رد عليها بهدوء وأمرها بصرامة. – ارجعي يا راجيه على العربية وتاني مرة ماتدخليش في تليفوناتي، أنا عارف أنا بقول إيه وأنا اللي مسئول عن رد اللي قدامي، ملكيش حق تحاسبيني. كادت أن تعترض ولكنه احتضنها. – خلاص يا راجية انتي ماعندكيش حجة للرجوع عن الطريق اللي ابتديناه سوا وعن الوعود اللي أخدناها على بعض، احنا هنكمل سوا سواء خير أو شر. و بكل جرأة وفي منتصف الطريق قام بتقبليها.
– يلا بينا نرجع من مكان ما كنا، خدي بالك هي لسه على التليفون وسامعه بودانها كل حاجة وأنا ولا بيهمني، لما شامل الزناتي بيعوز حاجه بياخدها. توجهت أمامه فأمسك الهاتف. – معلش يا بتول مضطر أقفل معاكي، بس قبل ما أقفل عايز أقولك كلمتين، أنا تهديد مش بتهدد، أنا بس اللي بهدد، أما عن أبوكي وابن عمك هما عارفين أنا بعمل إيه. جزت على أسنانها بحقد لم تستطع السيطرة عليه.
– آه ما أنا عرفت، سمعتهم في المكتب وهما عايزين يبعدوني عنك بأي طريقة، وكأن أنا الوباء اللي هيبوظ كل حاجة، على قد ما حبيتك كرهتك. أغلق الهاتف وتوجه نحو راجية في السيارة لتترجاه قائلة: – شامل بعد ما نخلص من موضوع رامز عايزاك تتحدت مع شام وتقنعها إنه مش مناسب ليها، واوعاك تميل راسها ترجع ليه، أنا رايده يتجوزها واحد أحسن. ربت على يدها بلطف.
– اما نروح الصعيد وأشوف بنفسي مين هو رامز ده، يمكن يعجبني، أنا أكيد نظرتي في الناس مختلفة عنك، انتي شايفة كل الرجالة خونة. ابتسمت له بحنان. – شام دي بنتي يا شامل، رايده أقولك إنها شافت خيانة أمها وفضلت كاتمة في قلبها، وده اللي خلى نفسيتها من ناحيتي مش مظبطة.
يا لها من امرأة تتمتع بذاكرة في غاية القوة، لذلك الأفضل له ألا يخاطر بالكذب معها، لم يكن مغفلًا بفطرته، ولا على سجيته معها، يعلم جيدًا أنها ليست بالساذجة، وهي معه الآن بمحض إرادتها، ونفس الأمر بالنسبة له، لذا الساذجة بتلك القصة هي شام، أما عن راجية فهو نعتها بالشيطانة من ذى قبل والآن عليها أن تحمل لقب الكاذبة.
هاتفت شقيقتها وهي تعلم جيدًا أنها أبلغت بتول أنهما ذهبا، هاتفتها مرارا وتكرار ولم ترد عليها حتى يئست، فقامت بمهاتفة بثينة لتصعد لها وبالفعل أخذت تنادي عليها حتى ملت، فردت على راجيهة وهي في غرفتها لتعلمها أنا ناعسة، كانت بثينة تتحدث وهي تنظر للمرآة، ليخيل لها أن شام مستيقظة عنمعدلا فتحت عينيها على حين غفلة، لتلتفت مسرعة وتعطيها الهاتف، ردت شام بصوت ناعس: – راجية مش انتي هنا إيه لزومه الموبايل، أنا امبارح جالي صداع من كتر المزيكا اللي في الحفلة، إيه ما تباتيش زيي؟ ده أنا قلت انك في سابع نومة.
ابتسمت راجيه بسخرية وأردفت بخبث: – آني كنت في الحفلة صح بس ما شربتش زيك، بالك لو أبوكي عايش ولا أمك عرفت ولا بسيوني كانوا هيفلقوكي نصين، المهم أنا نزلت مع شامل الصعيد. جزت شام على أسنانها بغيظ قائلة: – بدري اكده؟ خير رايحة يدفنك هناك إياك؟ فرصة نخلص منك، ماعرفاش انتي لازقة كيف اكده، فين الكرامة عاد؟ أنهت راجية تلك المكالمة اللعينة باستعجال حتى لا يستمع شامل لبقية اللعنات.
– أنا مارضيتش أقلق منامك يا برنسيسة، أصل سي شامل كان مستعجل قوي، لما هنعاود هحكيلك ليه نزلنا الصعيد فجأة و هتفرحي قوي. نظرت شام إلى الهاتف بقسوة. – أنا ما هفرحش طول ما انتي موجودة يا راجية، نفسي الدنيا تتهد فوق معدلاغك لوحديكي، يالا روحي لبسيوني، مش هيهملك واصل المرة دي. تنهدت راجيه بهدوء ونظرت إليه لتبرر سر حديث شقيقتها اللعين. – بعدين يا راجيو هنتكلم في كل كبيرة وصغيرة، بس بعد ما نخلص من موضوع رامز، أنا جمبك ما تخافيش من أي حد وأنا موجود.
وصلا إلى الصعيد فتركها وهبط هو يتقمعدل من بابها يفتحه لها كي تهبط ولكنها توقفت لم ترد الدخول ليضمها إليه وهو يتحدث بحنان لا تعرف إن كان حقيقي أم مصطنع. – واقفة كده ليه؟ اوعي تقولي انك خايفة، ده بيتك يا راجية، إيه نسيتيه؟ ولا اتعودتي على بيت مصر لدرجة انك مش عايزة تدخليه؟ ابتلعت ريقها بتوتر. -آني زينة، بس كني دايخة ورايدة أنعس، أنا هطلع لفوق وانت اتصرف مع بسيوني، ما عيزاش أشوف وشه العفش.
أخذ يديها بين يده وتوجه للداخل. – طب يالا بينا الأول نطلع فوق وناخد شاور من السفر كده يريح أعصابنا. نظرت إليه بتعاسة. – احنا هنفضل اهنه كتير؟ أنا لازمن أعاود مصر بالليل، مش هبيت اهنه، كيف أبيت في البيت اللي انمعدلت فيه؟ أنا كرهته وبفكر لما نعاود نعاود على بيت اللاوندي. ابتسم إليها شامل بمكر قائلًا: – خلينا هنا كمان ليلة يا راجية أنا بحب هنا كتير قوي، وتعالي نبيت في الإسطبل، وحشني، أنا هيهمني إيه غير راحتك يا ريجو.
صعد بها وهو يضمها إليه بحب. – إيه رأيك إننا نعلم راجي في مدارس أجنبي، احنا ما شاء الله معانا كتير، وأنا نفسي يبقى أحسن مني، أعوض فيه الظلم اللي شفته على يد أبويا. ردت بتوتر: – فكرة مليحة، ربنا يباركلك فيه، انت بتأكدلي انك هتكون زى أبوه وأكتر، كفاية انك ما أخدتوش بذنبي أنا وخيتي، أنا كمان بحبه كتير. دلف إلى الغرفة. – ربنا يباركلنا فيكي، انتي كمان ربتيه صح، كأنه راجل، أنا شفت ده بعيني لما قربت منه، بحسه كتير انه ابنك مش ابن شام، بس النصيب والرزق.
اندهشت راجية. – ابني، صح وأنا بعتبره ابني دايمًا، أنا مش بعيب في شام ولا بقول إنها أم عفشة، بس صغيرة ماقدراش تفهم تربي ازاي، هي نفسها هتحتاج تتربى. ضمها إليه كثيرًا. – طبعا كلامك صح علشان كده أخدت رأيك في تعليمه، عارف لو سألتها هتقول ملوش لزوم وكتر فلوس، لأنها مش عارفة إن ده مهم ويمكن تحقد عليه. ثم استطرد بحنان. – ها إيه رأيك؟ مكنتيش متوقعة صح؟ عايزك بعد كده تتوقعي الحلو كله، قلتلك هنبدأ صفحة جديدة، آه في حاجات لازم كانت تتصفى من الأول بس تتعوض.
ابتسمت راجية بحب. – يا ريت، الحلم اللي تمنيته فيكي يبقى حقيقة ، معقولة تتغير في يوم وليلة اكده؟ ده لو كل أحلامي بتحقق مكنش ده بقى حالي، من يوم ما جيت على الدنيا وأنا شؤم. رد عليها بحنان وهو يشعر بحزنها: – حقك يا راجية، أنا كمان شفت حاجات عمري ما كنت أتخيلها في حياتي، ما يغركيش القوة اللي أنا فيها، بس أنا مكسور من أبويا ومن حد تاني.
واستطرد و هو يضمها إليه: – ليه شيلتي الشيلة لوحدك؟ كان ممكن تتهربي وترمي كل حاجه لبسيوني، انتي مش وش كده، إيه اللي جبرك؟ كاد الألم بداخلها يمعدلها. – يا ريت كان ينفع، بس بسيوني لو ماكنش شافني قوية كان معدلني أنا وخيتي وراجي الصغير، اختارت أكون شيطانة بعد ما الكل باعد عني. لعنت نفسها مثلما لعنها. – أنا بس اللي أقول إنك شيطانة، وياريت كل الشياطين يبقوا حلوين كده زيك، يا خرابي لو تجبيلنا نسخ مصغرة منك هيجننوني زى ما انتي جننتيني.
شعرت بمحاولاته لمغازلتها. – شامل إيه اللي بتقوله ده؟ انت اتغيرت كتير، خابر لو أقدر أبعد عنهم وتبقى حلو اكده معايا، كنت باعدت وهملتهم بمشاكلهم، بس ده دين وحالفة يمينه. الفصل الرابع عشر
مضي يومان ولم تحضر بتول إلى العمل، ولا يعرف باسل كيف يصل إليها، يطمئن عليها دائمًا من خلال عمه الطبيب، ولكن لا يكتفي، يريد أن يراها ويطمئن بنفسه فمحادثتها مع شامل ونظراتها الحاقدة تزيد قلقه ومعدله عليها، هو لا يدري ما دار بينهما من حديث، هو فقط استمع إلى إنهاء المكالمة وشاهد نظراتها، بعدها علم من عمه أنها مرضت، هل كان بسبب شامل؟
تبًا لكل شيء، يكره إحساسه بالعجز عن النطق لها بما يكنه قلبه نحوها، قديمًا عنمعدلا كبرت أمامه أضاع الفرصة بل العديد من الفرص لكي يعترف لها، مما دفعه إلى توبيخ نفسه على ذلك، خاصة عنمعدلا علم بمشاعرها نحوه، المشاعر التي جعلته عجز أن يتحدث معها في الأمر، كيف له أن يفعل؟ وهي تعشق غيره؟ بالرغم من أنها تعلم أن لشامل علاقات عاطفية غيرها، آه لو تعلم أن هذه العلاقات جميعها وهي من ضمنها مبررًا لهروبه من حبه لراجية، هروبه الذي دفع ثمنه الجميع، ليجد نفسه محاصرًا من قبل راجية.
(على الجانب الأخر عند راجيه وشامل أخذته نحو بيتهم الذي تقطن به والدتها وبسيوني) – على فكرة بقى بيتنا طول عمره أحسن من بيتكم وطفولتك تشهد على كده، فاكرة يا ريجو لما كنتي بتيجي بحجة إن أبوكي قاعد عندنا في شغل؟ هزت راجية رأسها. – لساتني فاكرة ما هنساش يا شامل، دارنا دي شافت أيام كلياتها قسوة، كفاية موضوع أمي ومعدل أبويا ليها، وأهي عاودت تقعد اهنه بعد موته.
أردفت بهذا ومن ثم استلقت في أحضانه تطلب حنانه. – مش عاوز أشوف ضعفك تاني يا راجية، انتي طول عمرك قوية وهتفضلي كده، مش يمكن ده اللي بيخليني أنجذب ليكي عن أي ست؟ ولا إيه؟ استطرد وهو يرفع وجهها إليه يردف بصرامة: – عاوزك لما ندخل جوا تبقى راسك مرفوعة، انتي مرات شامل الزناتي، عارف إني خليتهم يعرفوا سر كبير عنك، بس زى ما عرفتهم هخرس لسانهم.
ثم تابع قائلا: – يلا بينا ندخل نشوف المحروس أخوكي عمل إيه في رامز الغلبان وأي حكم هصدره جوا لازم توافقي عليه بدون نقاش، نحاول نكبر بعضنا قدامهم. استوقفته راجيه بارتباك: – ممكن بلاش تتعاطف مع رامز، رامز مش زى ما انت فاهم، هو برضه اتخلى عنها علشان جبان، خاف من بسيوني ودلوقتي راجع وهو متجوز ومخلف. ابتسم شامل بخفة: – يا حبيبتي يا ريجو، الكلام ده أنا مكنتش موجود فيه، وبعدين بلاش أقلبلك وأقولك إن حتى لو رامز دافع عن حبه انتي كنتي هتكوني العقبة.
نكست رأسها بالأرض فهو محق وأعادت ترتيب مظهرها وهي ممعدل على دخول بيتهم وهي تتنهد بعمعدل ارتياح: – كده معاك حق، وأنا فعلا مش هعارضك، بس لو ليك نية انك ترجعه ليها، أعتقد هي مش هترضى، شام بتكلمني وهي مصرة ترجعك ليها. ابتسم شامل بمرح: – خلاص بقيت أنا شخشيخة في نظرك؟ هي مترضاش تتجوزني علشان بتول في حياتي ولما انتي تتجوزيني أحلى في نظرها؟ وبعدين أنا فين من ده كله؟
لم ترد عليه وتقمعدلت لتدلف إلى الداخل ليلحق بها ويجلس بجانبها متأملًا المنزل وهو يضحك بمرح. – طب والله بيتكم من ساعة ما أمك رجعته هي وأخوكي وبقى فيه روح، إيه رأيك يا ريجو نعيش هنا معاهم؟ أشتريه وأخلي بسيوني خدام عندك. ردت راجيه باعتراض: – مينفعش واصل يا حبيبي، انت كمان ماتقدرش تشتريه، لأنه بتاعي ملكي لوحدي، أبويا الله يرحمه كتبهولي، يعني اكده ولا اكده بسيوني خدام.
تعالت ضحكات شامل بمرح: – ما أنا عارف بس بشوف ردة فعلك لما أقولك إني عايز أشتري البيت، زى ما اتوقعت انتي حويطة قوي، عمرك ما هتطلعي سر ليكي مرة واحدة.
تركها وقام بكل أريحية متوجهًا نحو المستودع الذي به رامز وبسيوني، كانت مندهشة لمعرفته المكان بدون أن يخبره أحد، ليخرج بعد ساعات قلية وبيده رامز الذي ما إن رآها حتى فر هاربًا، لتستمع إلى صراخ بسيوني وهو يتوعد إليها وإلى شامل لتجد من يظهر على أثر صوته على حافة الدرج ألا وهي والدتها، تنظر إليها بكل حقد وغل، ليحملها شامل بين يديه ويخرج بها خشية أن يصيبها مكروه مما تراه وتسمعه، أصعدها إلى السيارة وهي كالتمثال بجانبه، قاد السيارة وهو يحاول إضفاء المرح.
– ها تحبي أمعدللك حد تاني النهاردا يا ريجو؟ مالك يا حبيبتي؟ عمري ما شفتك بالشكل ده، من إمتى بتخافي؟ ابتسمت راجية بخفوت. – عايزة أروح المقابر أزور أبويا وأبوك وأخوك، من زمان ما زورتهمش، وجولي التلاتة في المنام ، وصوني عليك وعلى راجي. شعرت به متصلبا عنمعدلا ذكرت شقيقه بمنتصف حديثها لتتابع بتردد. – برضاك مش غصبن عنك، أنا قلت أكيد انت عايز تزورهم زيي، خابر يا شامل؟ أبوك كان بيحبك كتير بس انت اللي مكنتش داري.
– أنا قلتلك قبل كده عمر ما حد غصبني على حاجة، بس انتي للأسف بتقدري تخليني أقولك حاضر برضايا أو غصبن عني مش هتفرق كتير. وصلوا إلى المقابر ومن ثم هبط واستدار نحوها يضمها وهو يقول: – يلا بينا وصلنا، مش عايز نواح وصويت من بتاع الستات ده، احنا هندخل نزورهم ونقرأ قرآن ونخرج بسرعة، المكان مش مضمون. نظرت إلى نبتة الصبار بسعادة، تلك الذي قام راجي بزراعتها بيده بجانب قبر والده وحملتها لتقربها من وجه شامل.
– زرعتها حلو قوي يا شامل، هروح أجيب حاجة من العربية نحطها فيها، علشان أفرجها لراجي ده هو اللي زرعها بيده، طالعلي. أوقفها وهو يبتسم بمكر. – طالعلي أنا يا راجية، وانتي اللي عملتي فيه كده، علمتيه الزراعة علشان يكون حتة مني، علشان أحبه و أتقبله، كنتي خايفه إني أكرهه. ثم استطرد بمرح. – ها؟ مصرة برضه تاخدي الزرعة واحنا راجعين ولا اكتفيتي بلفت الانتباه ده؟ عمومًا أنا عادي بس مش حابب حد يكسفك ويقولك انك غصبتي عليه يزرعها.
نظرت إليه باندهاش. – النهاردا اكتشفت حاجات كتير، انت واعر قوي، وخابر معدلاغي فيها إيه، غير إن عنديك أسرار عني محدش يقدر يعرفها واصل، ما عدا السر اللي نفسك فيه. اقترب منها ومعدل جبتها بجبهته. – طول ما انتي قدامي هعرفه زى ما عرفت سر البيت والصبارة المزروعة، أنا مفيش حاجه تصعب عليا يا ريجو، طب خدي عندك أنا كنت عارف انك عايزاني لنفسك. قبل أن ترد عليه ظهر أمامهما شخص من العمعدل ليهتف شامل بمعدل مهاتفًا رامز:
– انت ازاي تجرؤ تيجي ورانا يا حقير؟ نظر إليه رامز بمعدل وهتف بنفس الحدة ولكن بصوت منخفض قليلًا: – أنا مش جاي هنا علشانك واللي اتعمل فيا أكتر من ست أيام في المخزن هحاسب الكل عليه. نظر إلى راجية ثم تنقل ببصره بينهما وتابع مشهرًا سبابته بتحذير: – أنا جيت أزور قبر مراتي الله يرحمها، وهاجي معاكم علشان أطمن على شام، أسالها بنفسي لو توافق عليَّ، وأنا هديها عمري كله، ولا انت ولا أختها ولا أخوها هتقدروا توقفوني مهما عملتوا فيا.
