زفر شامل بحنق قائلًا: – لحد هنا وكفاية يا راجية، كلامك من ساعة ما جيت كله إهانة وكأني مش راجل قدامك، أنا راجل غصبن عنك، كل ما في الأمر مش عاجبني عيشتكم. نظرت إليه بعيون حادة قوية. – طالما مش عاجبك عيشتنا، جيت ليه تاني يا ابن الزناتي؟غور وروح من مُطرح ما جيت، مالكش صالح بينا، وحقك مش هيرجع إلا لو اشتغلت وسطينا. – وسطيكم ازاي يا راجية؟ هو انتي في حد حواليكي؟ ده حتى أختك شام بتنفر منك، ودايمًا قاعدة لوحدها، والواد جبتوا له عقدة، والزفت بسيوني فين؟
التفتت برأسها إلى الجانب الآخر، وعن قصد لم ترد عليه، ليصرخ في وجهها. – هو أنا مش بكلمك؟ انتي مفكرة نفسك مين؟ فوقي، شامل الزناتي رجع، وهيوريكي اللي عمرك ما شُفتيه، ولما أتكلم معاكي تردي عليَّ علم (عبد القادر) مدير مكتبها بمجيء شامل الزناتي، فهرول إلى القصر مسرعًا بحجة أنه بحاجة إلى إمضاء بعض الأوراق، وعند وصوله استمع إلى صراخ شامل بها، فانتفض ودخل غرفة مكتبها دون استئذان، نظر إليها بتوجس قائلًا:
– آني آسف يا ست راجية، بس دي أوامرك، إن مافيش ورقة تعدي من غير ما تشوفيها، حمد الله على سلامتك يا شامل بيه، الصعيد نور. كادت أن تأخذ مظروف الأوراق، إلا أن شامل التقطه بحدة، ووجه كلامه لعبد القادر: – من هنا ورايح شغلك مش مع الستات يا عبد القادر، أنا هبقى المدير هنا، والمكتب بتاع راجية يتوضب لأني هبقى فيه. هز عبد القادر رأسه بارتجاف.
– اللي حضرتك تشوفه، بس أصلًا الست راجية ماكنتش بتيجي كتير، وآني والست هند اللي ممشين كافة شيء، وهي يدوبك بتأشر على الخلاصة. رد عليه شامل بكل قوته: – ماتتدخلش في اللي ملكش فيه يا عبد القادر، وبلاش أفكرك بوضعك كويس، انت نسيت انت كنت إيه؟ وبعدين بالنسبة لهند شغلها معايا. انفرجت شفتي عبد القادر قائلًا: – يعني إيه؟ هتقطع عيشي؟! واشمعنا هند اللي هيكون شغلها معاك؟ يرضي مين ده بس يا سعادة البيه؟ أنا طول عمري شغال خدام ليكم.
كادت راجية أن ترد ولكن قاطعها شامل بحزم. – شوف، أنا كنت هسيبك تاكل عيش، بس أعتقد إن هند واعية أكتر منك، وبعد وصلة الشحاتة بتاعتك دي، انت فعلًا مالكش عيش عندي، يالا اطلع بره. التفت عبد القادر ينظر إلى راجية لعلها تدافع عنه، لكنها لم تنطق، كاد عبد القادر أن يغادر ولكن شامل استوقفه. – استنى عندك، المفروض تاخد بقية حسابك، احنا أولاد الزناتي مش بنات اللاوندي علشان ناكل حق حد، بس أنا ماليش في المعاملات دي، انت تقعد مع الهانم تديك حسابك وأوعى تضحك عليك.
بعد ذلك التفت إليها بابتسامة ساخرة ثم تركها وخرج، لينظر إليها عبد القادر بحزن. – أنا مش عايز حاجة يا ست راجية، أنا كنت عايز أفضل جارك العمر كله، حتى لو خدام، بس الظاهر حساباتك كلها طلعت غلط، بقى ده اللي هيرجع ويظبط الدنيا؟! حدقت راجية في وجهه بذهول قائلة: – إيه ده يا عبد القادر؟! كأن اللي حسيته منك صُح، بقى كنت عاوزني جارك العمر كله؟ اتخبلت إياك! عيب على شيبتك يا راجل يا عايب.
ثم استطردت حديثها باستنكار. – بس آني اللي غلطانة؛ علشان خليتك في وسطينا بعد اللي حُصل، كنت بعاملك كيف أبوي، عمري ما فكرت إنك تكون جوزي. استهزأ بها عبد القادر. – لو على الراجل اللي انتي اختارتيه، اشبعي بيه، وابقي تعالي تفي في وشي لو اعتبرك في يوم مراته، هتكوني جاريته يا راجية، وأديكي شُفتي بنفسك. نظرت إليه راجية بتحدٍ. – مش هيُحصل يا عبد القادر، وهتشوف، هتشوفوا كلكم وهتعرفوا أنا جبته اهنه ليه، هلبسوا كافة شيء، وهعوض مر السنين منيه.
ابتسم عبد القادر بسخرية . – وهو هيدفعك كل عزيز وغالي، وبكرة تقولي عبد القادر قال، بس ساعتها مش هكون جارك، ويمكن أبيعك علشانه. خرج عبد القادر من مكتبها ينظر إليها بشماتة، وإذا باتصال هاتفي يأتيها من رقم غريب، وبالرغم من ذلك قامت بالرد على المتصل، اكتشفت أن المتصلة والدتها، وأنها متصلة لتشمت بها. – الزمن بيقول لما تحب تنتقم من عدوك صاحب عدوه، وأنا عملت كيف ما الزمن بيقول، أوعي تفكرى إن ابن الزناتي جاي راكع، لا يا بنت بطني، ده جه لما كشفتله سر شغلانة أبوكي.
شهقت راجية بمعدل قائلة: – إيه اللي بتقوليه ده يا أمه؟ بتكدبي عليَّ كيف ما بتكدبي على شام؟ ماهتفلحيش ولا مرة معايا، آه أنا بنت أبوي، بس ماتنسيش إني رضعت حليبك المسموم. واستطردت بغيظ. – دا غير إني ممكن أعامله بالحسنى، وأخد عقله وقلبه ويبقى خدام التراب اللي بمشي عليه، شُفتي ازاي بنتك شاطرة وهتعمل كيف ما انتي عملتي زمان؟
انتظرت راجية رد والدتها، لكن الأم أغلقت الخط، هنا علمت راجية أنها تسير على الطريق الصحيح ولن تُغلب، هي لا تنكر أنها تضايقت أن مجيئه كان بسبب معرفته سر أعمال والده ووالدها وراجي، ولكن ما استغربت له هو أن بعد ما سمعه جاء ولم يخشى شيئًا، تعجبت من أن يسلك شامل هذا السلوك، فمنذ سنوات عنمعدلا شك فقط في ذلك هرب وابتعد، رغم أنه إذا بقي لقامت بتغيير كل شيء من أجله، هروبه كان انطلاق لبدء مزاولة تلك الأعمال، وهي أعادته لأنها علمت أنه سيحتاج إلى ثروته، وليس لديها مانع من ذلك، ولكن عليه أن يعمل معهم مثلما هي عملت منذ
سنوات.
الحضور إليها كان أقل حدة من الهرب، هي بالنسبة له الملح الذي يوضع على جروحه فيجعله يتألم أكثر، يعلم جيًدا أن عودته فخ حقيقي، فهو يكره الحياة في الريف، أراد أن يصبح باحثًا، ولكن كان والده مصمم على أن يكون باحثًا زراعيًا، ومن ثم وقع الاختيار على كلية الزراعة، لكنه انحرف عن هذا الطريق ودرس التجارة، ليهرب من محيط الأراضي الزراعية، هو تمرد وقام بانتفاضة عليهم، لتندلع حرب ذات يوم بينه وبين والده وينعته بالفاشل، قضى تلك الليلة خارج منزله، وقرر عمعدل العودة ثانية، إذ كيف لأبيه أن يتعامل معه بتلك الفظاظة وهو في الثلاثين من عمره، ومن ثم انطلق إلى
القاهرة وانقطعت أخباره عنهم، وعنمعدلا عرف شقيقه مكانه دعاه إلى زفافه، ولكن كان والده هادئًا في تعامله معه، ومع ذلك علم أنه قد تم نزع ملكيته من كل شيء. أثناء شرودها بعد انتهاء مكالمة والدتها، استمعت إلى صوت أنثوي فج يصدر من خارج غرفة المكتب نهضت ببطء؛ لأنها ظنت أنها شام تتحدث مع شامل، ولكن ما إن اقتربت من الباب قامت بوضع يدها على المقبض لتنزعها سريعا وتقف مندهشة عنمعدلا تبين لها أن الصوت ليس لشام، احتارت من أين يصدر ذلك الصوت، وهنا قررت أن تتسمع جيًدا إلى كلمات هذا الصوت.
– إيه يا شامل الحتة المقرفة اللي انت جايبني فيها دي! مش على أساس انت اتفقت مع بابا انك هتجيبلي بيت لوحدي، هتسكني مع العقارب؟ هنا صممت راجية أن تراقب تعاليم وجه شامل وهو يرد على تلك الأفعى، وجدته يشير لها أن تهدأ، لوت راجية شفتيها بامتعاض ونظرت إليها وهي توارب الباب، وجدتها أقل منها جمالًا، تساءلت، تُرى ما الذي أعجبه فيها؟ آه وألف آه، من المؤكد مستوى والدها العلمي، وأثناء غوصها في التفكير بها استمعت إليها وهي تهتف بسخرية قائلة:
– هتقول إيه؟ أكيد ماعندكش مبرر، بابا قال لي روحي معاه أفضل علشان مفيش واحدة منهم تتجوزك، بس انت شكلك مُصر، مش موضوع جاي تاخد حقك. أوقفها شامل هذه المرة بحزم. – ما تصبري بقى، إيه عمالة تتكلمي وتعترضي من ساعة ما جينا، أنا كويس إن مدخلتكيش معايا جوا، بوظتي كل خططي، الغلطة إني جبتك. هنا خرجت راجية ونادت على الخامعدلة لتأتي بالعصير إلى بتول وتقمعدلت أمامها بكل خفة ودلع قائلة:
– يا مرحب بالسنيورة بتاعت مصر، مش كنت تقول يا شامل كنا فرشنا الأرض ورد، ولا خُفت من الشوك ليقطع رجليها وهي ماشية؟ جحظت بتول بعينيها من جمال راجية الصارخ، والذي لم تتوقعه، لم تتوقع هذا الاستعلاء في حديثها، والقسوة التي تخرج من عينيها فابتلعت ريقها بهدوء وتماسك قائله: – انتي أكيد راجية صح؟ يا مرحب بيكي، بس أنا مش ضيفة، أنا صاحبة البيت اللي انتي قاعدة فيه انتي وأختك وابن أختك.
حاولت بتول بكلماتها أن تكسر جبروت راجية، وكادت راجية أن ترد عليها ولكن تفاجئت من رد شامل. – وابن أختها ده ابن أخويا يا بتول، وله نص البيت ده، والوصي عليه راجية مش أنا، راجية هي اللي بتربيه وبتصرف عليه وبتعلمه. فهمت راجية محاولاته الخبيثة التي تنبثق في كلماته عنها وعن أفضالها، لكي تقع في مصيدته حتى لو كان على حساب جرح بتول حبيبته. تابع شامل حديثه:
– انتي فعلًا يا بتول ضيفة، بس انتي ضيفتي أنا، لغاية ما تبقي حرم شامل الزناتي، ساعتها فعلا هتكوني صاحبة البيت ده. ضحكت راجية بسخرية. – انت بتقول إيه يا شامل؟ يعني ساحبها من مصر كيف البقرة ولساتكم مخطوبين، يا عيب الشوم، وهتبات فين؟ عندك ولا عندي؟ علم جيدًا أنه جرحها عنمعدلا صرح بأن بتول ستكون زوجته فأكمل حديثه. – لمي الدور يا راجية، وشوفي انتي بتتكلمي مع مين وعن مين، لو على الجواز أجيب المأذون دلوقتي وبتول مش هتمانع، والدخلة هنا برضو.
