
وبصوت هادي جدًا قلت: — «تمام.» وبعدين فتحت تطبيق الصور على موبايلي. وقعت عيني على صورة كنت واخداها يوم الجمعة. كانت صورة عادية لليان وهي بتلعب في الجنينة. وفي الخلفية كان فيه جزء صغير من بوابة الفيلا. قربت الصورة. وقربت أكتر. واتجمدت. عربية كريم كانت واقفة قدام البيت. لكن كريم قال إنه كان في الشركة. والأغرب… إن في نفس الصورة، كانت عربية مريم واقفة بعدها مباشرة. رجعت البيت بعد ما اطمنت على ليان وخدتها معايا.
كنت ساكتة طول الطريق. ليان نامت في الكرسي الخلفي. وأنا كل تفكيري كان في سؤال واحد: كريم كان بيكدب ليه؟ وصلنا البيت. دخلت أوضة ليان، غطيتها، وبوست رأسها. وبعدين نزلت الصالة. بعد حوالي نص ساعة… سمعت مفتاح الباب. دخل كريم. وأول ما شافني واقفة في الضلمة… اتخض. — «إنتِ لسه صاحية؟» ما رديتش. خلع الجاكيت وحطه على الكرسي. قلت: — «مريم قالتلي إنك كنت معاها يوم الجمعة.» إيده وقفت في الهوا.
ثانية واحدة. بس كانت كفاية. — «مريم قالتلك إيه؟» — «يعني كنت معاها؟» — «لا.» — «إنت كنت فين؟» — «قولتلك… في الشركة.» قربت منه. — «كداب.» رفع عينه عليا. ولأول مرة… شفت الخوف في عينيه. قلت: — «أنا شفت عربيتك يوم الجمعة قدام البيت.» وشه شحب. — «إنتِ كنتِ فين؟» — «مش مهم.» — «هناء… إنتِ بتلعبي بالنار.» — «وأنت اللي ولعت النار.» سكت. وفجأة… سمعنا صوت من فوق.
صوت باب بيتفتح. بصينا لبعض. كريم اتحرك بسرعة ناحية السلم. مسكته من دراعه. — «مين فوق؟» — «محدش.» — «كريم… بنتي نايمة في أوضتها.» رفع عينه للسقف. وشه كان مرعوب. وفي اللحظة دي… سمعت صوت ست من فوق بتقول: — «كريم؟» الصوت كان واضح. صوت مريم. اتجمدت مكاني. بصيت لجوزي. وبعدين بصيت للسلم. مريم كانت واقفة فوق… وفي إيدها ظرف أبيض كبير. وبصتلي وقالت: — «كويس إنك رجعتي يا هناء.»
نزلت أول درجة. وقالت: — «لأن الظرف ده… فيه حاجة لازم تعرفيها عن بنتك.» — مديت إيدي ناحية الظرف. فتحتُه. طلع منه تقرير طبي، وصور، وأوراق قديمة. وأول صورة كانت لليان وهي نايمة على سرير مستشفى. التاريخ كان قبل أربع سنين. قلت: — «إيه ده؟» مريم قالت: — «دي مش أول مرة ليان تدخل المستشفى.» بصيت لكريم. — «إنت قلتلي إن ليان عمرها ما دخلت مستشفى غير لما اتولدت!» كريم ما ردش.
قلبت الورقة. كان فيه تقرير طبي باسم: ليان أحمد مراد. لكن تاريخ الميلاد كان مطابق لتاريخ ميلاد بنتي. قلت: — «إيه معنى ده؟» مريم ردت: — «معناه إن في حاجة عن بنتك إنتِ ما تعرفيهاش.» كريم صرخ: — «كفاية يا مريم!» بصيت له. — «إنت عارف؟» سكت. — «كريم… إنت عارف؟» فضل ساكت. — «قول الحقيقة!» وأخيرًا قال: — «ليان… مش بنتك البيولوجية.» حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي. — «إيه؟»
مريم قالت: — «والأغرب… إنها مش بنتي أنا كمان.» بصيت لها. — «أمال بنت مين؟» قالت: — «الحقيقة أكبر من كده.» قبل ما تكمل، سمعنا صوت طفلة من فوق. جريت على أوضة ليان. لكن السرير كان فاضي. وعلى المخدة كانت فيه ورقة صغيرة. فتحتها. كان مكتوب: «ماما… أنا عارفة إنك مش أمي الحقيقية.» وفي آخر الورقة: «والست اللي أخدتني قالتلي إن بابا هو اللي طلب منها تعمل كده.» صرخت: — «ليان!»
مفيش رد. في اللحظة دي موبايل كريم رن. رد. جاله صوت رجل: — «لو عايز تشوف ليان تاني… ما تخليش هناء تعرف الحقيقة كلها.» كريم سكت. الصوت كمل: — «لأن لو عرفت مين هي أمها الحقيقية… مش هتشوف بنتك تاني.» وقفل. بصيت لكريم. — «مين ده؟» قال: — «الرجل اللي كنا فاكرين إنه مات من خمس سنين… رجع.» — «مين؟» مريم قالت: — «ياسر الشاذلي.» — بعد دقائق، عربية سوداء وقفت قدام البيت.
ونزل منها رجل طويل لابس جاكيت أسود. كان ياسر. الرجل اللي كريم قال إنه مات من خمس سنين. دخل البيت وقال: — «خمس سنين وأنا مستني اللحظة دي.» كريم وقف قدامه. — «إنت مالكش حق تدخل هنا.» ضحك ياسر. — «بعد خمس سنين من الكذب؟ إنت آخر واحد يتكلم عن الحق.» وبعدين حط ملف بني على الترابيزة. — «كل الحقيقة هنا.» فتح الملف. أول ورقة كانت شهادة ميلاد. وبعدين قال:
— «في الليلة دي حصلت حالة طوارئ.» الدكتور نبيل، مدير قسم الولادة وقتها، دخل البيت بعده بدقائق. قال: — «ثلاث بنات اتولدوا في نفس الليلة.» بصيت له. — «ثلاثة؟» هز رأسه. — «أيوه.» بدأ يكشف الحقيقة. واحدة كانت بنتي الحقيقية. واحدة كانت بنت سارة، زوجة كريم الأولى. والثالثة كانت طفلة مجهولة الهوية، أمها ماتت أثناء الولادة. وفي وسط الفوضى… الأوراق اتبدلت. ومريم كانت تعمل في المستشفى وقتها. لكن التبديل ما كانش صدفة.
كان قرارًا لحماية الأطفال من خطر حقيقي. ثم اكتشفت أن ليان نفسها… كانت بنت سارة، زوجة كريم الأولى. أما الطفلة اللي اسمها نور… فكانت بنتي البيولوجية. والطفلة الثالثة اسمها سلمى. قلت: — «يعني أنا عندي بنتين؟» الدكتور قال: — «واحدة ربيتيها خمس سنين، وواحدة كانت بعيدة عنك طول الوقت.» بصيت لليان. كانت واقفة قدامي بتبكي. حضنتها. — «إنتِ بنتي مهما حصل.» وبعدها أحضروا نور. أول ما شفتها… عرفت. نفس عيني.
نفس ملامحي. نزلت على ركبتي وحضنتها. قالت: — «إنتِ ماما؟» ما قدرتش أتكلم. ضمّيتها. — «أيوه يا حبيبتي… أنا ماما.» لكن كانت لسه فيه حقيقة أخيرة. الطفلة الثالثة، سلمى، كانت في دار رعاية في الإسكندرية. سافرنا علشان نشوفها. كانت قاعدة لوحدها وماسكة عروسة قديمة. ولما شافتني، قالت: — «إنتِ ماما؟» قعدت قدامها. حضنتها. وفي اللحظة دي فهمت إن الأمومة مش دم وبس. الأمومة حب. وحماية. ووجود. — بعدها ظهرت الحقيقة كاملة.
سارة ما ماتتش بسبب حادث. كانت مريضة، وعارفة إن وقتها قرب. وقبل وفـ,ـاتها طلبت من مريم تحمي بنتها. أما ياسر، فكان داخل في صراع خطير، لكنه هـ,ـرب منه وقرر يساعد في حماية الأطفال. كريم اعترف بكل أكاذيبه. واعترف إنه كان عارف إن ليان مش بنتي البيولوجية، لكنه خاف يخسرها. أما تغيير رقم الطوارئ ووضع رقم مريم… فكان لأنه كان يحاول يخفي الحقيقة ويحمي الخطة القديمة من الانكشاف. لكن كذبهم كلهم كاد يدمرنا.
اتخذت الإجراءات القانونية لتصحيح أوراق البنات الثلاث. ليان فضلت بنتي. ونور رجعت لحضني. وسلمى خرجت من دار الرعاية وبدأت تعيش معانا. ثلاث بنات. ثلاث حكايات. وثلاث أرواح جمعتهم غلطة واحدة… وانتهت بعيلة واحدة. — بعد شهور، كريم طلب مني فرصة جديدة. بصيت له وقلت: — «أنا ممكن أسامحك… لكن مش هنسى.» ما رجعتش له بسهولة. خليته يثبت بالأفعال إنه اتغير. مش علشاني بس. علشان البنات. وفي ليلة هادية، كانت ليان نايمة جنبي.
فتحت عينيها وقالت: — «ماما؟» — «أيوه يا حبيبتي.» — «أنا هفضل بنتك؟» حضنتها. — «إنتِ بنتي قبل ما أعرف الحقيقة، وبعد ما عرفتها، وهتفضلي بنتي طول عمري.» ابتسمت. — «حتى لو مش شبهك؟» ضحكت وأنا بعيط. —جوزي غيّر رقم الطوارئ بتاع بنتنا وحط رقم عشـ,ـيقته… ولما المدرسة احتاجتها، اتصلوا بيها بدل مني! ممرضة المدرسة ما اتصلتش بيا لما بنتي اللي عندها خمس سنين وقعت من شدة السخونية. اتصلت بعشـ,ـيقة جوزي.
عرفت الكلام ده الساعة 1:46 الضهر، في يوم تلات رمادي، وأنا واقفة حافية في المطبخ، ماسكة طبق شوربة فراخ كنت عاملاه لبنتي… وأنا لسه ما كنتش أعرف إنها تعبانة. تليفوني رن من رقم غريب من القاهرة. — «حضرتك هناء مراد؟» — «أيوه.» — «أنا أستاذة إيمان من مدرسة النيل الدولية. بتصل بحضرتك علشان بنتك ليان لسه موجودة في غرفة الممرضة.» إيدي ارتعشت، والطبق كاد يقع مني. — «لسه؟» سكتت لحظة، وبعدين قالت:
— «أيوه… هي سخنت جدًا بعد الفسحة.» — «حرارتها كام؟» — «تلاتة وتسعين؟» ثم صححت بسرعة: — «قصدي تلاتة وتسعة وثلاثين وأربعة من عشرة.» قلبي خبط بعنف جوه صدري. — «وده حصل إمتى؟» — «قبل الضهر بشوية.» بصيت على الساعة. عدّى تقريبًا ساعتين. — «طب ليه أنا أول مرة أعرف دلوقتي؟!» نبرة الست اتغيرت، وبقت أهدى وحذرة. — «إحنا اتصلنا بالشخص المسجل عندنا كمسؤول عن ليان في حالات الطوارئ.» — «أنا أمها!»
— «أنا فاهمة يا مدام هناء.» — «لا، واضح إن حضرتك مش فاهمة! ليه ما اتصلتوش بيا؟» — «إحنا نفذنا تعليمات بيانات الطوارئ الموجودة في ملفها.» حطيت الطبق على الرخامة بعنف، لدرجة إن الشوربة اتناثرت حواليه. — «تعليمات إيه؟!» — «مدام هناء، يمكن يكون أسهل لو حضرتك تيجي المدرسة بنفسك.» — «أنا جاية حالًا. ليان واعية؟» — «أيوه، هي نايمة ومرتاحه دلوقتي، بس…» سكتت. — «بس إيه؟» — «هي كانت بتسأل على حضرتك.»
الكلمة دخلت في قلبي زي السـ,ـكينة. — «كانت بتسأل عليا؟» — «أيوه.» — «من إمتى؟» الست سكتت. فهمت من سكوتها كل حاجة. مسكت شنطتي ومفاتيحي بسرعة. — «إنتوا اتصلتوا بمين؟» جالي صوتها متردد. وبعدين قالت اسم أنا كنت عارفاه كويس أوي. — «مدام مريم الشاذلي.» لثواني… ما قدرتش أتحرك. صوت المطر كان بيخبط على شباك المطبخ. عربية نقل كانت بتعدي في الشارع بصوت عالي. وتلاجة المطبخ كانت شغالة كأن مفيش أي حاجة حصلت.
كل حاجة حواليّا كانت طبيعية… إلا حياتي. لأن مريم الشاذلي ما كانتش خالة ليان. ولا قريبة لنا. ولا حتى جارتنا. دي كانت واحدة من أمهات الطلبة في مدرسة النيل الدولية. والأهم من كده… إن من ست شهور، لقيت صورة ليها قاعدة جنب جوزي في بار فندق في القاهرة. جوزي، كريم، أقسملي إن الموضوع مفيهوش أي حاجة. قال إنها كانت عزومة شغل. واجتماع مع أحد رجال الأعمال. ومجرد صدفة. حتى إنه ضحك لما سألته:
— «طب وإيدها كانت على رجلك ليه؟» بصلي وقتها وقال بمنتهى البرود: — «إنتِ شايفة خيـ,ـانة في كل حاجة علشان إنتِ مرهقة.» وبعدين كمل: — «بطلي تعتبرّي كل ست بتشتغل معايا خطر على جوازنا.» كنت عايزة أصدقه. ويمكن علشان بحبه… صدّقته فعلًا. كريم كان صاحب شركة استشارات تعليمية كبيرة، بتتعامل مع مدارس خاصة ودولية، وكان طول الوقت بين اجتماعات، مؤتمرات، حفلات عشاء، واجتماعات مع أولياء أمور ومستثمرين. أما مريم… فكانت نائبة رئيس جمعية أولياء الأمور في مدرسة ليان.
يعني طبيعي إن طريقهم يتقاطع كتير. وده كان تفسير كريم. بس كان فيه حاجات عمرها ما دخلت دماغي. زي مثلًا… ليه مريم كانت بتتابع كل صورة بنزلها أنا على فيسبوك؟ ليه كانت عارفة إمتى بنسافر؟ وليه في مرة، في حفلة خيرية للمدرسة، قالتلي بمنتهى العفوية: — «كريم بيحب النبيذ الأحمر أوي، مش كده؟» رغم إني عمري ما شفتها قاعدة معاه في أي مكان. وقتها عدّيت الموضوع. دلوقتي… المدرسة اتصلت بيها هي لما بنتي وقعت من السخونية.
مش بيا أنا. ركبت عربيتي وأنا مش شايفة قدامي من كتر التوتر. المطر كان شديد، وإيدي متشبثة بالدركسيون. كل إشارة مرور حسيتها بتعطلني عن بنتي. كل عربية ماشية ببطء قدامي كنت حاسة إنها واقفة بيني وبين ليان. مسكت موبايلي واتصلت بكريم. رن مرة. مرتين.