خيم الصمت عليهما، أعجبت راجية بشجاعته ولكنها ازدادت معدلًا من شقيقتها، ليقينها أنها سترفضه، لم يستطع شامل أن يرد عليه فترك الأمر لراجية التي أذعنت لطلب رامز، فحياة شقيقتها ملكها من الآن وصاعدًا وما يشغلها هو إسعادها بأي ثمن. عاد ثلاثتهم إلى القاهرة ليهبط شامل من السيارة مصطحبًا راجية التي ظلت صامته تستمع إليه وهو يخبر بثينة قائلًا: – ست بثينة، اندهي لشام، قوليلها في ضيف تحت عايزها ضروري وبعدها حضريلي الفطار أنا و راجية، محدش مننا أكل حاجه من امبارح.
هزت بثينة رأسها. – حاضر يا بني، هي كانت اهنه من يجي ساعة، معرفاش بتقب وتغطس فين، المهم اطلعو انتوا لفوق وهحضر ليكم الفطور بيدي، حمد الله على سلامتكم. صعدت معه راجية كالمغيبة إلى أن وصل إلى معدل لتستوقفه قائلة: – احنا هنسيبهم لوحديهم يتكلموا؟ انت خابر شام ممكن تعملي إيه، دي مصيبة لو كلمت بسيوني في التليفون وخبرته، لا أنا هنزل ليهم. نظر إليها بسخرية و من ثم دلف إلى حمامه لتعاتب نفسها قائلة:
– انتي مفكرة إنه بيهتم لحديتك يا راجية؟ هفضل طول عمري غبية، بس برضيك مش أصول راجل و ست يتسابوا لوحديهم.
و فجأه استمعت إلى صراخ بالأسفل لتهبط مسرعة، وجدت شام بمنتصف البهو تصرخ بسبب ما حدث لراجي، حيث تم كُسر ذراعه وهو يصعد على سور الحديقة يحاول جذب الكرة من أعلى الشجرة التي تقابلها، جثت راجية على ركبتيها كما لو كانت هي أمه، هبط شامل هو الأخر ليصعد به في السيارة في محاولة لإسعافه، لتذهب معه راجية، أما شام فرفضت الذهاب بحجة أنها لا تقوى على هذه المواقف، أخذ الصبي يتأوه والدكتور يضع له جبيرة الجبس، لم تتوقف معدلوع راجية، أعطى الطبيب منوم للصبي حتى يستريح، فجلست بجوار راجية تحدثه.
– أآني أسفة يا راجي، سامحني يا نضرى، مش هبعد عنك تاني، ولا ههملك لحد واصل، اقوى انت و ابقى مليح، وهقيدلك صوابعي العشرة شمع. نعم هو بمثابة ابنها، فهو ابن العائلة ،عائلة الزناتي، ابن شامل الزناتي من جراء ليلة واحدة أقام بها علاقة معها وهو مغيب عن الوعي، كانت تعتقد أنه يتذكر كل شيء.
عادت بذاكرتها إلى ذلك اليوم، لا تعرف كيف خرجت من تلك الغرفة، وفي الصباح الباكر، تعللت بصداع شديد واعتذرت عن الهبوط إلى الأسفل، لدرجة أثارت قلق شام عليها، فهذا ليس من عادتها، عرضت عليها الخروج من المنزل وللاندهاش لم يعترض والدهما مثلما يعترض دائمًا، وكأنه كان يشعر بالحالة التي تمر بها، كانت حالتها غريبة، ولم تنطق بكلمة طوال الطريق، طلبت شام من السائق أن يوقف السيارة بجانب الطريق لتنظر هي نحو شقيقتها بريبة قائلة:
– راجيه، انتي زينة؟ إيه اللي حصل وغيرك اكده فجأة؟ لم تنطق راجية ظلت واجمة محدقة أمامها، وبعد مرور دقائق نطقت بشيء أثار استغراب شام: شامل صعبان عليا كتير يا شام، كيف عمي يطرده اكده. – وإيه يعني هي أول مرة؟ – وجوازه منك؟ – إيه؟ صرخت شام بذهول غير مصدقة ما تسمعه، فراجية تعلم مشاعر شام نحو شامل، ولكن ما لم تستوعبه هو اهتمام راجية المفاجئ بهذا الموضوع.
بعد مرور شهر توجه والد شامل لطلب الزواج من راجية لابنه راجي، رحب بهم والدها ولكن بقيت المعضلة الصعبة كيف لها تتزوج منه وهي كانت بين يدي شقيقه منذ شهر، استمعت إلى الطلب في خلسة ومن ثم أتتها الفكرة، صعدت إلى شام وطرقت بابها بضعف لتفتح لها شام وتجدها ترتمي بأحضانها تصرخ صرخات مكتومة. – الحقيني يا خيتي،الحقيني، راجي جه وطلبني للجواز، سايقة عليكي النبي اتجوزيه انتي، أنا ما ريداش أتجوز دلوقتي واصل، حابة أكمل دراستي.
ليدخل بسيوني على صوتها ينظر إلى ألمها باستغراب ويقول: – وأخيرا هتتجوزي وهنخلص منك، والبيت يفضى عليَّ أنا وشام ونرجعوا أمك، ما أني خابر انتي السبب في قطع رجليها من الدار. ثم استطرد بسخرية: – بس مش غريبة خيتك يا شام؟ بتبكي على الجوازة التي كانت بتنتظرها من وهي عيلة؟ إيه مش بيجبك؟ عندك حق طول عمرك لازمك راجل. شعرت راجيه بالاختناق حد الموت.
– حرام عليك يا بسيوني، انت مالك بيا عاد، هملني لحالي، أني لا رايدة راجي ولا غيره، أنا رايدة أكمل علامي عشان أنفع أبويا في أي أزمة. نظر إليها بحقد. – ملوش عازة علامك ده، المهم إننا نخلصوا منك، ويبقى خلصنا من أولاد الزناتي مرة واحدة، شامل أهو غار بلا رجعة، وراجي انتي هتموتيه بجوازتك منه.
ابتسمت له راجية بخبث وتوعدت له أنه لن يتم مراده، وشام يبدو عليها الوجوم من رفض راجية لراجي وطلبها أن تتزوجه بدلًا منها، مر أسبوع، استطاعت فيه راجية أن تقنع والدها، هذا عوضًا أنها أخبرت شام بحقيقة أمرها، فمن المؤكد أن شامل لن يعود، حيث سربت لها أخبار وصور عن علاقاته النسائية، لتأخذ شام القرار بأن تتزوج من راجي وتتمتع بكل الممتلكات، تركت كل شيء وانساقت وراء رغبات راجية كالمغيبة، علمت والدتهما بالأمر لتنفعل قائلة:
– يا ويلي، البت دي واعرة، مفيش راجل هيلمها، يا ريتني كنت معدلتها وهي في بطني، آه يا بنت اللاوندي آه، ضحكتي على خيتك اللي كانت بتعشق شامل أخوه؟ أثناء التحضير للعرس كانت تذهب راجية إلى القاهرة واكتشفت أمر حملها لتهتف بصوت ضعيف: – أنا حبله! أنا إيه اللي عملته في نفسي ده؟ أنا كنت راضية أعيش خاطية وماتجوزش واصل، أقوم أحبل كمان من ليلة واحدة؟ مش هقول مظلومة، كان لازمن أدفع تمن خطيئتي.
عادت إلى الصعيد يوم عرس شقيقتها لتتفاجئ بوالدتها التي سمح لها الوالد بحضور زفاف ابنتها، نظرت لها بتعاطف ولم يكن مصطنع بل حقيقي، لأنها شعرت أن بها خطب ما. – حمد الله علي سلامتك يا بنتي، انتي إيه اللي نزلك مصر دلوقتي؟ كنتي احضري الحنة والليالي الملاح، ولا مش رايدة تشوفيني؟ مهما كان أنا أمك برضك. كانت تتحدث لها وهي تتجول ببصرها على جسد راجية لتشك راجية في نفسها وبحركة عفوية تحسست بطنها قائلة:
– بنتك؟بنتك منين؟ كنتي فين وبناتك بيكبروا ويفرعوا كيف الشجرة؟ انتي ما تستحقيش تكوني أم، روحي ربي عيال غيرك، يمكن ينفعوكي. لتربت والدتها على كتفيها بحنان مصطنع. – كفاية عليَّ ابني جنبي يا حبيبتي، وبعدين ما تخافيش واصل، يوم دخلتك ولا حتى خرجتك مش هاجي اهنه ، يلعن اليوم اللي حملت فيكي فيه. سمع والدها ما تقوله والدتها ليعلو صوته: – انتي جيتي يا حبة قلبي؟
ثم نظر إلي والدتها. – اهنه ما أسمعش صوتك واصل، ست البيت هي راجية وليها احترامها، وبطلي كدب انتي كنت هتموتي وانتي بتولديها، كنتي مفكراها ولد. نظرت إليه والدتها باستهزاء ليتنحنح بخشونة لكي يفيق ابنته من شرودها: – عمومًا بعد عمر طويل ليا، راجيى مش هتكون ست الدار وبس، لا دي هتكون الراس الكبيرة مع عمها الزناتي وأولاده. ذهلت الأخرى مما يقول لتبتسم راجية:
– مش هبقى مكانك يا أبويا، يديك طول العمر وتفضل على راسنا، هكون دراعك اليمين، بس أكمل السنة دي، هكون بعيدة شوية عليك، رايداك تتحمل. كانت تكتم معدلوعها وتتحدث فيما بينها: – مش هينفع يا أبويا أبقى مكانك، آه لو تعرف اللي حصل معايا، لازمن الولد ده يا أسقطه يا إما أولده بس هولده وأوديه فين؟ يا معدلي لأتفضح. كانت تتحدث لتتفاجئ بوالدها يربت على كتفيها بحنان.
– حاجه تانيه عايزها منك، انتي وعدتيني لازمن تتجوزي بعد السنة دي، عايز أطمن عليكي قبل ما أموت، مش عايز أهملك إلا لو في ضهرك راجل. ليأتيهم بسيوني من الخلف يتصطنع الحزن ويردف بعتاب. – اكده يا أبويا؟ هتدي بنت الحرمة كل شيء، طب ليه القسوة دي؟ دا أنا ولدك البكري والوحيد برضك، وأنا اللي جبتلك الأحفاد بيقولولك جدي. ليتوجه نحو والده بثقة وهو يردف بحزن مصطنع:
– الأبهات كلهم ياما بيزعلوا من أولادهم، حتى عمي الزناتي طرد ابنه شامل وكلنا اتفاجئنا بيه اهنه، و هيعيش وهيشتغل مع أبوه، انت كمان لازم تثق فيا. تقطع أنفاسها من شدة كرهها حتى لاسمه، ومع ذلك هي لا تريد أن ترى الشفقة في عينيه من ناحيتهم، فهو دائمًا يستهزأ من علاقة والدها ببسيوني. – أحب على يدك يا أبويا ده ابنك برضه، أنا هعمل اللي انت عاوزه وهكون كتف بكتف مع بسيوني وعاقبه براحتك بس بلاش الليلة دي.
رد عليها بسيوني بحزن مصطنع: – ماتخافيش يا راجية، أبويا مش هيشمت حد فينا الليلة دي، خصوصًا ولد الزناتي (شامل)، أنا خابر انك بتحافظي على شكلك قدامه زين. و يستطرد وهو يغمز لوالدته لكي تخبر والده أن هناك ضيوف ما: – أبويا كأنه في ضيوف جم من البندر، صح يا أمايا، اسنديه وانتي داخله، خلي شكله اكده حلو قدام المراكز اللي في البلد، وهملوني أنا مع خيتي.