
لما كنت حامل في توأم وجالي وجع الولادة اللي ما يتوصفش، قعدت أترجى جوزي يلحقني على المستشفى. وإحنا خلاص خارجين، لقيت حماتي داخلة علينا الصالة وبكل برود قالت: “على فين العزم يا سي طارق؟ خدني أنا وأختك الأول ننزل المول نشتري كام حاجة.” جوزي بصلي وأنا بترجاه ودموعي نازلة، وبرضه اختارهم هما. زعق فيا وقال: “إياكي تلمحي ليكي حركة من مكانك لحد ما أرجع!” وحمايا كمل فوقيها وقال: “تستنى كام ساعة جرا إيه، الموضوع مش مستاهل الدلع ده كله.” سابوني مرمية على الأرض بين الحيا والم،وت، وفاكرين إن مفيش في إيدي حاجة أعملها.
بس لما رجعوا بعد كام ساعة وشايلين أكياس الشوبنج، مالقوش الست الهادية المطيعة المستسلمة.. دخلوا على مشهد مرع،ب لدرجة إن جوزي ركبه سابت ووقع على ركبه من الصدمة. ”طارق…” نطقتها بالعافية وأنا حاطة إيدي على حرف ترابيزة المطبخ وبضغط بكل قوتي لدرجة إن صوابعي اتشنجت. وجع الطلق زاد عليا فجأة، نغزة شديدة طيرت النفس من صدري ومبقتش قادرة أتنفس. ريحة المطبخ كانت خنيقة.. صابون المواعين على ريحة البن البارد على ريحة الماغنسيوم اللي طالعة من الحوض. إيدي اتزحلقت من على الرخامة وأنا بحاول بكل طريقة أفضل واقفة على رجلي.
قلتله: “لازم أروح المستشفى حالا.. التوأم بيولدوا.” أنا كنت في الأسبوع الثامن والثلاثين، وعارفة كويس الفرق بين تعب الحمل العادي والوجع اللي فيه خطر على حياتي وحياة ولادي. اللي بيحصل ده مكنش طبيعي أبداً. كل ذرة في جسمي وفي غريزتي كأم كانت بتصرخ وتقولي إن في مصيبة. طارق مد إيده وأخد مفاتيح العربية من على العليقة اللي جنب الباب، وفي اللحظة دي اتنفست الصدا والراحة دخلت قلبي. قلت الحمد لله هيحقني.
خلاص هانت وهنوصل. وفجأة ظهرت حماتي “شادية” في الصالة، شنطتها على كتفها، مكيجها جاهز، وعلامات القرف والزهق مغرقة وشها. وقالت: “على فين يا فالح؟” بصيت لها وأنا مش مصدقة، ومش قادرة أفهم إزاي مش شايفاني وبتم،وت قدامها! همستلها: “رايحين المستشفى.” لوت بوزها وبصتلي باستهزاء. ”مستشفى إيه وضهر إيه! طارق هيوصلني أنا وأخته المول الأول. التخفيضات هتخلص الساعة خمسة، ومش هضيع الشنطة اللي عجباني عشان دلعك المأفور ده.”
ومن وراها كانت واقفة أخت طارق، ماسكة موبايلها وبتلعب فيه ولا هي هنا أصلاً. وحمايا ساند ضهره على باب الشقة ومربع إيده، بيبصلي بنظرات كلها اتهام كأني بعمل الشويتين دول قاصدة عشان أنكد عليهم. قلت بالعافية: “يا طنط شادية.. الموضوع خطير والولادة حامية.” ضحكت ضحكة صفرا وقالت بكل قسوة: “يا ستي اتهدي، كل اللي بيحملوا لأول مرة بيبقوا فاكرين إن أي مغصة هيم،وتوا فيها.” في اللحظة دي بالذات فهمت حقيقة توجع القلب.
إنك ممكن تكوني عايشة في بيت زحمة ومليان ناس، وفي الآخر تلاقي نفسك وحيدة تماماً ومحدش حاسس بي،كي. إحنا بقالنا شهور بنرتب لليوم ده. روشتة الدكتورة بالتعليمات كانت متعلّقة على ضلفة المطبخ. وورق المستشفى كله جاهز في دوسيه أزرق على الترابيزة. وشنطة الولادة محطوطة جنب الباب وعليها ورقة بالطلبات متدبسة في السوستة، لأن طارق وعدني مية مرة إنه هيكون جاهز ومستعد أول ما الساعة تيجي. وعدني إني مش هخ،اف طول ما هو معايا.
بس هو مكنش خايف عليا.. هو كان بيختار بمزاجه. مسكت في كم قميصه. وقلتله وصوتي بيتجرح من العياط: “عشان خاطر ربنا.. يا طارق ارجوك، في حاجة غلط بتصلي.” راح نتش ذراعه مني بكل غل. الحركة دي لوت كتفي، بس النظرة اللي في عينه وجعت قلبي وكسرتني أكتر من الوجع. وزعق في وشي: “إياكي تلمحي ليكي حركة من مكانك لحد ما أرجع!” فضلت مبلمة وباصة له. لدرجة إن الوجع اللي في بطني اتحول لبرودة رع،ب خلت جسمي يتنفض.
أبوه حتى مكلفش نفسه يبص في وشي وهو بيقول: “تستنى كام ساعة، الموضوع مش مستاهل الدلع ده كله.” ومحدش فيهم نطق بكلمة تانية بعد كده. صوت غوايش حماتي وهي بتعدل الشنطة كان طالع له رنة مستفزة. أخت طارق رفعت عينها من الموبايل ثانية، بس برضه رفضت تبص في عيني. وطارق واقف والمفاتيح في إيده، وأنا حاضنة بطني وبحاول على قد ما أقدر منزلش دمعة واحدة قدام ناس باعوني وقرروا إن وجعي وخ،وفي مجرد تمثيل وكدب.
وبعدين باب الشقة اتفتح. صوت قفلة الباب وراهم دي حاجة عمري ما هنسى كسرتها طول ما أنا عايشة. الحيطة اتهزت من الرزع. والترقيعة بتاعت القفل سمعت في وداني. صوت خطواتهم وهي بتبعد على السلم وبرا العمارة بدأ يختفي. وبعدها البيت كله لفه هدوء قاتل. كنت عايزة أصرخ وراهم بعلو صوتي. كنت عايزة أقوله يا ندل يا جبان، كنت عايزة أتحايل عليه يرجع، كنت عايزة أمسك أي حاجة زجاج وأكسرها في الباب.
بس جاتلي نغزة طلق تانية حطمت ركبي. اتزحلقت على الحيطة وأنا ساندة بطني بإيد، والإيد التانية بتخربش في الدهان لحد ما نزلت على الأرض. الموبايل كان هناك جنب الكنبة. صورتة واضحة في خيالي، مقلوب على وشه جنب المخدة. كنت لسه بحسب الوقت بين كل طلقة والتانية عليه من شوية، قبل ما الوجع يزيد لدرجة مخلتنيش قادرة أحسب حاجة. ودوسيه المستشفى الأزرق كان على الترابيزة. وأرقام الطوارئ والإسعاف جواه. كل حاجة ممكن تنقذني كانت على بعد خطوات مني.



