تنهد شامل وانتفض يحتضن راجي الصغير. – قلبي مش بيبقى عايز يزعلها يا راجي، بس هي عاملة زى العيال الصغيرة مش بتسمع كلامي هي كمان، مش أنا المفروض كبير العيلة؟ أثناء احتضانه كانت تقف راجية في النافذة حيث شعرت به عنمعدلا نهض من جوارها، رآها راجي الصغير وما إن رآها حتى خرج من أحضان شامل وقبل يديه قائلًا: – تصبح على خير يا عمي، أنا هروح أنعس، لو فضلت سهران كتير اكده مش هصحى إلا العصر وأنا حابب ما أفوتش فرضي، صحيح يا عمي صلي الفجر قبل ما تنام.
ركض الصبي نحو الداخل ليتعجب شامل من موقفه، ثم فوجئ بها تقف خلف النافذة تبتسم له ليتأكد أن الصبي ملكًا لها من نظرة عين واحدة منها خلد إلى النوم ، يظن أنها كما لو كانت الساحرة الشريرة ولمَ لا؟ فهو في كل موقف خاص بينهما يبدأ بالمعدل وينتهي مثل ما تحب هي، صعد إليها ليجدها تبتسم له وتتحدث برقة بالغة. – الصبح قرب يشقشق، بحب ريحة الصبح قوى يا شامل، هقعد لغاية ما الشمس تشرق، أصلك من ساعة ما قمت من جاري وأنا خلاص النوم راح.
– الصباح ده حق للناس الطاهرة اللي عايشه حياتها بضمير وقلب نقي، لكن اللي زيي وزيك ماينفعش يا راجية، احنا لازم نتغير لو عايزين نعيش الحياة صح. – لا يا شامل مش هينفع نتغير، أنا مابقتش راجية بتاعة زمان، الناس كلها بقت بتستغربني حتى راجي الصغير، ساعة يشوفوني قوية وساعات ضعيفة متهانة منك. نظر إليها بحنان. – أنا عمري ما كنت ناوي أعاملك المعاملة دي، بس انتي اللي ابتديتي، من ساعة اللي حصل عمال أديكي فرص يمكن تيجي وتحني وتتكلمي.
ثم استطرد مصممًا: – راجيه أنا لازم أعرف هو مين، ماتخافيش من أي تهديد قلته، بس على الأقل أهدي النار اللي جوايا، طب قوليلي لو أعرفه، لو ما أعرفوش بلاش. نظر إليها جيدًا ليشعر أنها ستنهار وستبوح بكل شيء ليضغط أكثر عليها قائلًا: – أنا شايف انك خايفة عليَّ، أنا مش عيل، ما تخافيش يا راجية، والله هعمل نفسي ولا كأن حاجة حصلت، بس أعرف جايز استغل اسم عيلتك.
رد عليه بضعف: -ما ينفعش يا شامل أنا مش هقدر أقولك هو مين، خصوصًا انك عارفه كويس، بس صدقني أنا مش هفضل كاتمة كتير السر جواتي مسيري هقوله. كان يتابع حديثها وهو يتمزق من داخله كرجل خاض لعبة لكي يتخلص منها وها هو الآن يحترق بنارها. – احنا هنكمل مع بعض يا راجيه مهما إن كانت دوافعي وأنا جايلك برجلي البلد ومهما إن كانت دوافعك هنكمل حتى لو قلتي هو مين أنا بعشقك.
أغلقت عينيها تستمع إلى أخر كلمة من حديثه وتردد هامسة: – سنين طويلة وأنا مستنيه الكلمة دي يا ابن الزناتي، وانت بتقولها لميت ست قبلي وأنا لا، كنت فين من زمان؟ كان لازم تجرب القسوة؟ لتحتضنه فجأة وهي تدور به في جميع أركان الغرفة كفتاة عشرينية مراهقة. – أنا كمان هتنازل عن كل ألاعيبي ضدك وهبقى من يدك دي ليدك دي، بس اوعدني انك هتكون ليا وحدي ومفيش أي حرمة غيري تدخل قلبك.
لتستطرد وهي تهمس في أذنه. – هكون خدامة تحت رجليك يا حبيبي ويا تاج راسي، وهعملك تنازل بكل البضاعة اللي في المخازن، حابب تكمل كمل، مش حابب براحتك. رفع رأسها من على أكتافه وضم وجنتيها براحة يده يبتسم إليها بعشق. – كده تبقي حققتي ليا نص أحلامي، لسه النص التاني، وهو إني أعرف هو مين وتبقى حياتنا زى أي اتنين طبيعيين، صدقيني يا راجية أنا مش بكدب عليكي.
(في الصعيد) أطلق رامز صراخًا مستعرًا، شق الشجرة التي خلفه وكان مقيدًا بها، حيث قام بسيوني باختطافه بعد ما علم عن ذهابه إلى شام من جديد، كان يريد شق رأسه ولكنه اكتفى بالكرباج اللعين الذي يمعدل به المواشي. – الظاهر عايز تكون نهايتك على يدي، وهسلمك للقبر جاهز. كان بسيوني يهتف بشراسة وأنفاسه تحاصر رامز، ورامز يصرخ من الوجع ليرفصه بسيوني في بطنه يكاد يُخرج أحشائه، ثم ابتعد عنه لتهدأ أنفاسه وهو يراقب عيناه الحمراوتان، ومع كل هذا الضعف رد عليه رامز بكل معدل:
– لو قدرت تهزمني مش هتقدر تهزم شامل، بلاش مكابرة يا بسيوني، لو عملت في شامل كيف ما بتعمل معاي هتضيعوا كلكم. على الجانب الأخر شام بغرفتها تسترجع أحداث اليوم الذي قابلت فيه رامز لتشعر أنه السبب الرئيسي في وجودها هنا، لتحدث نفسها قائلة: – آني كنت فاكرة إن اللي بيحصلي ده ومجيتي اهنه بسبب بسيوني ومعدلي منه لما جبرني أجي أفرق بيناتهم، بس لا، ده من حبي الزايد لرامز ومجيته ليا والعواقب اللي هتحصل بعديها، عرفت إني عمري ما هبقى زينة طول ما أنا هناك لوحدي، لأن أمي لا بترحم ولا عايزة رحمة ربنا تنزل.
الحكاية بدأت قبل سنوات عنمعدلا اكتشفت خيانة والدتها لوالدها، سنوات تعاني تأثير هذا المشهد لتظن أن شقيقتها بنفس الحالة التي رأت عليها والدتها لتتذكر كلمات راجية في يوم ما. – أني ما اخترتش أكون جبانة وبخاف من كل حاجة، بس في حد عقدني في الرجالة والحب والجواز. (على الجانب الأخر وعودة إلى غرفة راجية وشامل) – إيه رأيك بعد بكرة نرجع الصعيد، سامع كده خير الله ما اجعله خير إن بسيوني مبرطع غير إنه حابس واد اسمه رامز فحابب أروح أشوف حكايته إيه.
ابتسمت بتوتر فهي تعلم من رامز وهي من أخبرت بسيوني أنه عاد يحادث شام. – انت نسيت إن في صفقة هتم قريب ليك مع سامح؟ ازاي هنعاود البلد ولسه الشغل ما خلصش وبعدين أنا خدت على المكان اهنه. عقد شامل ما بين حاجبيه. – الحمد لله انك فكرتيني مع إن الموضوع كان لسه طازة من امبارح، بس غريبة قوي مش عايزة ترجعي والجو هنا عاجبك رغم إن فيه بتول.
تنهدت بعمق ليستنتج أنها تخفي شيئًا ليردف وهو يحاول كتم معدله: – تعالي معايا، اقعدي هنا، يا راجيه احنا لسه متفقين نبدأ صفحة جديدة، بس ازاي وانتي لسه بتخبي، و ترجعي تقولي إني خاين، قولي اللي في معدلاغك. شهقت راجيه بدهشة من ذكائه ولكنها ما زالت تحاوره. – بصراحة اكده اتعودت على خلجات البندر، وانت رايدني أتغير علشان أليق بيك، ولو عاودت الصعيد هبقى مسخرة للصعايدة، فخلينا اهنه.
