كانت تتحدث وهي تعبث بإزار قميصه ليوقفها بحزم: – أنا عمري ما هطرد راجية يا شام، راجية لما كنت أنا مش موجود هنا راعتك، وراعت ابنك اللي انتي تقريبًا ماتعرفيش عنه حاجة. كانت راجية لا تعلم إنه رأها بعينيه الخبيثة فتحدث بتلك العبارات، حتى أن شام شعرت بتحوله وتغيير كلامه من النقيض إلى النقيض، لتتحدث راجية في نفسها قائلة: – كنت فين من زمان يا شامل؟ دلوقتي عرفت إني شيلت الحمل على كتافي العمر كله! يا ترى بتقول اكده لشام علشان تهرب منها؟
تابع شامل حديثه مع شام: – شيلي من معدلاغك موضوع إنك تمشيها، لأنك لو مشتيها هاخد الولد وهمشيكي انتي كمان، وممكن أبيع السرايا وأنزل مصر. شهقت شام في ذهول. – اكده يا شامل هتبيعني علشان راجية؟ مش دي اللي كنت مش عايز تنزل الصعيد علشان بس ماتشوفش وشها، دلوقتي عايزها في حياتنا؟ أوقفها شامل بحزم: – في حاجات لا انتي ولا أخوكي بسيوني تقدروا تفهموها، لو انتي كنتي جيتي في يوم وزنيتي على أخويا إنه يطردني كان هيطلقك انتي.
لاحظت راجية حديثهم الثائر فتدخلت: – صباح الخير، ازيكم؟ إيه مالك يا شام؟ وانت يا شامل بتعمل إيه اهنه؟ المفروض دلوقتي تبقى في الشغل ولا جاي تتسرمح؟ نظر إليها ببرود قائلًا: – ما أنا بشتغل أهو، بشتغل في الازرق والأخضر، إيه يا راجية، هو حد قالك الأحمر وحش تقومي تلبسيلي الأخضر! طب دلوقتي لو مشينا في الزرع مش هشوفك. نظرت إليها شام بغيرة. – انت واخد بالك من لبسها قوي، ده أنا أختها مش بعرف هي لابسة إيه، أصل ذوقها بلدي قوى مش زيي أنا وبتول، رغم إن معاها الفلوس.
نظر شامل إلى شام بسخرية. – شام انتي وبتول صغيرين على إنكم ترتقوا لذوق راجية، راجية دي فنانة من صغرها، المفروض ماكنتش دخلت حقوق، مش عارف هي خابت ليه في الثانوية؟ رفعت شام حاجبيها باستغراب. – هي كده خايبة؟! أومال بتقول عليَّ إيه يا شامل؟ عمومًا أنا ماليش ذنب، هي السبب لما غصبت عليَّ أتجوز راجي الله يرحمه، بس فكر فيها انت، تقبل تتجوز واحده ذوقها كده؟
ابتسم بخبث. – اعتبريني جوزها يا ستي، هبقى في قمة سعادتي وأنا متجوز قمر عيلة اللاوندي، الملكة راجية، هو حد يطول؟ بس هي ترضى، دي تحط رجل على رجل وتتأمر كمان. قال ذلك وإذا بصمت مطبق يهبط على راجية، حتى مشاعرها دفنتها لكي لا تظهر أمامه، لتجز شام على أسنانها قائلة: – وأنا يا شامل؟ إيه انت ناسي إننا هنتجوز قريب؟ ازاي هتتجوز راجية هي كمان؟ ناقص تجيب الرابعة!
قاطعها شامل. – أنا بقول إن راجية ألف مين يتمناها، وبعدين انتي امبارح اترددتي يا شام، وبصراحة مابحبش الست المترددة لأن مالهاش أمان، يا آه؟ يا لا؟ استلمت شام الصمت بدلًا من راجية، وانتظر شامل ردها كثيرًا، فابتسم بخبث وكاد أن يرحل، لتوقفه راجية: – استنى يا شامل، أنا اللي هتجوزك مش شام، انت صُح، الراجل مابيحبش الست المترددة أو اللي بتلوي دراعه وتقوله يا آني يا التانية.
اندهش شامل مما تقوله راجية ولانتهازها الفرصة، لتتضارب مشاعره. – تتجوزيني أنا يا راجية؟ انتي متأكدة من اللي انتي بتقوليه ده؟ بصراحة حاجة مش متوقعة، فاجئتيني، انتي جريئة قوي. ثم تعالى صوته في زهو: – اشهد يا زمان، راجية اللي مش راضية تتجوز أي حد، هتبقى مدام شامل الزناتي، الله ريجو وشامل، عقبالك يا شام، شفتي الراجل بيحب مين؟ استمعت بثينة (الخامعدلة) إلى صوتهم، وهي ليست بخامعدلة بل تعتبرها راجية أحن من والدتها، وتعلم كل شيء عن راجية، فأسرعت بالصعود بفرحة عارمة وهي تقول:
– ست راجية، الفطور جاهز وزى ما طلبتي وأكتر، شاي بلبن وكحك وبسكوت لجل ما تسقي البسكوت في الشاي، عقبال فطور صباحيتكم. نظرت راجية حولها فوجدت شام تنظر إليها بمعدل ووعيد، وشامل عيناه امتلأت بالخبث خاصة بعد حديث بثينة والأكثر إنه صفق على يده بمرح قائلًا: – خدي تعالي هنا يا تيتة، هو انتي عرفتي منين إن راجية صباحيتها قربت؟ ولا بتشمي على ضهر إيدك؟ الظاهر إن كل الحكايات هنا مفقوسة.
ثم استطرد بقسوة: – عموما سماح المرة دي، أنا ممكن أطردك لأنك بتتجسسي على أسيادك، بس إكرامًا لأنك من سن أمي -الله يرحمها- هسكت، تاني مرة دخولك علينا باستئذان و… أوقفته راجية بمعدل. – لا أنا اهنه اللي أقول مين يفضل ومين اللي يمشي، انت حتى لو اتجوزتني هتفضل ضيف وماتستعجلش تعرف ليه. ابتسم شامل بسخرية. – انتي زعلتي مني يا روحي؟ ماتزعليش أنا بس زى ما عيشت بره وفي مصر، الخدامين مالهمش دخل بينا ولا بحياتنا، بس براحتك يا روحي.
واستطرد بكبرياء: – آسف يا حجة، بس أنا عند رأيي مابحبش حد يدخل عليَّ فجأة حتى ولو في الجنينة، أنا واحد بفكر كتير ومابحبش حد يقطع حبل أفكاري. نكست بثينة رأسها قائلة: – العفو يا ابني، الدار دارك، حقك عليَّ، وبعدين أنا سمعتك بتقول إنها هتبقى مراتك، وأنا فرحتلها قوي، كنها بنتي اللي ماخلفتهاش. تركتهم شام بمعدل، لتهرول خلفها راجية وتدخل غرفتها لتجد شام تهز رأسها غير مصدقة ما حدث للتو، وتهتف بمعدل:
– قوليلي إن اللي حصل دلوقتي مش حقيقي، بتضحكي عليَّ يا راجية كيف ما أمك حكتلي، صحيح انتي أخت مالكيش أمان، وأنا كيف خرصت؟ واستطردت تنظر إليها باشمئزاز: – آني عمري ما كنت أتخيل إنك تتدني قدامه بالشكل ده، علشان اكده جوزتيني راجي، انتي واحدة حاقدة حتى على إخواتك، انتي زى أمك قاسية. اقتربت منها راجية قليلًا. – اقفلي خشمك ده، انتي ماعرفاش حاجة، مفكراه هيبقى ليكي زوج زى راجي؟ انتي هبلة ولا انتي فاهمة حاجة، هو لو كان عايز اكده كان عملها من زمان.
اعترضت شام: – وانتي مالك؟ أنا راضية، بقولك كنت هحببه فيَّ، لكن انتي عندك إيه يحبه؟ بلاش أتكلم وخلي الطابق مستور، انتي عرة البنات يا راجية. ابتسمت راجية بسخرية. – أنا عرة البنات! بس أديكي سمعتيه بيقول عليَّ إيه، بس إوعاكي تفكري إن الكلمتين اللي قالهم بره هما اللي دوبوني فيه، لا، أنا أخدة قرارى من زمان. دخلت بثينة إلى الغرفة تنظر إليهم بحزن.
– تعالوا افطروا وخلوا المشاكل لبعدين، انتم إخوات ومالكمش غير بعض، كفاية أخوكم العفش اللي داير يلسن عليكم في البلد، وانتي يا شام اسمعي كلام أختك. زفرت شام كعادتها بحنق وخرجت من الغرفة. كانت فكرة الزواج به مسيطرة عليها، كل تلك السنوات كان هو هدفها، والهدف كان صعبًا للغاية، هي امرأة مغرورة، تنظر إليه نظرة احتقار، سوف تجعله كما هي تريد.
هو كان يخشى من قوة المواجهة، وما سيفعله بها شقيقها، وما إن انتبه إلى قدرة راجية، حتى شغف ليعرف المزيد عنها، ولن يتم ذلك إلا بالزواج، على الأقل في أمر معرفته بها سيقودها إلى الانحراف في لذاته، لم يعلم أن الانحراف موجود في خطتها، منذ قديم الأذل كان بين عائلتها وعائلته صراع ولكن والدها ووالده باتحادهم قضوا على ذلك الصراع ليعود هو وهي وينشئوا صراعًا جديدًا، بدأ الصراع بخروجه من الصعيد، وتخليه عنهم فيما مرعليهم من صعوبات، ليتجسد بداخلها اضطهاد له، فالذاكرة لا تموت، وأمها هي التي غرست بداخلها الكره للجميع، ولكن عنمعدلا تعود وتفكر في أمره تجد أن كرهها له
سيموت قريبًا؛ لأنه لا يسعى إلا لشيء واحد وهو ثروته، الأمر مادي فقط، تخيلها لم يصل إلى الأمر الذي جاء من أجله، وهو البحث عن شيء أخر، ربما يكون في تجارتها التي تريد توريطه فيها. جلست بثينة مع راجية بعد خروج شام الغاضبة لتتحدث بحنان: – انتي مش قولتي هتفاجئيه بالوضع ده يوم كتب الكتاب لما هتضيعوا بطاقة شام؟ ونحبكوها سوا؟ ليه يا نضري تخليه يشمت فيكي ويفكر اكده؟
لوت راجيه ثغرها: – يفكر كيف ما يفكر وأعلى ما في خيله يركبه، بالك من امبارح عمال يقولها أنا هتجوز عليكي ويهز في نفسيتها وهي جبلة مابتحسش واصل. نظرت إليها بثينة بمعدل أمومي. – في حاجات لسه ماعدتش عليكي واصل يا راجية، زى ما فيه كيد نسا في كيد رجالة، الخونة اللي زيه هما بس اللي يعرفوا يلعبوا بالبيضة والحجر. زفرت راجية بحنق: – بزيادكي عاد يا أمه بثينة، أنا هلكت وجعانة وعلى لحم بطني، يلعن مجيته ويلعن شوفته، بوظلي دنيتي زى ما عملها قبل سابق، روحي هاتيلي الوكل.
رفعت بثينه حاجبيها باندهاش، فراجية عادتها أنها لا تهتم بالطعام. – من ميتا وانتي بيهمك وكل ولا شرب؟ الظاهر فعلا مجيته خربطتلك مخك، ياما قلتلك عيشي حياتك وانسيه وانتي مابتقدريش. – كفاية يا أمه بثينة، مطيقاش روحي، همليني لحالي. – حاضر، اسمعي اللي بقولك عليه، وجود البت اللي اسمها بتول دي مش صُح اهنه، امبارح كانت هتدخل عند شامل بالليل. جحظت راجية بعينيها قائلة:
– بتقولي إيه؟ على جثتي لو ده حُصل، قسمًا بالله لأطير رقبتهم لتنين. ابتسمت بثينة بسخرية. – طب امبارح ولحقتها، قال إيه كانت عايزة تشرب، قلتلها تنزل وأنا هبعتلها مايه، وبعدها قفلت الباب بالمفتاح؛ علشان هو كمان مينزلش حداها. بهت وجه راجية عنمعدلا تخيلت فقط أنه سيذهب لبتول، حاولت أن تبتسم كأن الأمر لا يهمها. – ينزل مينزلش مش هتفرق، طالما اللي بخطط له هيحصل، ويبقي يقابلني بعد لما يلمسها إن شافها تاني.
زفرت بثينة بحنق. – مش من قلبك يا راجية، هو انتي صُح بتكرهيه وعايزة تنتقمي منه ولا ده كله هيتنسي لما يقرب منك؟ نظرت أمامها بشر. – الله ياخده هو وهي ولا يلحق يتهنى بيها، ولا هيلمس شعراية مني، مش آني اللي هرضى براجل خاين، ديتها بس أخلص منه وأدور على حالي. تألمت بثينة على وضع راجية التي حتمًا لن ترضى بأي شخص. – حالك لا يسر عدو ولا حبيب، ياريتني كنت أمك، كنت عقلت أخوكي المنيل على عينه، العجيبة إخواتك لتنين طماعين بس انتي غيرهم.
رفعت راجية كتفيها بغرور. – طول عمري هفضل أحسن منهم، ده أنا راجية يا أمه بثينة، ولا نسيتي؟ هدفعهم تمن طمعهم فيَّ. ربتت بثينة على كتفيها. – وأنا معاكي وفي ضهرك ومش هسيبك، حتى لو قلتيلي سميهم، بس فكري بعقلك يا بنتي، وإوعي تمعدلي ربنا و إلا تروحي فيها. – أنا ماعدش عندي عقل غير لحيل الشيطان، منهم لله كلهم معدلروني، تعرفي أنا عايزة إيه؟ عايزة أقوم من نومي أولع فيهم كلهم وأهرب.
كان شامل يهاتف صديق، ويتنهد بقلة حيلة قائلًا له: – مش عارف يا باسل اللي عملته من أول ما جيت ده صح ولا غلط؟ أنا أصلا مش بطيقها، ازاي هتجوزها وأعرف عنها كل حاجة؟ رد عليه باسل بثبات: – اللي أعرفه إنها جميلة جدًا وأحلى من أختها التافهة وأحلى من بتول كمان، إيه شامل الزناتي هيستعصى عليه واحدة زي دي؟ هتخليني أغير رأيي فيك ولا إيه؟
زفر شامل بحنق: – أنا جاي هنا لمهمة محددة، إني أتجوز شام وأربي ابن أخويا وأشيل الحمل، وفضلت ألعب بأعصابهم من امبارح علشان شام ترفضني ولبست في راجية. قهقه باسل: – متهزرش، مش انت زمان قولت لي إنها عاجباك، بس علشان هي مرتبطة بالصعيد انت قرفان منها، يا ابني ده انت الضحكة نورت وشك لما عرفت إن أخوك اتجوز أختها، بس يا خسارة الحلو مايكملش.
تنهد شامل بضيق قائلًا: – تعرف إني ماعرفتش أنام امبارح، حتى الشوية اللي نمت فيهم، جاتلي في الحلم، العجيبة إنها كانت رقيقة بس زى ما قلت الحلو مايكملش. رد عليه باسل: – معلش أهي مهمة وانت بتقضيها، بس اعمل حسابك ماتخلفش منها، علشان دي مجرمة ولازم تتقمعدل للعدالة، كفاية عليك ابن أخوك، زائد إن وجود بتول هيمنعك. لوى شامل شفتيه بضيق: – أهي بتول دي في حد ذاتها مجيتها معايا مصيبة، دي كانت جيالي أوضتي امبارح، لولا الخدامة منعتها، ياريتها كانت معدلتها، يا عم أنا زهقت.
زم باسل شفتيه بلا اهتمام. – كل ده مش مهم، المهم توقع راجية في أقرب وقت، تتجوز ،تطلق، تهجر انت حر. (الفصل الرابع) يبدو أنه شخص غير معقول بالنسبة لها، ستظهر منه صفات وأفعال ستبهرها وستتخطى حدود عقلها، فهو شامل الزناتي، خلق للخوض في معاركها الباردة، يطلب منها أن تطمئن له، ثم يصيبها بوجع لا يمعدلها جسديًا، إنما سيمعدلها معنويًا ونفسيًا، سيجعلها تنعم بلطفه وعذوبة كلماته، تلك هي إصابته التي لا تخيب أبدًا.
هبطت إلى الطابق السفلي وجدته يجلس على طاولة الطعام ينتظرها، كمن ينتظرها بمطعم، لينهض مقبلًا يديها بكل لطف ويهتف بأعذب الكلمات قائلًا: – صباح النور والهنا لقلبك ولنبضه الجميل. قطبت جبينها لتحوله، فمنذ ساعة كان يتلون كالأفعى بينها وبين شقيقتها، وها هو الآن يشعرها أنها حبيبته، انتهى اندهاشها بإزاحة المقعد لها لتجلس، ابتسم لاندهاشها، عيون من بعيد تحرقه بنظراتها بسبب تلطفه مع راجية، وعيون أخرى تنظر إلى راجية متمنية لها السعادة الدائمة، ثم تنظر إلى شامل بقلق من هول خيانته المتوقعة، أما عيون شقيقتها فحزنها طغى على فرحها بحضوره بعد طول غيابه.
نظر إليها بتحدٍ. – أنا هروح أباشر أمور المكتب بنفسي، و انتي خليكي مرتاحة لحدد ما نحدد يوم الفرح، حتى بعد الفرح ماعدش فيه شغل، أنا اللي هشتغل وبس. – ماهتعرفش تمشي الأمور يا شامل، لازمن أكون موجودة معاك في البداية. امتدت يده لتلامس يدها بنعومة وخبث يكمن في عينيه. – خليني أجرب حظى يا ريجو، ما هي الدنيا حظوظ، زى جوازنا بالظبط، عارفة لو كمل للأخر، يبقى انتي اللي بيقولوا عليها قادرة.
– قادرة صُح، وأقدر عليك وعلى عشرة زيك. – أنا عارف وواثق من كده، بس ده مايمنعش إني بغير عليكي، زمان ماكنش في راجل، لكن دلوقتي فيه، لا وإيه الراجل ده هيبقى راجلك. شردت راجية في كلماته، لطالما انتظرت هذه الكلمات ولم تسمعها أبدًا، ليبتسم في نفسه من شرودها ويتضح له أنها وقعت في فخه، ليحاول أن يخرجها من شرودها. – راجية، يا ريجووو.
لتنتبه إليه وكم ودت أن تبقى في شرودها حتى يناديها مرة أخرى ب(ريجوو)، الاسم الذي تعشقه منذ الصغر لأنه كان مخصصًا منه. نهض ومد يده إليها قائلًا: – قومي نتمشى شوية في البلد قبل ما أروح المكتب، وحشني ألف البلد معاكي، ويا سلام لو نركب الأحصنة بتاعتنا، فاكرة يا ريجو لما كنتي بتتعمدي توقعي سرج الحصان؟ ضحكت بسخرية. – الكلام دا كان زمان، أيام ما كنا لسه صغار، منين بتغير عليَّ؟ ومنين عايز تركبني الحصان وتضيع هيبتي؟
تعالت ضحكات شامل. – هيبتك! انت مفكرة نفسك راجل، يا بنتي انتي ست، عارفة يعني إيه ست؟ ولا نقول معذورة ماجربتيش، عمومًا هانت.
كان يتحدث بهذه الكلمات وهي تفور من الغيظ، ساد الصمت بينهما لبعض الوقت، لتجده يقف أمامها شامخًا ويميل عليها يسحبها من كفيها لتسير خلفه كالطفلة التي يرشدها أحدهم إلى الطريق، قام بفك الخيل من الإسطبل، ثم هبط ليحملها بيد واحدة على ظهره ويضعها على الحصان ويصعد أمامها، تشبثت به ولم تعترض على قوانينه التي فرضها عليها، كأنها كانت تتمناها من ذي قبل، أسندت ذقنها على أحد كتفيه، كطفلة صغيرة كما تمناها، رغم جبروتها الذي اندلع من بين طيات لسانها في لحظة.
– مش خايف لتكون موافقتي لكل اللي بيحصل ده طُعم مني علشان أوقعك وأخلص منك؟ عاد الصمت من جديد، أبى شامل أن يرد عليها وانطلق بالحصان و طال االصمت، فقط يركز أمامه، من طول الصمت ظنت إنه لن يجيب أبدًا، بينما كانت سرعة حصانه قوية وغير هادئة، كاد قلبها أن يتوقف، لتظن أن هذا رده، إنها هي التي يجب أن تخشى منه ومن أفعاله، كان يود أن يلتفت لينظر إليها ويطعنها بنظراته ولكنه اكتفى برده في فعلته التي دبت الرعب فيها وأتبعه برده المفحم:
– مش أنا اللي أخاف يا راجية، أنا يتخاف مني وبس. ارتفع حاجبيها بمعدل، وكانت ردة فعلها أنها حاولت إسقاطه وفي محاولتها الشرسة سقطت هي، فتعالت ضحكاته وهو يدور حولها وهي على الأرض. – انتي ازاي جالك قلب تكسريني يا راجية؟ انتي اللي وقعتي مش أنا، ما يقع إلا الشاطر يا ريجو، ازاي هتتجوزيني وانتي بتكرهيني الكره ده؟ وضعت يدها على ركبتيها تتحدث بألم: – مش عارف ليه؟ هنضحك على بعض يا ابن الزناتي؟ ما انت خابر زين اللي بيناتنا، ده حقي، آه كان المفروض يكون لشام، بس هي عبيطة.
هبط من فوق حصانه، وضع يده على ركبتيها يدلكها بحنان ونظرات خبث متعالية على وجهه، ورغم ذلك تألم لحالها. – ليه يا راجية بتعملي في نفسك كده؟ يا حبييتي اهدي على نفسك، مش معقول كل ده علشان راجي الصغير؟! ليه مثلا مش بتقولي اللي في قلبك. كورت يدها من غيظها منه وطعنته في كتفه. – هو إيه اللي في قلبي؟ جاتك وجع في قلبك، كأنك اتجنيت، أنا في قلبي كره ليك، ومفيش حاجة هتداويه لا جواز ولا عيال يا مخبل.
وضع يده على كتفها وهبط بكفه إلى أن وصل إلى مستوى قلبها قائلًا: – هو انتي ماعندكيش قلب زينا يا راجية؟ أنا مثلًا عندي قلب وكبير كمان، حبيت واحدة و عمري ما حبيت قدها، انتي عمرك ما حبيتي؟ قولي. – آني طول عمري بحسب كافة شيء بعقلي، ماعنديش قلب يا ابن الزناتي، بس مين المحروقة اللي انتي حبيتها؟ أكيد بتول اللي كانت جايلك أوضتك امبارح بالليل.
– واضح إنك بتحسبيها بعقلك، ومعندكيش قلب، بس ليه غيرانة إنها بتول؟ عمومًا فعلًا أنا كنت مواعدها تجيلي امبارح، بس الست بتاعتك منعتها. كلامه عن غيرتها جعلها تبتسم بضيق. – معلش، المرة الجاية هقولها تهملها تدخلك، بس اعمل حسابك بعديها هجيب أهل البلد كلهم وهعملك فضيحة بجلاجل، وقابل يا عم شامل. ضحك هو من تهديدها ليميل عليها قائلًا: – لا معلش انتي هتجيبي الفضيحة لنفسك، لأن أهل البلد وخصوصًا النسوان وأولهم أختك وأمك، الكل هيقول إنك مش مالية عيني.