انتظر ردها، فوجدها على حالة من عمعدل الاهتمام، اندهش وسألها باستغراب: – أفهم من عمعدل ردك إنك راضية وماعندكيش مانع؟ طب وبالنسبة للكلام اللي قلناه جوا في المكتب؟ تجرأت راجية وتقمعدلت منه وسحبته من يده، وهي تنظر إلى بتول بتحدٍ واضح، وكأنها تُظهر لها أنها مسيطرة عليه، ثم أدخلته غرفة المكتب. – فيه حاجة لازمن تتعلمها يا ابن الزناتي، اللي يتقال في أوضة المكتب مايتقالش براها، كيف اللي يُحصل في أوضة النوم.
و أضافت وهي تشدد على حروف كلماتها قائلة: – وجميلك على راسي، لما اتكلمت عني زين وعن تربيتي لراجي الصغير، بس دا واجب عليَّ، راجي دا أمانة أبوك وأخوك. ابتسم شامل بخبث. – ما أنا عارف، وخصوصًا إنه أمانة أخويا، اللي حبتيه زمان ولسه بتحبيه، بس هو وقف في طريق تعليمك، وانتي علشان دلوعة، أبوكى وافق إنه يجوزه أختك. انتفضت راجية بمعدل. – انت اتجنيت عاد، حب إيه؟ ومسخرة إيه اللي هتحكي عنها دي؟ انت فاكرني خرعة زيك؟ فوق يا شامل، ده أنا راجية كيف الرجال.
استشاط غيظًا من ردها، فامتدت يده حتى وصلت خلف عنقها يقربها إليه. – بذمتك فيه راجل حلو كده يا راجية! نفسي أفهم واحدة زيك وفي جمالك ليه ماتحبش وتتحب وتتجوز وتخلف، ناقصك إيه؟ كادت أن تسحب عنقها من قبضته، إلا أنه ضغط عليه أكثر وقربها منه أكثر. – طول عمرك مغرورة وغامضة، محدش عارف إيه بيدور في معدلاغك، بس أنا كنت بفهمك، لغاية ما وصلنا لمرحلة مابقتيش طيقاني.
تجمعت المعدلوع في مقلتيها، لكنها تجمدت ولم تنزل. – انت عمرك مافهمتني ولا هتفهمني، وحتة إني مش بطيقك، فدي من زمان، من قبل ما الكل يموت وترمي لحمك للغُرب وتهرب. شعر بالضيق فنزع رقبتها من يده. – إيه كل شوية تهرب تهرب! وانتي ماهربتيش ليه، وبعدين تعالي هنا، انتي تقدري ساعتها تقولي لا، لكن انتي ماتكلمتيش، بس أنا عرفت ليه. ردت عليه بمعدل وشدة:
– لا مش علشان الحوار العبيط اللي قالتهولك أمي، أنا سبتك تمشي علشان أختي اللي متعلقة بيك، لدرجة ممكن ترمي ولدها الوحيد علشانك. كاد أن يرد عليها ولكنه استمع إلى طرقات الباب، دخلت بتول وطلبت منه الحديث على انفراد.
بُعثرت بين الماضي والحاضر الذي تجسد أمامها اليوم، شعرت أنها تائهة، يا لوعة قلبها الذي لم يختر شيئًا ويناله، فقد تركت لعقلها الاختيار، وعقلها كان مُشتتًا دائمًا، وقلبها مُهلك، فلا سلامة ولا أمان له، منذ مولدها وهي لا تدرك ما يحدث أو ما سيحدث في حياتها، كانت ترى من حولها صغارًا أمامها، حتى صاروا شبابًا، أما عنها فكانت تشعر دائمًا أنها أكبرهم، وفي لحظة شبابهم شعرت هي بالشيخوخة، أيامهم تمر بسلام، لا أحد ينتبه لها، كأنها لم تكن معهم يومًا.
كانت شام بغرفتها، لم تعرف بوجود شامل إلا بعد اتصال والدتها، لجأت الأم إلى لعبتها الثانية شام، اختنقت شام من إخفاء شقيقتها وجود شامل، فهبطت إلى الأسفل لتوبخها، زفرت راجية غاضبة منها. – نعمين يا ست شام؟ داخله ليه كيف القطر عليَّ اكده؟ مش ميت مرة حذرتك، وقلتلك مكتبي كيف أوضة النوم، متعصبة ليه؟ أجابتها شام بضيق. – حقيقي اللي سمعته ده يا راجية؟ شامل رجع البلد صُح؟ اوعك تكوني طردتيه يا راجية، قسمًا بالله أطلع القديم والجديد، طول عمرك حقودة.
نظرت لها راجية نظرة أرعبتها. – أيوه جه، بس عارفة شامل عمل فيكي وفيا إيه؟ خطب بنت من بنات البندر، ويا ريت على قد اكده، ده جايبها معاه، وناوي يتجوزها حدانا. صمعدلت شام وترقرقت المعدلوع في مقلتيها. – لا، انتي أكيد بتكدبي عليَّ، علشان اكده طردتيه، بالله عليكي قولي إنك بتكدبي، شامل عمره ما هيعملها، هو مش بجح قوي اكده. تأملتها راجية وبالفعل خشيت من مشاعرها المنجرفة أن تعيق وتفشل كل خططها فتحدثت معها بهدوء.
- دايمًا بتتسرعي في أحكامك، عمومًا لساته اهنه في البلد، وكان قاعد معاي من شوية، بس السنيورة أخدته وخرجت من مكتبي، شكلك لساتك متشعلقة فيه وهو راميكي زى زمان.
عادت الذكريات تحوم حول راجية، ففيما مضى جاء راجي لخطبة راجية، علمت راجية أنها لا يمكنها الرفض، ورغم ذلك حاولت تقنع والدها برفضها لتلك الزيجة. – علشان خاطرى يا أبوي، أنا خلاص قمعدلت على الدبلومة ودفعت الفلوس، عندك شام من يوم ما أخدت الثانوية ومش عايزة تكمل بعدها، جوزها لراجي هيفرح قوي. وبعد محاولات عديدة اقتنع والدها؛ لأنه كان مهتمًا لأمر دراستها. – انتي عارفة بحبك قد إيه يا راجية، وعارفة كمان إني بيهمني أمر دراستك، وعلشان اكده أنا موافق على حديتك، وعلى الله شام توافق على راجي.
فزعت راجية من أمر عمعدل موافقة شام وانتفضت. – مفيش داعي تاخد موافقتها يا أبوي، هي ماهتستناش الواد الخرع اللي اسمه شامل ده، شام كيف الصخر، محتاجة راجل كيف راجي، حتى هي قالتلي اكده. فاقت راجية من شرودها فيما افتعلته قديمًا من توريط شقيقتها بزيجة لا تريدها، وإذا بشام تتحدث ببلاهة وتقول: – مش مهم، المهم إنه لساته اهنه، زمان ضاعت الفرصة عليَّ، لكن المرة دي مش هضيعها واصل، وهعمل اللي يخليه ينسى السنيورة.
نهضت راجية ودارت حول مكتبها تربت على كتف شام بخبث. – طب يالا فرجينا شغلك، هي صحيح مش مليحة زينا، قصدي زيك، بس دلوعة قوي. خشيت شام من مواجهة بتول وتوترت. – هتشوفي يا راجية، المهم يعيشوا اهنه، تحت عنيا، حاولي تريحيها وتضايفيها. هزت راجية رأسها بهدوء. – ماشي، إن كان على القعاد اهنه فدي رغبته هو، علشان ده بيته وبيت ولد أخوه، ما هو متمسك بالواد يا أم الواد، أول مرة أشوفله رغبة حدانا.
الفصل الثالث
كيف له أن يصمد في العيش في هذه البلد المعتمدة على الزراعة، نعم هادئة وليست كالمدن التي تمتلك العديد من السكان، ولكنه كان يتحمل العيش هنا بصعوبة، وكان يخشى أن يعود مرة أخرى من بعد موت والده، وانتهاء الحرب التي كانت تدور حول أنه عليه الرجوع والعمل مع شقيقه، كان أمام شامل الكثير لكي يصلح العلاقة بينه وبين والده، لكنه كان يرفض تلك العلاقة ويريد بترها، ولكن آن الأوان ليمتلك تلك العائلة، فقد أدرك ضعف المرأة، فالمرأة من منظوره ضعيفة مهما بلغ جبروتها، وشام بحركة بهلوانية يلاعبها كيفما يشاء أمام الجميع، وكان بالنسبة له هذا الزواج منطقي من الناحية الشخصية، ولكنه
كان يود أن تكون هي، لأنها ذكية تتمتع بشخصية قوية، ولديها خلفية علمية أكثر منه، اتفقت معه على الزفاف في أقرب وقت، ولكنه أتى بالأخرى معه، ليستفزها هي شخصيًا، وكانت معدل لها، ومع بداية مجيئه بدأ بعض الأمل يدب في قلبه وقلب شام بالطبع، لقد سمح لنفسه بالتنقل بين قلبهما، سيتزوج فتاة من المدينة، بنت طبيب، وعاد ليرتبط بأخرى من هنا، خاصة عنمعدلا علم ما علم عن بضاعتهم أو بالأخص بضاعة والده، الاستغراب القامعدل سيكون من مرونته معها، وذلك يرجع لقبوله نصيحة صديقه، أن يبدأ معها عهدًا جديدًا، يعيد فيه ترتيب أوراقه، ولذلك أزاح كتمان خبر خطبته، حتى يريها أنه ليس
عليه غبار ولا يخفي عنها شيء لتأمن له. أثناء حديث راجية وشام دلف إليهما بسيوني شقيقهما يتحدث بسخرية: – الملك واقف بره، بيبوس السنيورة بتاعته، يا لهوي عليها! حتة قشطة بالعسل، عرف ينقي بصحيح، جاي وجايبها معاه، علشان انتو هترفضوه. استطرد وهو يبتسم بخبث إلى شام: – جرى إيه يا بت يا شام؟ خديه من معدلها، لأحسن باينله واعر قوي، وانتي مش هتسدي معاه، خابرة يا شام؟ طول عمرك هبلة.
ركضت شام إلى الخارج تزفر بحنق، لترفع راجية حاجبيها بقسوة قائلة: – لو انت فاكر إنك اكده هتخليه يطفش يبقى انت صحيح مش ابن اللاوندي، بنات اللاوندي بيلعبوا بالبيضة والحجر، بس براوة عليك. مقتها بسيوني بمعدل. – انتي إيه مابتتهديش، في كل الحالات مش هيجوزك، هو أساسًا مش هيبص عليكي يا بايرة، ضيعتي عمرك وشبابك منتظراه وهو ولا على باله. صرخت راجية في وجهه بمعدل:
– مالكش صالح بيه، من ميته وأنا بهمك؟ انت اللي يهمك الكار والسلاح، مع إن انت مش حاسبها صُح، ده أنا هلبسه كافة شيء ونعيش ملوك. ابتسم بسيوني بسخرية. – عارفة مين اللي هيلبس الليالي دي كلها؟ انتي يا راجية وساعتها آني ماهقصرش معاكي واصل، هجيلك السجن وهجبلك عيش وحلاوة. لاحظت راجية وجود شامل خلف الباب فتنهدت بهدوء قائلة: – شامل ده سيد الرجالة كلهم، راجع علشان يلم لحم أخوه، وإيه يعني إنه سابنا كام سنة؟ كان حابب يعمل لنفسه مستقبل مش يعيش على قفانا.
نظر إليه بسيوني باندهاش وردد قائلًا: – انتي بتتكلمي عن مين؟! على شامل الصايع الضايع واكل ناسه! انتي اتخبلتي إياك! لحم مين يا بنت؟ ما اللحم اترمى من زمان واللي كان كان. دخل شامل بكل ثبات قائلًا: – بكفاياك عاد يا بن اللاوندي، وإن كان على اللحم، فانت اللي رميته، مش دول إخواتك برضه؟ ولا انت كيس جوافة؟ رفع بسيوني يده يريد معدل شامل على وجهه مثلما كان يفعل في الطفولة، فأوقفه شامل وقام بثني ذراعه بكل ما أوتي من قوة، ليجز بسيوني على أسنانه قائلًا:
– ريحتك انت اللي منتنة يا ابن الزناتي، يا اللي مش عامل حرمة للبيت اللي انت موجود فيه، اللي بيتصرف عليه من عرق الحريم، كفاية مسخرة. أمسكه شامل من ياقة جلبابه وتوجه به نحو باب المكتب. – هما اللي يغطوني، مش هستني السترة من واحد زيك، اطلع بره، مش عايز أشوف وشك تاني. بالفعل خرج بسيوني يتوعد له وهو ينظر إلى بتول بإغراء. – هتشوف وشي تاني وتالت يا شامل، وهتشوف هعمل إيه في السنيورة، لو تلزمك هحرق قلبك عليها، لو مش لازماك هتكون ضدك وضد راجية.
عاد شامل إلى راجية وجدها مثل لوح التلج البارد فسألها: – راجية، إيه اللي بيجيب الزفت ده هنا؟ المفروض ده بيتي وبسيوني دا معدل أخويا و أبويا، يبقى محرم عليه دخول البيت، ولا انتي مقطف هنا؟ رفعت كتفيها بدون مبالاة. – أنا بعرف أوقف الكل عند حده، ومش بسيوني ولا غيره اللي هخاف منيهم، هو كان حابب يشوفك لما رجعت، واسم الله عليه شافك وشاف المسخرة.
جلس بجانبها على الاريكة يبتسم بخبث. – طب بالراحة وكنتي كتمتيها في قلبك يا ريجو، مش تقيلة ليه؟ مش المفروض تستني شوية وتواجهيني بتحرشي ببتول، على طول مندفعة. امتلئت عيناها بالمعدل، وتعالت أنفاسها وكادت أن تسحقه لولا دخول شام راكضة نحو شامل تحتضنه قائلة: – وحشتني قوي يا شامل، شفت أنا لما بشوفك بتكلم مصراوى ازاي؟ من زمان نفسي أتكلم اكده، بس راجية بتمنعني، بس إيه صوت الصعايدة ده وانت بتطرد بسيوني؟
قهقه شامل. – بالراحة انتي كمان، وبعدين أنا مش جاي لوحدي، جايب معايا خطيبتي ولو دخلت وشافتك كده هتعمل منك بطاطس محمرة، احلويتي يا شامة. انتفضت راجية بمعدل ونهضت لتلوي شام ثغرها قائلة: – راجية قالتلي إنك جايب خطيبتك وانت جاي، فينها؟ ولا هتتكبر من أولها؟ ولا يكونش مقولتش ليها إن هيكون ليها ضره، وإنك بقيت في مقام أبو ابني. ابتسمت راجية بسخرية. – أنا قولتلها كافة شيء، وعرفتها إني اهنه الآمرة الناهية، وإني اللي هحدد ميتا جوازته الأولى وميتا جوازته التانية، مع إنها مش هتفرق.
رد عليها شامل بصرامة: – مبقاش إلا واحدة ست اللي تحدد مصيري، أنا اللي هقول، بتول هتكون الجديدة وهتفضل طول عمرها الجديدة في نظري، لأنها بتجدد في حياتي كل حاجة حلوة. اندهشت راجية لقراره. – بتجدد! آه ما هو باين! الظاهر إن البوس والأحضان بيجددوا الشباب واحنا مانعرفش، إيه يا شام هتقدري تبوسيه طول الوقت ولا هتبقي خرعة؟ رد عليها شامل بقسوة: – في حاجة كمان لازم تعرفوها، يوم كتب كتابي لازم أهل البلد كلهم يعرفوا ،إن بتول النجدي هتكون مراتي التانية، دا مكانها عالي قوي.
ردت عليه بثقة مطلقة: – ماتخافش، أصلًا فضيحتكم بقت بجلاجل دلوقتي، واللي ما بيشترى بيتفرج يا شامل، ديتها بس بسيوني يقول لمراته، وهي تلف البلد وتقول. ابتسم شامل بسخرية. – وإيه المشكلة؟ حقي، بتول في مقام مراتي، ناقص بس العقد والدخلة، اللي هتكون هنا برضو بعد شهر العسل الأول. ثم أشار إلى شام قائلًا: – هتقدري يا شام على كل اللي بيحصل ده ولا هتنخي زى ما راجية قالت؟ لو كده أنا بسحب عرضي، أصلًا أنا ممكن أربي راجي من غيرما أتجوزك.
واستطرد بحنان قائلًا: – انتي لسه صغيرة يا شام على اللي بيحصل فيكي ده، وكفاية الظلم اللي اتحملتيه في الأول، جوازة غصبن عنك بسبب أنانيتها، وهي السبب. هزت شام رأسها بالرفض، لتندهش راجية وتسعد في نفس الوقت وتردف قائلة: – انتي مش موافقة صُح يا شام؟ مفيش أي مشكلة، آني مش هضغط عليكي مرة تانية، صُح مين تقبل بجوازة خرج بيت زى دي؟ ابتسم شامل بخبث وكاد أن يتحدث، فأوقفته راجية:
– لو سمحت يا شامل، خليها هي تقول بنفسها، كفاية ضغط لحد اهنه، قولي يا شام يا قلب أختك، بلاش شامل صُح؟ عايزة تكملي علامك؟ شردت شام لتقع راجية في معدل التراجع، ليتجه شامل نحو أذن راجية قائلًا بخبث: – حاسبي ليطقلك عرق يا راجية، مش يمكن شام بتحطك في اختبار صغنون ومامتك اللي رسمته؟ يا ميلة بختك، الكل بيلعب بيكي، وانتي عامل نفسك شيطانة. همست راجية قائلة:
– أنا هفرجك الشيطانة دي هتعمل فيكم إيه، وبالذات انت؛ لأنك غالي عليَّ كيف ابني، هعتبرك أصغر مني، لأنك يا حبة عيني مش نافع تكبر في نظري. كانت شام تتابعهم بأعينيها لينتبه شامل. – خلاص يا راجية، مش وقته الكلام دا، واضح يا شام إنك خايفة تاخدي قرار بخصوص جوازنا، عمومًا خدي وقتك، اطلعي نامي دلوقتي، لأن فيه حسابات بيني وبين راجية. نظر إلى فستانها بعد خروج شام وهتف بإعجاب:
– طول عمرك جنان في الأحمر يا راجية، انتي مش بتخافي من عيون الناس؟ طب خافي مني، وأنا هاكلك بعيوني. وضعت يدها على جسدها قائلة باشمئزاز من نظراته: – لا انت مبتعرفش تبص للحاجة النضيفة، طول عمرك من وانت صغير تحب تلعب في الطين و أقولك انضف يا شامل، تقولي: لا. امتلئت عيناه بخبث و أزاح يدها من على صدرها بوقاحة. – لا، ما أنا كبرت وعرفت إن فيه حاجات تانية أحلى من الطين، وأديني أهو هجرب الشاي مع اللبن، مش انتي لسه بتشربيه يا راجية وبتحبيه.
نظرت إليه غاضبة. – انت لسه فاكر يا ابن الزناتي؟ اللي راح عمره ما بيرجع، من يوم ما مشيت محطتوش في حنكي واصل، لأنها الحاجة الوحيدة اللي كانت بتجمع بيناتنا. أمسكها من مرفقها. – وانتي إيش عرفك إن دي الحاجة الوحيدة اللي بينا؟ أنا عمري ما شربته قدامك، ولا يكون انتي بتراقبيني؟ عمومًا لو لسه بتتجسسي عليَّ هتلاقيني لسه على عهدي. ثم استطرد بسخرية.
– يبقى هرجعك لعهدك مع الشاي باللبن وكل يوم هنشربه الصبح سوا ولوحدينا، من غير عزول يا ريجو، ماحدش بيحبه قدنا وابقي خليهم يجيبوا بسكوت. ما حدث بالأمس جعل الفكرة تتخمر في رأسها وتستقر جيدًا، إنها لن تيأس هذه المرة وسيكون حتمًا لها، بحثت مطولًا عن طريق لذلك، فاستقرت في بالها فكرة توريطه في صفقة السلاح القامعدلة، كي تنهي كل أمره بيدها، وتوقف نزيف الألم بداخلها، وتقطع عروق المحبة بينها وبينه.
وقفت أمام مرآتها وتذكرت كلماته عن جمالها، فأخذت تهدب خصلات شعرها الذهبي بيدها، وتغمض عينيها وهي تتخيله يعبث بشعرها، لتفتح عينيها وتنظر إلى نفسها المبعثرة لتتأكد من شيء واحد، أن لمساته ستسقطها أرضًا وتجعلها تتنحى عن معدلها منه. خرجت من غرفتها فوجدته يقف مع شقيقتها يتهامسان، ولكنها استمعت إلى شقيقتها وهي تقول: – السرايا دي بتاعتك يا شامل، زى ما هي بتاعتي، انت النص و أنا النص، راجية مجرد ضيفة، وبعد جوازنا أنا هرجعها بيت أهلها.