أنهضها شامل وهو يضمها إليه. – هدوم إيه بس اللي عاملاها حجتك يا راجية، ومحدش يقدر يتكلم على مرات شامل الزناتي، أنا كنت شقيته زى ما بسيوني عايز يشق رامز. ثم استطرد وهو ينظر إلى عينيها بعمق ليكتشف ما يجول بهما. – اختارى حاجة من الاتنين يا اما ترجعي معايا الصعيد ونشوف حكاية رامز سوا، يا إما أخد شام يمكن تكون عارفاه، أو أروح لوحدي ويا قاتل يا مقتول.
وضعت راجية يدها في خصرها وأردفت بغيظ: – هنروح سوا يا شامل، هنروح ومش هنقول لشام علشان ده موضوع كبير. – أيًا كان الموضوع كبير ولا صغير أنا لازم أعرفه، أنا مش شخشيخة في عيلتكم دي، انتي وشام تبع عيلة الزناتي مش اللاوندي واللي بيتم بيتم في مزرعتي. أثارت فضوله قائلة: – موافقة بس عندي شرط، نطلع من اهنه ونعاود بالليل بعد ما أفهمك إيه الحكاية، بس نقول ليها إننا في مشوار تبع شغلك.
ابتسم بخبث وقبلها. – طب البسي الخلجات اللي بتقولي عليها بتاعة الصعيد، لأحسن تبقي مسخرة زى ما بتقولي، وماتبقيش تلفي وتدوري عليا مرة تانية، ده أنا بابا شامل. كادت أن ترد عليه وتبرر ولكنه قاطعها: – خلصنا مش كل مرة هتكدبي وأنا أفهم وأحاورك و ترجعي تبرري بطلي تمعدليني منك أكتر. كان شك شامل ينصب على أن رامز هو الرجل الأول بحياة راجية، ارتدت ملابسها سريعًا ليعدل لها بعضها قائلًا:
– كده انتي مدام شامل الزناتي، مش راجية اللاوندي، حتى لما نروح هناك هتتعاملي قدام الكل على هذا الأساس وحذاري تخالفي أوامري. في منتصف الطريق كان يريد معرفة من هو رامز ليستدرجها بحنان عنمعدلا وقفوا في الاستراحة و دعاها لتناول الفطار. – افطرى واشربي الشاي باللبن اللي بتحبيه واحكيلي مين هو رامز وليه خايفة عليه؟ أو بلاش أقولك كده لا تزعلي، ليه مش عايزة شام تعرف؟
أخفضت رأسها. – أنا مش خايفه عليه زى ما انت فاهم أو شاكك إن هو، مش هو يا شامل اطمن. جذبها من ذراعها. – كل كلمة هتطلعيها هتتحاسبي عليها، سيبك من شكي وسيبك من اللي قصدي عليه، جاوبي على النص التاني من السؤال ليه خايفة لا شام تعرف. كادت أن تعترض. – بس انت شاكك انه هو، على العموم ده واحد كانت بتحبه شام وما تستغربش هي كانت ساعات تحبك و ساعات تحبه، مراهقة بقى وعيلة.
اقترب منها ليقترب رأسه من رأسها يكاد أن ينطحها مثل الثور الهائج. – مفيش حاجه اسمها عيلة، ما انتي مش عيلة ومع ذلك غلطتي، على الأقل هي ما غلطتش ولا تكون غلطت ومخبين عليَّ وراجي مش ابن أخويا. لتجد نفسها دون شعور تصرخ. – لا، راجي ابن عيلة الزناتي يا شامل مش هسمح ليك تشكك في نسبه هو كمان، بقولك رامز كانت بتحبه واحنا مانعناه عنيها علشان ماتضيعش.
صفق بسخرية. – برافو يعني كلكم على الغلبانة ومنعتوها تتجوز اللي بتحبه وجوزتوها لواحد أكبر منها واترملت على يد أخوكي، ولما رجع يعوضها عايزين تمعدلوه؟ كان يقاوم نفسه يود أن يمعدلها، ويبطل أفعالها المهينة، ينتهي به الحال وقد فشل بالمحاولة في تغييرها، وكره النهوض معها في لأي مكان، وبات لا يرى إلا سقوطها أمامه، بعد معدله منها على كل أفعالها الواحدة تلو الأخرى، وإفشال كل محاولتها الجديدة.
(على الجانب الأخر عند باسل والطبيب النجدي والد بتول) – أنا حاولت معاها كتير يا باسل وفشلت إني أحجم مشاعرها. ليقاطعه باسل ويوقفه عن لوم نفسه وعن إيلام روحه، وعن معاقبة نفسه على انجراف ابنته في مشاعرها. – تفتكر يا عمي إن الحب في قلوبنا؟ الحب مرض وهي بقى حبها له مرضي. بالفعل علمت من شام أنهم خرجا منذ الصباح الباكر، فلم تستطع السيطرة على نفسها وهاتفته مرارا وتكرارا بدون رد، حيث أن هاتفه كان بالسيارة لينهي إفطاره ويذهب إلى سيارته ليجد اتصالاتها، فهاتفها هو.
– أخيرا رديت يا شامل، كل ده نوم، لا استني ده صوت طريق، شامل انت فين بالظبط، ولوحدك ولا حد معاك؟ ما احنا بعيد عن بعض بقى. رد عليها بكل راحة. – صباح الخير يا بتول، معلش اضطريت أروح الصعيد أنا وراجيه عندنا حاجه مهمة، آه ابقي بلغي شام إننا مسافرين، نسينا نقول ليها قبل ما نمشي. نظرت إليه راجية بحب وهو يظهر لبتول أنه على علم من أين تأتي بالمعلومات.
– أنا هبلغ شام بمناسبة إيه؟ دي مجرد واحده جت زارتني علشان أفرق بينك وبين أختها، أنا أكرمتها بس علشانك غير كده ملهاش عندي حاجة. رد عليها بلطف مصطنع. – خلاص متزعليش وتاخدي الموضوع على صدرك، أنا هكلمها بنفسي، ما هي أخت مراتي برضه ولازم ترتاح، وكمان أم ابن أخويا، هما بس اللي في حياتي لازم يعرفوا رايح فين وجاي منين. استمعت إلى كلماتها بمعدل.
– للدرجة دي؟ طب ليه؟ هما هينعوك في إيه؟ لا هي ولا مراتك يعرفوا في شغلك، يعني شغلك هيضيع، انت نسيت اتفاقك مع بابا وباسل، شامل راجية دي مجرمة. نظر إلى راجية بحنان وهو يردف بكل جدية. – كل حاجه اتغيرت من يوم ما اتجوزت راجيه، كان لازم أقولك كده من الأول، بس مكنش ينفع، بتول انتي استحالة هتقدري تكوني زوجة تانيه. ثم استطرد بهدوء: – علشان كده بقول نأجل فكرة جوازنا لقدام شويه، على بال ما أخلص كل اللي ورايا، أنا ورايا التزامات من ناحية عيلتي، ورايا حقايق لازم أكشفها.
قاطعته بتول معترضة. – الأهم من الحقايق حقيقة انت بطلت تعترف بيها، انك متجوز واحدة مجرمة وأنا سمحت ليك بكده علشان توقعها وتتسجن و دي قضية عمري. فجأة وجد راجية تهبط من السيارة متوجهة على الطريق راحلة من أمامه، ليركض خلفها يوقفها لتلتفت إليه. – خلاص يا شامل، صوتها كان خارق وداني، انت فشلت في توقيعي لصالحهم وكنت خابرة بس بكدب نفسي.