدًا. هادئ بشكل غريب. قلتله وأنا بحاول أتحكم في صوتي: — «كريم… إنت كنت عارف إن ليان تعبانة؟» سكت. وبعدين سأل: — «هي فين دلوقتي؟» ضحكت ضحكة قصيرة من شدة القهر. — «في المدرسة يا كريم.» — «طيب وأنا جاي.» — «لا.»

— «يعني إيه لا؟ دي بنتي!» ضغطت على الدركسيون بقوة. — «بنتك؟» سكت. قلت: — «غريبة أوي الكلمة دي… بنتك، بس لما تعبت ما اتصلوش بيا… اتصلوا بمريم.» الصمت اللي حصل بعد كلامي كان مرعب. — «مين قالك اسم مريم؟» هنا بالذات… حسيت إن قلبي وقع. قفلت المكالمة من غير ما أرد. وصلت المدرسة بعد حوالي عشرين دقيقة. نزلت من العربية وجريت ناحية البوابة. أول ما دخلت، لقيت مديرة المدرسة مستنياني.

— «مدام هناء؟» — «فين بنتي؟» — «تعالي معايا.» مشيت وراها وأنا بحاول أتماسك. لكن أول ما فتحت باب غرفة الممرضة… شفت ليان نايمة على السرير، وشها أحمر، وشعرها مبلول من العرق. — «ماما!» صرخت باسمي أول ما شافتني. جريت عليها وحضنتها. — «حبيبتي… أنا هنا.» لفت إيديها الصغيرة حوالين رقبتي وقالت: — «أنا كنت مستنياكي.» غمضت عيني. — «أنا جيت يا روحي.» وبعدين سألتها: — «مين كان معاكي؟» قبل ما تجاوب…

دخلت مريم. كانت لابسة بدلة بيج شيك، وشايلة شنطة غالية، وفي إيدها زجاجة مياه. وأول ما شافتني… وقفت. وأنا كمان وقفت. اتقابلت عينينا. لثواني… ولا واحدة فينا نطقت. وبعدين قالت بمنتهى الهدوء: — «الحمد لله إنك وصلتي.» بصيت لها باستغراب. — «إنتِ كنتِ هنا؟» ابتسمت ابتسامة صغيرة. — «آه… المدرسة كلمتني.» — «ليه؟» سكتت. بصيت لمديرة المدرسة. — «ليه كلمتوها هي؟» المديرة فتحت ملف ليان وقالت: — «لأن اسمها موجود كجهة اتصال أساسية في حالات الطوارئ.»

— «إيه؟!» — «البيانات اتحدثت من حوالي شهرين.» بصيت لمريم. وبعدين رجعت بصيت للمديرة. — «مين اللي حدّث البيانات؟» المديرة ترددت. — «والد ليان.» حسيت إن رجلي ما بقتش شايلاني. — «كريم؟» — «أيوه.» مريم قربت مني خطوة. — «هناء… ممكن نتكلم برا؟» بصيت لها بحدة. — «ماله جوه؟» — «مش قدام البنت.» بصيت على ليان. كانت بتبص لنا ومش فاهمة. بلعت غصتي. — «اتفضلي.» خرجنا للممر. أول ما الباب اتقفل، قلت:

— «إنتِ عايزة إيه من بنتي؟» وشها اتغير. — «أنا مش عايزة حاجة من بنتك.» — «أمال ليه اسمك موجود في ملفها؟» — «اسألي كريم.» — «أنا بسألك إنتِ!» قربت مني وقالت بصوت واطي: — «يمكن لو سألتي جوزك عن اللي حصل يوم الجمعة اللي فاتت… تفهمي.» تجمدت. — «إيه اللي حصل يوم الجمعة؟» مريم بصت حوالينها. وبعدين قالت: — «كريم ما قالكيش؟» — «قال لي إيه؟» ابتسمت ابتسامة غريبة.

— «ولا حاجة.» ومشيت. مسكت دراعها. — «استني!» لفت وبصت لإيدي على دراعها. — «سيبيني يا هناء.» — «مش هسيبك غير لما تقوليلي إيه اللي حصل يوم الجمعة.» قربت من ودني وهمست: — «كان المفروض تسأليه… ليه كان معايا في المستشفى.» وسحبت دراعها ومشيت. وقفت مكاني كأني اتثبت في الأرض. المستشفى؟ كريم قال لي يوم الجمعة إنه كان في اجتماع في التجمع الخامس. قال إنه رجع البيت متأخر بسبب اجتماع طارئ.

طلعت موبايلي بسرعة واتصلت بيه. المرة دي رد من أول رنة. — «أيوه هناء؟» — «إنت كنت فين يوم الجمعة؟» سكت. — «كريم، بسألك سؤال بسيط.» — «في الشركة.» — «طول اليوم؟» — «آه.» — «ما خرجتش من الشركة؟» — «لا.» قفلت عيني.

السابقانت في الصفحة 1 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى