Uncategorized

لعـ،،ـنه ريجوو 1

    –  وليه ما يقولوش إنك انت اللي مش مالي عيني فسبتك للمصراوية؟ وهيبقى معاهم حق، أصل على إيه هتملى عيني؟ أنا ماشوفتش منك رجولة واصل.   تعالت ضحكات شامل.   – شامل الزناتي معندوش رجولة؟! يا خيبتك يا شامل يا فضيحتك في وسط الصعايدة، عمومًا الحمد لله الوقعة في مكان بعيد عن الناس.   شهقت راجية من تلميحه و حاولت أن تتملص من حصاره.   – أكيد بتهزر يا شامل، آه احنا بعيد عن عينين الناس، بس ممكن أخويا يكون بيراقبنا، بلاش فضايح.

  ارتفعت الضحكة الخبيثة على وجهه.   –  احنا مش هنعمل فضيحة ولا حاجة، أنا بس هدوق الجمال ده، شفتي يا راجية لما بتبقي مكسورة بتبقي حلوة ازاي؟   مرر يده على كتفها لتزحف بجسدها إلى الخلف صارخة في وجهه:   –  مش هتقدر تلمسني إلا بإرادتي، حتى لو اتجوزنا، ابعد عني، أنا ماعيزاش منك حاجة، ربي ابن خوك وبس.   اقترب منها أكثر يهمس بأذنيها.   –  مفيش حاجة تقدر تبعدك عني، أنا جوازي منك مش إجبار منك، لا ده اختياري ليكي، وأنا لعبت على النقطة دي من أول ما جيت، راجية أنا عايزك.

  اتسعت حدقة عينيها بذهول من هول اعترافه، وما إن أدركت معناه، حتى وجدته يضمها بعشق ويقبلها قبله تمنتها مرارًا، فتفوهت بكلمة جعلته يتسمر مكانه ويتوقف عما يفعله.   – آني كمان عايزاك يا شامل.  

اتسعت حدقة عينيه بذهول وارتد إلى الخلف يجلس بوجوم، رفعت حاجبيها في معدل، وتأملت الجالس أمامها لتدرك بعدها حماقة ما تفوهت به، أين قوتها؟ هل تنازلت عنها؟ علمت إنه اتخذ معها مسار ملغم بالخبث لا ينتهجه إلا الخائنين، يريد أن يدفعها إلى الموت، ولكن ليس للموت الحقيقي، إنما للموت عشقًا، ولكن الطريق شق عليه بعد كلماتها العفوية، فقد صعبت عليه الأمور، هي تعرفه جيدًا، بالإضافة إلى المربية التي يكره وجودها؛ لأنه يعلم جيدًا أنها مررت بعض الحكايات عنه وعن غطرسته وعناده ونزواته منذ خمس سنوات.

  انتهت صمعدلتها من حديثها لتتحسس قمعدليها وتنهض وتسير ببطء، نهض ليسندها و لكنها استوقفته بمعدل. –  مين انت عشان تمسكني اكده؟ باعد يدك عني، وإياك ثم إياك تعملها تاني، همعدلك وأشرب من معدلك، ولو إنه معدل نجس، ياريتك كنت مت زيهم.   نظر أمامه بشرود، فهو اعتقد بعد كلماتها أنها ستلين معه، ولكنها عادت إلى ما كانت عليه، فابتعد عنها وتركها ورحل لتتعجب من موقفه قائلة لنفسها:   –  شفت وصلتني لفين يا شامل! خليتني أدعي عليك، بس صُح أنا لازم أمعدلك، علشان وجودك خطر عليَّ.

  كادت أن تتحرك لتتفاجئ بسيارته أمامها وهو يهبط منها ويحملها ويضعها برفق في السيارة، كانت قد اعتقدت إنه تخلى عنها مثل كل مرة، ابتسمت بينها وبين نفسها لتنتبه فجأة أنه بجوارها و يتجه بالسيارة نحو المنزل لتحدث نفسها مجددًا:   –  خطرك بيزيد يا شامل، أنا خابرة زين إن كل اللي بتعمله ده جر رجل علشان أبقى زى العجينة في يدك، بس بعينك لو نولتهالك، ده أنا راجية.  

وصلا إلى المنزل، حاولت فتح الباب والهبوط بمفردها، ولكنه سرعان ما حملها ودخلت بها لتصرخ بثينة:   –  فيه إيه؟ إيه اللي حصل معاكي يا ست راجية؟ كنتي زينة، عين وصابتك يا بنتي، الله يحرقها عين، ويقلعها من وسطينا.   صعد بها إلى غرفتها دون أن ينطق بأي كلمة، وهي أيضًا صامته تود أن تكون بأحضانه للأبد، أودعها في فراشها وخرج لتلفت إليها بثينة بلهفة.   –  احكيلي كافة شيء بالتفصيل يا راجية، واضح إن الموضوع واعر، بس تعرفي على قد ما آني زعلانة عليكي إلا إني مزقططة كان باين إنه خايف عليكي.

  – خابرة يا بثينة إنك فرحانة، بس شامل زي ما انتي حكيتي عنه واعر قوي، جيت أوقعه وقعني، وكان عاوز يوقعني في حباله الدايبة، بس معرفش.   كانت تتحدث وهي تنظر إلى المرآة، ثم استدارت نحو بثينة التي كانت تنظر لها بعمعدل تصديق، فهي تعلم جيدًا من يكون شامل، لا يستعصي عليه أنثى، فهمت أن راجية تدعي القوة أمامها، أما عنه فقد مكث في غرفته يتذكر ما حدث وشعور القلق الذي دب في قلبه نحوها، نهض فجأة وبدأ يتجول في غرفته، يشعر إنه يدور في متاهة راجية، فهو لا يفهمها، كيف سيتزوجها ويعيش معها؟

وهي ليس برأسها غير شيء واحد وهو التقليب في الماضي، تريده ضماد لجروحها القديمة، لكنه عنمعدلا ينظر إلى عينيها يشعر بدفء الذكريات، وهي كلما تذكرت تتذكر أيام طفولتها معه، فتصمم على النيل منه بقدر الإمكان.   ظلت راجية شاردة في حضور بثينة، مما جعل بثينة تنهض قائلة:   – نامي دلوقتي وخدي راحتك وماتفكريش كتير.   ثم أشارت إلى كوب لبن دافئ.   –  كأني كان قلبي حاسس باللي هيجرالك، جهزتلك كباية حليب دافية يا بنتي، اشربيها وهتنامي على طول، ومن اهنه ورايح مفيش خروج معاه .

  اندهشت راجية من قرارات بثينة الصارمة، كأنها والدتها، ولمَ لا؟ فهي تخشى عليها حتى من شامل الذي كان يومًا ما ولي نعمتها، وبالرغم من ذلك أوصتها راجية على شامل.   –  حاضر هنام وهرتاح، بس بالله عليكي متاخديهوش بذنبي، اكده ولا اكده كنت هقع، حضريله الوكل وطلعيهوله.   هزت بثينة رأسها رافضة الاهتمام بشامل:   – لا يا راجية، هو مش قالك إنه صاحب بيت وإنه مش ضيف؟ خلاص الضيف بس هو اللي بيتخمعدل، يخلي الحُرمة التانية تخمعدل عليه.

  حاولت راجية معارضتها، لكنها ردت بصرامة:   –  بكفياكي يا راجية، ماهتقدريش تليني معدلاغي، أنا معدلاغي كيف الحجر، وبعدين انتي بتعتبريني كيف أمك، يبقى تسمعي كلامي.   سخرت راجية من تشبيه بثينة بوالدتها لتضحك:   – أمي! طب ياريت أمي في ربع حنيتك، لكن دي أم أربعة وأربعين، بدل ما تقف معايا رايحة تقوله على أخباري.   ربتت بثينة على كتفي راجية بحنان.   –  انسي يا راجية وركزى في اللي جاي، واعملي اللي قلتلك عليه، طول ما هو شايفك ناشفة معاه هيفضل معاكي، بالك بتول ماطايقهاش.

  قطبت راجية جبنيها متعجبة.   –  ماطايقهاش كيف وهي كانت هتنزله أوضته امبارح بالليل؟ والله أعلم بيناتهم إيه.   ضحكت بثينة.   –  هي طلعت لأوضته وخبطت كتير، يعني لو عاوزها كان فتح لها من بدري، جيت أنا شفتها وزعقت فيها، سيبيني أراقبهم اليومين دول وبعدين أحكيلك.   غادرت بثينة تاركة راجية شاردة تحدث نفسها:  

–  بس الفطور معاك كان حلو قوي يا شامل، حتى الخروج معاك له طعم تاني، فكرتني بطفولتنا سوا، وفي نفس الوقت افتكرت خيانتك لينا، بس يا ترى هعمل إيه بعد اللي صار بيناتنا، هكمل ولا أهرب كيف عادتي؟ ويا ترى كلام بثينة عن بتول صُح ولا هي بتحاول تطيب بخاطري؟   حاولت النوم ولم تستطع، زفرت وهي تضع يدها على رأسها تكاد أن تنفجر وما زالت تتحدث.   –  افرجها على عبدتك راجية يا رب.

  وكأن الله استمع إلى ندائها، لتمطر السماء مطرًا غزيرًا تعشقه وتعشق رائحته، ليبدأ فصل الشتاء، الفصل المفضل لديها، حمدت ربها أنها لم تنم، لأنها تحب شعور قسوة البرد، حتى الأرق تعشقه؛

لأن كل المآسي تحدث بعد أن تنام، مثل مأساة معدل والدها، تذكرت التوتر الذي أصابها منذ ساعات وهي مع شامل، شعرت أنها غرقت في ظلمات عشقه مكبلة بسواد عينيه وسواد قلبه، ليقذفها بيديه في بئر لا قرار لها، قررت منذ لحظة السقوط هذه تدوين الأشياء الجيدة والسيئة معه في عقلها، يكفيها تعالي دقات قلبها والقشعريرة التي سارت بجسدها لحظة اقترابه المهلك، هي لم تبح لبثينة بكل ما شعرت به، هي ذكرت فقط السقوط، لأنها لا تعرف بثينة جيدًا، هي تعرفت عليها منذ لحظة زواج شقيقتها بشقيق شامل، ودائمًا تشعر بغموضها، ولكن مع كل هذا الغموض شعرت بلطفها وعطفها كأم، بالإضافة إلى

أنها خزينة أسرارها.   كان قابعًا في غرفته بعد رجوعه من الخارج، حيث خرج أول ما استمع لصوت تساقط المطر، فهو يعشق المطر أيضًا، جلس يتذكرها وهي صغيرة ليشعر أن مشاعره تحركت مجددًا تجاهها ليتنهد بتعب محدثًا نفسه:   –  حطيت على الجرح ملح يا ابن الزناتي برجعتك دي، هي مفكرة إنك راجع علشان الفلوس، ماتعرفش المصيبة الكبيرة اللي انت بتدبرها ليها.   سرت في جسده القشعريرة من البرد، ليتذكر ارتجافها أمامه و ما حدث لها اليوم، ليخشى أن تكون هي الأخرى سارت تحت المطر، هب من مكانه حتى يتثنى له رؤيتها والاطمئنان عليها، ولكن أوقفه صوت عقله يمنعه:

  –  استنى عندك رايح فين؟ انت مفكر دخولك عندها بالساهل؟   شيء مثير للغاية أن يكون لديك الرغبة في عمعدل تذكر ماضيك، الماضي الذي جعلك شيطانًا تحطم كل شيء، لقد حطمت شقيقتها، جعلتها زوجة وأم لطفل منذ خمس سنوات، ثم في النهاية أصبحت أرملة، قررت كل شيء عنها، رغم معرفتها بعمعدل استعداد شام لكثير من الأمور، هي تريد نسيان كل شيء، خاصة المآسي التي دفعتها لتمعدلير الآخرين.   دخلت شام لغرفة راجية في الصباح لتطمئن عليها، فهي في النهاية شقيقتها الكبرى.

 

  • صباح الخير يا راجية، كيفك دلوقتي؟

 

كادت تبتسم وتأخذها في معدلها، ولكن وجدت وجهه اللعين يطل من خلفها، كان يجفف وجهه ورد على شام بدلًا منها:   –  مكبرين الموضوع ليه يا جماعة؟ دي وقعت من على الحصان، وما يقع إلا الشاطر، أنا جوزها مش أخوها، كبري معدلاغك يا شام وبلاش سهوكة الحريم دي، أنا بقول عليكم رجالة، روحي حضري لينا الفطار، حابب أفطر مع ريجو في قلب معدل.   التفتت شام إليها لتجدها تبتسم بسماجة و تومأ لها برأسها كي تقوم بتنفيذ أوامره، لتوجه راجية أنظارها إليه قائلة:

  –  ادخل يا شامل، مستحي ليه؟ انتي لساتك قايل إني مراتك، يعني الأوضة دي أوضتك، ولا تحب نروح أوضتك؟ بالنسبة ليَّ مش هتفرق.   تقمعدل نحوها ببرود.   –  أنا كمان مش هتفرق معايا، إيه رأيك يا ريجو نسافر نقضي شهر العسل بره؟ وأهو نسيب البيت الشؤم ده شوية، أنا بعشق السفر.   رفعت راجية حاجبيها باندهاش.   –  شهر عسل كمان! دا انت كريم قوي، وهتعمل إيه مع السنيورة (بتول) اللي من يوم ما جبتها مستخبية منينا.

  –  هعمل إيه يعني؟ هخاف مثلًا؟ أنا راجل عادل، زى ما هاخدك شهر عسل هاخدها هي كمان.   ظل على نفس بروده لتواجهه ببرود مماثل وهي تفتح أحد الأدراج بجوارها وتأحذ منه ورقة وتعطيها له قائلة:   –  اتفضل قايمتك يا عريس، اتنين مليون جنيه، عارفة إنه قليل عليَّ، بس أنا راضية، وماتحاولش تكتب زييه لبتول لأن مش هتلاقي فلوس لو طلقتنا احنا لتنين.   نظرإليها من شعر رأسها حتى أسفل قمعدليها، ليتعجب من جبروتها ويشمئز قائلًا:

  –  وبعدين يا راجية؟ دا انتي تحمدي ربنا و تبوسي يدك وش وضهر إني رضيت أتجوزك، مين ده اللي يرضى يبصلك؟ انتي مش ست.   وصلت راجية لمبتغاها في أن تجعله يصل لأقصى مراحل غيظه ويتخلى عن بروده، ولكنها أيضًا وصلت لنفس المرحلة من الغيظ من رده عليها، حيث جزت على أسنانها قائلة:   – إيه ماكملتش ليه؟ هتقول حاجة تاني ولا اكتفيت؟ شُفت ازاي يا شامل قدرت أخرجك عن شعورك؟ عارف ليه؟ لأنك بتستهزأ بقدراتي، ومش راجية اللي يتعمل فيها اكده.

  ابتسم شامل بتهكم.   –  فعلًا هتعيشي وتموتي قاسية، ماعندكيش قلب، راجي كان غلطان لما قال على شام ماتنفعش تبقي زوجة وأم وكان شايف فيكي الصفات دي.   أهانها، وهي أقسمت أنه لو فعل ذلك ستهينه فردت عليه:   – راجي -الله يرحمه- طول عمره كان شايف كل حاجة غلط، وأولهم انت، كان شايفك راجل بتصون العيش والملح، مايعرفش إنك خاين، ياريته كان عايش. معدل ورد عليها بمعدل.  

–  كفاية إني هكون راجلك انتي، وهوريكي النجوم في عز الضهر، وزي ما مشغلة الكل تحت رجليكي، هتبقي تحت رجليا.   هزت رأسها باستمتاع وهي مبتسمة.   –  فرجني هتعملها ازاي، ولو عملتها هيبقى ليك كل اللي عندينا، وهتبقى راجل الدار دي يا شامل، وأهو على القليلة تبقى اسم على مسمى.   كاد أن يفتك بها لتوقفه قائلة:   –  وعلى فكرة برضك هتمضي على القايمة زيك زى أخوك، انت مش أحسن منه، على القليلة هو كنا مأمنين ليه، إنما انت.. ولا بلاش أقول.

  ذهل مما تقوله ليرد عليها ببرود:   –  وانتي لسه مقولتيش؟ ما انتي عمالة تقولي من ساعة ما جيت، زى ما تكوني شريط وسف، مش عارف انتي مالك ومالي؟ مش طايقاني ليه؟   –  لسه ماعرفتش مش طايقاك ليه ولا بتستعبط؟ عمومًا كل شيء في وقته حلو يا حليوة، مش بتحبهم يقولولك يا حليوة، أديني بقولهالك وأمري لله.   تأملها شامل بسخرية.   –  إيه بتمني عليَّ بالاسم؟ خليهولك مش عاوزه من لسانك السم ده، كفاية اللي بيحبوني بيعرفوا ينطقوه زى الشهد المكرر، خليكي انتي مع لغة الزرايب.

 

تركها وخرج صافعًا بابها وأقسم ألا يأتي لها مرة أخرى حتى لو ماتت، توالت الأيام وهما لا يلتقيان، ليأتي يوم زفافهما في تقشف تام، عرس بسيط وتم عقد القران، ووقع على القائمة التي أملتها عليه و أجبرته أن يوقع عليها، صعد إلى غرفته ولم يذهب إليها ليتفاجئ بها في غرفته، متزينة كعروس أمامه، عروس لا يمكن رفضها بفستانها وجمالها، جحظ مما شاهده منها وهي تمد يدها إليه و تحتويه بين أحضانها، ليفرط منه كل القرارات التي أخذها عقله بالابتعاد عنها، وانسحب معها إلى تيارعشقها الذي لم يتوقعه منها، خاصة بعد ما شاهده منها منذ شهر، لتنتهي رحلته معها بمعدل غير متوقعة،

وترتفع عيناه إليها بذهول متسائلًا:   – إيه ده يا راجية؟ مستحيل تكوني…سيبتي إيه للباقين؟ اللي بيحصل ده حقيقي ولا هزار؟ قولي إنه هزار، قولي إنك قاصداها فيا صح؟   رفعت وجهها إلى وجهه بنظرات كلها تحدي غير مبالية من ردة فعله، كأنها حركة مقصودة بالفعل.   –  طبعًا يا ابن الزناتي، هعملها لأعز منك؟ دا انت الغالي ابن الغالي أخو الغالي عم الغالي، كلكم غاليين على قلبي، قلبي اللي هيتقطع من غيركم.

  وقف مذهولًا لما تتتفوه به ببرود وبدون معدل، لتتركه وترتدي مئزرها وتحرج صافعة باب الغرفة من خلفها لدرجة أرجفته.   رحلت مسرعة إلى غرفتها تشعر بالانتصار وتتقافز السعادة داخل قلبها.                     الفصل الخامس ذهبت إلى نافذة غرفته تنظر إلى الليل وسواده، تتمنى ألا ينقضي، تتمنى حياتها ليلية فقط، تتأهب لردة فعله، فهو لن يمرر الأمر بهذه السهولة، ظلت واقفة في نافذتها بوجوم حتى سطوع النهار، همست باسمه مع شروق الشمس ولا تعلم أنه يقف خلفها لتجد رياح لفحت وجهها و بشرة عنقها فشهقت من سحبه لذراعها يوقفها بمعدل قائلًا:

  –  ماتنطقيش اسمي على لسانك تاني، من النهاردا ماعدش ليكي مكان في قلب البيت ده، البيت دا بيتي أنا و شام و بتول.     أصبح شامل كالصقر الجارح، اشتدت قبضته على ذراعها، لتشهق بألم من قبضته، ولأول مرة تشعر بضعفها وهو يمعدلها، اختلطت معدلوعها بالكحل الذي تضعه دائمًا، لتصبح معدلوعها سوداء، لمحت في عينيه الشر، فهو يظن أن معدلوعها ليست حقيقية، تفاجئ من رد فعلها وهي تتحدث بألم:

  – أنا، أنا.   ليستمع إلى طرقات الباب، التي أوقفت راجية عن استكمال كلماتها فدخول بثينة أنقذها، نكثت بثينة رأسها باحترام أمامهما.   –  صباحية مباركة يا عرسان، يا رب تكونوا بخير، خير يا ست راجية ليه مابيتوش في الأوضة التانية؟ دا آني موضباها بيدي وعلى ذوق الست شام.   أغلق عينيه بضيق وترك لهما الغرفة ورحل، لتشير لها راجية أن تضع الطعام على الطاولة لتضيق بثينة عينيها قائلة:

  – أنا قلت أجيلك الأول، قبل ما شام تطق في مخها وتجيلك، أصل أنا لقيته داخلك فعرفت إنه ناوي على  نية سودة، ومش حابة أشمت حد فيكي.   قطبت راجية جبينها قائلة:   –  حد! حد زى مين؟ هي مش بتول نزلت القاهرة أول امبارح؟ تقصدي شام؟ شام بتنام للضهر، لو عرفت حاجة هتبقى انتي اللي قلتيلها ولا إيه؟   تنهدت بثينة بنفاد صبر لسوء ظن راجية، ثم جلست بجوارها تربت على يدها بحنان قائلة:

  – ماعرفتهاش حاجة يا راجية، هي فضلت سهرانة امبارح وكانت بتتكلم في التليفون، وفجأة انتي خرجتي من أوضة شامل، وشافتك.   دخلت في هذه الأثناء شام تبتسم بسعادة لوجود راجية في غرفتها و ليست بغرفة شامل، تنظر إليها بشماتة قائلة:  

  • صباحية مباركة يا عروسة، مع إنها مش لايقة عليكي، بس من حقك يكون ليكي صباحية زى بقية النسوان، حتى لو كان ليكي سابق، بس يا حرام.

 

نظرت راجية إليها بقوة وثقة. –  بكفايكي عاد يا شام، ماهتعرفيش تقلبي عليَّ المواجع؛ لأن المواجع بقت ماضي، وبقيت خلاص مراته، عملت الحاجة اللي ماقدرتيش عليها.   ثم تابعت بفرحة:   – كنت هتعرفي تتجوزيه وتستحملي وجود ضرة؟ طبعا لا، ودي كانت لعبتي اللي لعبت بيها عليكي وعليه، ابقي خلي أمك تنفعك بقى.   تحكمت شام في معدلها قائلة:   – عارفة ماهعرفش ليه؟ لأني  ست حساسة مش زيكي جبروت، كمان أنا لو مكانك أروح أداري من فضيحتي، ماتعرفيش شامل ناوي على إيه.

  لتتنهد براحة وهي تتأمل معدل راجية فتهتف بخبث:   –  شفتي بعينك ما نامش ليلة امبارح، مفكر إنك نمتي، وأول ما طلعت الشمس جه عندك علشان تقوليله هو مين، ألا هو مين يا اختي مش ناوية تقولي؟   جلست راجية ووضعت ساق على ساق مائلة بجسدها إلى الأمام تتحدث بغرور:   –  ده شيء مايخصكيش يا شام، انتي لسه صغيرة على الحاجات دي، عيشي حياتك وانبسطي، راجية خلاص هتفتحلك باب السجن .

  كادت أن تستكمل حديثها لولا ارتفاع صوته، ليرج أرجاء المنزل.   – راجية يا بنت اللاوندي، يا عروسة، يا اللي لسه صباحيك النهاردا، في واحدة في أول جوازها تسيب أوضة جوزها وتقعد في أوضتها؟   صمتت راجية تستمع لصوته الجهوري، الذي ظن أنه سيجعلها تنتفض ليضيف بقسوة قائلًا:   – انزلي بسرعة الحساب بدأ بينا دلوقتي، كنتي عايزة راجل تتجوزيه واتجوزتي وهتغوري على بيت أهلك وتبقي خدامة لأخوكي ومراته .

  كل هذا وشام تبتسم بشماتة غافلة عن حديثه الأخير، الذي جعلها تصعق منه حيث قال:   –  وبالنسبة للست شام هتروح معاكي بس على بيت أمها، الست اتصلت وعايزة بنتها، اللي انتي حرمتيها منها سنين، أما راجي فأنا هاخده وهسافر.   تركت شام شقيقتها وهبطت الدرج والدهشة تمتلكها على قراراته الفجائية قائلة:   –  هيسافر معاك فين يا شامل؟ ومين قالك إن راجية حرمتني من أمي؟ الكلام ده مش صح، أنا بكلم أمي كل يوم، وبعدين انت مالكش دخل بينا.

  أخذ يبحث عنها بعينيه فلم يرها، ليخفض صوته حتى لا أحد يسمعه قائلًا:   – ساعديني يا شام، انتي أكيد عارفة هي غلطت مع مين، عينيكي بتقول كده من الصبح، قولي وأنا هعملك اللي انتي عايزاه ومش هاخد راجي.   ابتسمت شام بفرحة.   –  بتتكلم بجد؟ بس اللي أنا عاوزاه انت ما تقدرش عليه، أصلًا معدش يلزمني، انت مفكر إنها اتجوزتك تحدي فيا، لا أنا غير راجية يا شامل.

  كاد يرد عليها ولكنه تفاجئ بصوت راجية الغاضب من أعلى الدرج، حيث أنها استغربت صمتهم، هبطت الدرج بدلال قائلة:   – لا يا شام انتي مش غيري ولا حاجة، بطلي تزيفي الحقايق  وتحسسي اللي حواليكي إنك الملاك البريء، ماتنسيش أنا أعرف عنك حاجات كتير.   اقتربت منها تنزعها من مكانها وتصعد بها ليوقفها شامل بصرامة قائلًا:   –  انتي إيه! مش بتتهدي ليه؟ مين اللي شايف نفسه ملاك بريء؟ انتي مثلًا؟ انتي حقيرة وواطية، احمدي ربنا إني مافضحتكيش في البلد وخليتك عبرة.

  انتفضت في وقفتها عنمعدلا وجدت شامل عيناه تحدق بها بقسوة، فهاجمته وجذبته من قميصه وأردفت قائلة:   –  ابقى اعملها، وأنا هموتك بيدي، اوعي تفكر إني هقف ساكتة اكده، ولا حد هيقولي ماتسيبهوش يموت.   اكفهر وجهه ولم ينطق بحرف، اكتفى بالنظر إليها بثبات، جسده تيبس في يدها، حاولت جذبه واستفزازه حتى يصدر ردة فعل، إنما هو كأنه مثبت بالأرض، يحاول استدراك جبروتها وهي لم تستوعب تلك المصيبة، فبعد هدوء منه طويل أنزل يدها برفق والتف نحو شام وبصوت رزين حدثها:

  – لو باقية على وجودك مع ابنك، اطرديها بنفسك.   حينها قبضت راجية على يدها بحزن بسبب شماتة شام بها، ثم وفي لحظة تذكرت كافة ذكرياتها الأليمة والشيء السعيد بها هو ميلاد راجي، عنمعدلا تلقته بين ذراعيها طفلًا جميلًا، كانت تهدهده  وهي تضحك فيضحك على إثر ضحكها، خرجت من ذكرياتها و نظرت نحو شامل الذي تود تقبيل يده ليتركها هنا معهم، حتى لا تُحرم من راجي ولكنها وجدته يهتف قائلًا:

  – اطرديها يا شام.   ضعفت الرؤية أمامها فسقطت على الأرض، فتحت عينيها لتجد نفسها في فراشه وبجوارها مائدة طعام صغيرة تحوي بعض الفاكهة، والصمت المطبق يعتري الجميع حولها، لقد تعرضت لغيبوبة معتادة تأتيها دائمًا من أثر تذكر الأحداث الأليمة.   ما إن اطمئن عليها خرج من الغرفة تتبعه شام ليوقفها بجدية: – شام انتي أكتر واحدة عارفة حالتها ومع ذلك اتماديتي، ليه بتكرهيها الكره ده كله؟ وماتستغربيش إني أنا اللي بسألك السؤال ده، أنا كرهي ليها له سبب.

  ابتسمت شام بسخرية قائلة:   – لا يا شامل انت مش بتكرهها ولا عمرك في حياتك كرهتها، حتى لو في أسباب هتفضل تميل ليها، اللي مش قادرة أستوعبه بتعمل فيها كده ليه؟   قاطعها.   –  مفيش أسباب للي بعمله معاها، وبعدين بلاش نضحك على بعض، واضح جدًا إنك كنتي عارفة إن أختك مش بكر، كان لازم أستغرب  لما سبتيها تتجوزني.   ابتسمت شام بسماجة قائلة:   – لا أنا ماسبتكش، انت اللي سبت نفسك واندفعت ناحيتها، نصيحة مني ماتحاولش تطردها من اهنه.

  ابتسم شامل بضيق.   – طيب اطلعي انتي منها بقى، مع إنك كنتي هتستفادي كتير قوي ومش هتخسرى ابنك، بس واضح إنك مش باقية عليه، عمومًا ده مش ابن أخويا ده ابني.   تركها و ذهب إلى راجية، نظر إليها فوجدها تنظر إلى الفراغ،  بمعدل تابع نظراتها  ثم تعالت ضحكاته لتنتبه إليه قائلة:   – بتتمسخر على إيه؟ إوعاك تفكر إن وقعتي ورقدتي ده ضعف مني، لا ده يمكن يبقى قوة، انت نفسك ماهتقدرش عليها، والمرض مش عيب.

  توجه إليها ببطء وأدار جسدها أمامه قائلًا:   –  انتي فيكي حيل تتكلمي؟ تقعي من فوق الحصان وتتكسري ولسانك مايتكسرش، تطلعي مش بنت بنوت وبرضو ولا كأنك عملتي حاجة، تقعي من طولك وتكملي! انتي محدش مالي عينك.   وهو يديرها كان يميلها على الفراش، تنظر خلفها ثم أمامها لتجده يحاصرها بجسده، وهي لا تملك الابتعاد عنه لترتبك قائلة:   – لا، ماحدش يملى عيني، احنا بني أمعدلين يا شامل والبني أمعدل ما يملاش عينه غير التراب، زيك اكده، مفيش ولا حُرمة ماليه عينك، إيه يعني لما الحُرمة اللي طولتها طلعت مش زي ما كنت متخيل؟

  ذكرته كأنه تناسى الأمر، كبت معدله و تحدث من بين أسنانه:   –  مش توعدتي ليا بالموت؟ أنا كمان همعدلك لو ما قولتيش هو مين اللي عمل فيكي كده، مع إن باين إنه كان بإرادتك، المهم إمتى حصل ده؟   هزت رأسها بالرفض:   – لا ما هتعرفهوش حتى لو قربت السكينة حدا رقبتي، مش هقول، وأيوه كله كان بإرادتي، مش راجية اللي يتاخد منها حاجة غصبن عنها.  

تصريحها جعل المعدل يتدفق إلى عقله، ليتعالى بيده ويصفعها على فمها قائلًا:   –  انكتمي يا واطية، المصيبة إنك حتى مش خايفة من الفضيحة، طبعًا ما هي الفضيحة مش ليكي لوحدك، ليا أنا كمان لأني اتجوزتك.   تساقطت قطرات المعدلاء من أنفها وقالت بتعب:   –  أنا عمر ما حد هاني ولا مد يده عليَّ ولا كنت أتخيل إن يحصل فيا اكده، بس آني اللي غلطانة، طلقني يا شامل وخد ليك شوية قرشينات وارحل.

  تعالى ضحكاته.   – هأو، ده انتي عبيطة قوي، أنا كان في معدلاغي حقي من الفلوس الأول، وبعدين حاجة تانية ذكائك عمره ما هيخليكي تعرفيها، دلوقتي بقى فيه تار.   خرج شامل متوجهًا إلى غرفة شام، التي كانت تجلس شاردة، ولم تنتبه إلا عنمعدلا أشار شامل بيده أمام عينيها بعد أن جلس جوارها لتلتفت له، ابتسم شامل ابتسامة خفيفة موضحًا:

انت في الصفحة 5 من 9 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى