منوعات

الم الولاده بقلم صافى هانى ١

​بس الناس اللي كان المفروض يحموني ويشيلوني.. سابوني ومشيوا. ​علشان كده زحفت على بطني. ​بلاط الأرض كان ساقع تحت إيدي. جلاليب البيت لزقت على جسمي من كتر العرق اللي مغرق ضهري. كنت لفة دراعي حوالين بطني وأنا حاسة بالتوأم بيتحركوا بعنف، وفجأة حركتهم وقفت تماماً.. واللحظة دي الرع،ب كل قلبي. ​همست وأنا بنهج: “لا.. خليكوا معايا.. عشان خاطري اوعوا تسيبوني.. انتوا الاثنين خليكوا معايا.” ​الدقائق كانت بتمر كأنها سنين. ​كل شبر كنت بمشيه على أرض الصالة كان كأنه جبل بهده.

​الطلق مبقاش بييجي ويروح زي الأول، ده بقى ضغط متواصل ومستمر بيكسر في ضلوعي. إيدي كانت بترتعش جامد لدرجة إني لما حاولت أسند على حرف الترابيزة عشان أرفع نفسي، خبطت الدوسيه الأزرق وقع على الأرض. ​والورق كله اتبعثر حواليا. ​ورقة حجز المستشفى. ​صورة بطاقة التأمين الصحي. ​خطة الولادة اللي رتبتها. ​وتعليمات الدكتورة. ​وهناك، في نص الورقة، ومحوطة بخط أحمر عريض، كانت الجملة دي: ​”ممنوع تماماً التأخير في نقل الحالة فور بدء الأعراض.”

​بصيت للجملة من بين دموعي المغرقة وشي. ​أهو.. الكلام مكتوب أهوه. ​دليل. ​دليل صريح إني مكنتش بدلع ولا ببالغ. ​دليل إني مكنتش ضعيفة. ​دليل إنهم كانوا عارفين كويس جداً الموضوع خطير قد إيه، ومع ذلك سابوني لوحدي وخرجوا يتفسحوا. ​وجع تالت خبط في بطني بكل عنف، والمرة دي الصرخة اللي طلعت من بوقي مكنتش طالعة من بشر.. دي كانت صرخة روح بتطلع. مسكت في حرف الكنبة وبحاول بكل قوتي أرفع جسمي، بس رجلي كانت ميتة ومشتشنيش.

​وفجأة.. مية الولادة نزلت وغرقت الأرض. ​في اللحظة دي، حسيت الصالة كلها بتلف بيا والدنيا بتسود. ​بصيت على باب الشقة. ​نفس الباب اللي طارق قفله بالمفتاح وراه وسابني بتم،وت. ​العتمة بدأت تظلم عيني وأنا بضيع. ​وفي وسط السكوت المرع،ب ده، فكرة واحدة نورت في دماغي وبقت واضحة زي الشمس. ​أنا ممكن أولد لوحدي على بلاط الصالة عشان جوزي شايف إن الفسحة والشوبنج بتاع أمه وأخته أهم بكتير من مراته وعياله اللي بيم،وتوا.

#حكايات_صافي_هاني ​الموضوع مكنش سوء تفاهم. ​ولا كان تضريب وقت غلط. ​ولا لخبَطة من الاستعجال. ​ده كان اختيار. ​اختيار قاسي، وجاحد، ومعمول بقصد وعمد. ​حاولت أصرخ تاني بس صوتي طلع مكتوم ومكسور ومش مسموع.. ​وفجأة.. جرس الباب رن. ​رنة واحدة. ​حامية ومفاجئة. ​جسمي اتشنج في مكاني. ​لأقل من ثانية، قولت يمكن طارق رجع؟ ​يمكن ضميره أنبه وصعبت عليه قبل ما يخرجوا بالثانية من الشارع؟ ​بس الباب اترزع عليه خبط ورا بعضه..

​المرة دي الخبط كان قوي وبعنف. ​واللي حصل بعد الخبط ده غير كل حاجة.. القصة الكاملة في التعليقات #حكايات_صافي_هاني الخبط كان سريع ومنهار، وصوت حارس العمارة وهو بيزعق من ورا الباب: “يا مدام! أنتي كويسة؟ أنا سمعت صريخك!” ومعاه كان صوت أخويا أحمد وهو بيهبد على الخشب بكل قوته: “افتحي يا أختي! ردي عليا!” أحمد كان جاي يزورني فجأة، ولما سمع صريخي المكتوم وهو طالع على السلم، قلب الدنيا. ثواني معدودة وكانوا كاسرين قفل الباب وباب الشقة اتهبد على الحيطة.

​أول ما أحمد دخل وشافني غرقانة على الأرض ومية الولادة مغرقة المكان، وشاف ورقة الدكتورة والدوسيه المرمي جنبي، عينه اسودت من الرع،ب والغل. شالني من على الأرض بسرعة تفوق الخيال، والحارس جرى يفتح باب العربية بتاعة أخويا اللي كانت تحت. في الطريق للمستشفى، كنت بنطق بالعافية وبقول لأحمد على اللي حصل، وهو كان بيسوق زي المج،نون ودموعه نازلة من القهر على أخته.

​في المستشفى، الدكاترة كانوا بيجروا بالترولي ودخلت غرف العمليات فوراً بنظام الطوارئ القصوى. ربنا ستر ولحقت ولادي في آخر لحظة، توأم زي القمر، بس الدكتورة طلعت لأخويا وقالتله بكل وضوح: “التأخير ده كان ممكن ينهي حياتها وحياة الأطفال، دي جري..مة!” وأنا في الإفاقة، مكنش في عيني دموع.. كان في جبل من التلج والكره اتولد جوايا، والضعف اللي كان في قلبي اتمحى تماماً. رفضت أقعد في المستشفى أو أروح بيت أهلي، وبصيت لأخويا وقولتله بصوت حاد ومسموم: “هترجعني بيتي حالا يا أحمد.. حقي مش هسيبه، وعايزاهم يشوفوا هما سابوا إيه.”

​أخويا اتصل بأعمامي وجاب اتنين من رجالة عيلتنا الكبار، وروحنا على الشقة. ملمسناش نقطة دم واحدة ولا نضفنا مية الولادة من على الأرض، سيبنا كل حاجة زي ما هي عشان يشوفوا جنايتهم لايف. قعدنا في الصالة في ضلمة كحل، ومحدش فينا نطق بكلمة، الكل مستني في صمت رهيب يخ،وف. ​بعد كام ساعة، سمعنا صوت ضحكهم العالي الرقيع وهو طالع على السلم.. شادية بحركتها الخفيفة بتدندن، وأخت طارق فرحانة بأكياس الشوبنج والشنط الماركة الجديدة اللي اشتروها. طارق حط المفتاح في القفل وفتح الباب وهو بيضحك بأعلى صوته وبيقول: “أهو رجعنا يا ستي، شفتي إنك كنتي بتهولي والموضوع مش مستـ…”

​في اللحظة دي، أخويا أحمد مد إيده وشغل كبس النور فجأة. ​المشهد كان مرع،ب وجمد الدم في عروقهم كلهم. الصالة كانت عبارة عن مسرح جري..مة؛ بقع الدم والمية مغرقة السجاد والبلاط، الدوسيه الأزرق متقطع على الأرض، وأنا قاعدة في وسط الصالة على الكرسي بكل شموخ، ملامحي ميتة وخالية من أي مشاعر، ولابسة عباية سودا، وحواليا أحمد وأعمامي واقفين ورايا زي الجبال بنظرات كلها توعد وم،وت، وفي إيد أخويا تقرير طبي رسمي من المستشفى يثبت حالة الإهمال المتعمد اللي تعرضت ليها.

​طارق أول ما عينه جت على بقع الدم، وشاف نظرة الغل والم،وت في عيون رجالة عيلتي، وبص لوشي اللي مبقاش فيه أي أثر للست الهادية المطيعة المستسلمة، أكياس الشوبنج وقعت من إيده واتبعثرت في الأرض.. ركبه سابت تماماً ووقع على ركبه من الصدمة والرع،ب وهو بيبصلي ومش قادر ينطق بحرف. حماتي شادية شهقت ووقعت الشنطة الجديدة من إيدها، ووشها بقى أصفر زي الأموات، وأخته استخبت ورا ضهر أبوها اللي كان واقف مبرق ومش مستوعب إن الضعيفة اللي سابوها بتم،وت، رجعت عشان تدوس عليهم كلهم وتنهي حياتهم بكلمة

واحدة.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى