“هلال” جوم يا هلال الباب عيخبط
_ أردفت بهم ورد بنبرة هادئة، فتح الآخر عينيه وتفاجئ بزرقاوتاها ترمقه، تقوس ثغره بإبتسامة عفوية لم يقصدها .. _ تعجبت “ورد” من إبتسامته وتابعت حديثها مندفعة:-
هتجعد تبحلج فيا وتسيب اللي عيخبط دييه واجف برا كاتير _ أعتدل هلال من نومه ثم نهض متوجهاً نحو الباب، فتحه وإذا بها والدته التي عاتبته لتأخيره:-
كل ديه علي لما تفتحتوا الباب، الخلج كلاتها مستنظراكم تحت
_ عقد “هلال” ما بين حاجبيه وسألها مستفسراً:-
ناس مين اللي مستنظرانا؟ _ أجابته “نادرة” موضحه ذلك العُرف السائد لديهم:-
جرايبنا جايين يباركوا ويهنوا _ إرتخت ملامح “هلال” بتهكم وقال بفتورٍ:-
مش باركوا وهنوا إمبارح في الفرح ولا هما خلج فاضية وموراهمش غيرنا عاد _ نهرته السيدة “نادرة” بإنفعال شديد:-
ديه عُرف وتجليد معروف وكل أهل البلد إبيعملوه بعد الفرح بيوم _ أزفر أنفاسه بضجر بائن ثم أماء برأسه مردداً بنبرة تريد الخلاص:-
حاضر ياما هنجهزوا وننزلوا وراكي
_ شكلت “نادرة” إبتسامة على ثغرها وأولاته ظهرها لكنها عاودت النظر إليه مرة أخري وقالت:-
جول لورد تتزين وتتعطر وتلبسوا أحلي عباية عنديها عشان هتجعد وسطيهم من غير وشاحها _ أماء لها بالقبول ثم أغلق الباب بعد أن إختفت والدته من أمامه، بحث عن ذات الزرقاوتين لكي يخبرها بما قالته والدته لكنه لم يراها ، أين اختفت فجاءة، لم يكن أمامه سوي منادتها بصوته الرخيم:-
ورد روحتي فين، أمي عتجول في ناس عايزين يباركولنا وبتجولك اتزيني و..
_ صمت حينما رآي طيفها يظهر من خلف باب المرحاض، خفق قلبه بشدة لذاك الجمال الرباني، لقد حررت خصلاتها الناعمة الطويلة ذات اللون الأسود الداكن التي يليق مع بشرتها الحليبية، ناهيك عن وضعها لأحمر الشفاه مع مورد الوجنتين، كحلت عينيها فاندمجت مع أهدابها الكثيفة منتجين أجمل عيون فسبحان الذي خلق وأبدع _ إبتلع هلال لعابه الذي سال على فمه وهو ينظر إليها بتفحص شديد، أخفض بصره على تلك العباءة ذهبية اللون المطرزة من جميع جوانبها، لم يكف قلبه عن النبض بصورة مضطربة، رغبته في التقرب منها وجعلها إمرأته تزداد بداخله، كم تمني أن ترأف بمشاعره التي فاضت به ..
_ ردد متسائلاً وعينيه لم تُرفع عنها:-
لحجتي تعملي كل ديه ميتي؟ _ إقتربت منه “ورد” بثبات وأجابته قائلة:-
أني شوفت الحريم وهما عيدخلوا السرايا وعرفت أنهم جاين يباركوا لنا وچهزت حاچتي عشان منتأخروش عليهم وتبجي عيبة في حجنا _ أغمض الآخر عينيه وردد بعدم تصديق:-
بالله عليكي بتفكري فيهم ومعتفكريش فيا!! _ لم تكترث لحديثه كأنه لم يردده من الأساس، أخذت وشاحها من خزانتها ثم إرتدته سريعاً ونظرت حيث يقف هلال:-
هتفضل تبحلج فيا كاتير هِم بينا ننزلوا
_ خرج هلال من شروده بها وإرتدي جلبابه ورافقها إلى الأسفل، تعالت الزغاريد في السرايا حينما رآهم الجميع، جلسوا جميعاً في غرفة الضيافة حتى تكون ورد على راحتها أكثر من دون وشاحها .. _ تلقوا المباركات والتهنيئات من الجميع، صغى هلال لأحاديث كثيرة من الحاضرين وكانوا حافزاً له بأن يأخذ أولي خطواته إتجاها مثل:-
‘ صبرت ونولت يا هلال ‘
‘ عروستك كيف الجمر ‘
‘ أم عيون زرقا خطفت إبننا مننا ‘
‘ أني لو مكانك مههملهاش واصل ‘
_ كلماتهم كانت تحمسه وتشعره بالفخر لكون زوجته جميلة إلى هذا الحد وهو فقط من يتمتع بهذا الجمال، لكن يا حسرتاه هو إلى الأن يتمني فقط لا يفعل شئ سوي التمني، لكن بالتأكيد لن يصبر على تلك السخافات التي وضعتها ورد وسينهيها هو تلك الليلة .. _ في الخارج، ولج مصطفي داخل السرايا وتعجب من تلك الضجة التي تملأ المكان من حوله، بحث بعينه علي أحد ربما يعلم منه ما الذي يحدث إلى أن وقع بصره على صفية التي تخرج من المطبخ حاملة صنية عليها كل ما لذ وطاب
_ عقد ما بين حاجبيه متسائلاً بفضول:-
وااه كل ديه لمين يا صفية وإيه الدوشة اللي چوا ديي _ أجابته صفية بنبرة سريع لثقل الصنية:-
جرابيكم يا باشمهندسطز جاين يباركوا للعرسان _ حرك رأسه بتفهم ثم أردف قبل أن تدلف إليهم:-
حضريلي الوكل يا صفية على ما ادوش _ ردت عليه بطاعة:-
حاضر يا سي مصطفى _ صعد هو الأدراج سريعاً وولج لغرفته، خلع جلبابه ووضعها في الصندوق الخاص بالثياب المتسخة داخل المرحاض ثم وقف في منتصف المغطس الرخامي وفتح صنبوري المياه الساخنة مع الباردة لكي يتمتع بذلك المزيج الرائع وينعش جسده ..
*** _ إنتهت المقابلة بسلام، عادت ورد إلى غرفتها سريعاً دون أن تنتظر هلال الذي عاد إليها بسرعة البرق، أغلق الباب ونظر إليها برغبة شديدة، إرتعبت هي من نظراتها وهتفت محذرة إياه:-
بتبصلي إكده ليه
؟ إوعاك تفكر تجرب مني، كمل إتفاجك لاول وبعدها أني تحت أمرك _ لم يهتم كثيراً لهرائاتها التي بدت سخيفة بالنسبة له، إقترب منها وهو عازم على فعل ما تخبره به غريزته الذكورية، تراجعت “ورد” للخلف محاوله منعه من الإقتراب أكثر:-
هلال إوعاك يا هلال والله أصوت وألم عليك السرايا كلاتها
_ بادلها إبتسامة متهكمة وقال:-
صرخي بعلو حسك عشان أجولهم إني باخد حجي الشرعي اللي انتي مش راضية تديهولي، يلا صرخي سكتي ليه؟ _ لمعت عينيها بالدموع وهي تعلم أن تلك اللحظة لن تمر مرار الكرام وبعد ذلك لن تستطيع أخذ حقوقها من عمها، دفعها هلال بقوة على الفراش فأنت هي بألم بسبب جرحها الذي تأثر بدفعته _ أوصدت عينيها تودع أحلامها لطالما تمنت تحقيقها، لعنت سذاجة تفكيرها التي وثقت به وأجبرها على الوثوق بذلك الرجل الذي لا يريد سوي التمكن منها والوصول إلى رغبته فقط..
_ إنتظرت الكثير لتشعر بقربه لكن لم يحدث! أين ذهب ذاك؟ لما لم يكمل ما نوي فعله، فتحت عينيها لتظهر زرقاوتاها التي تتلألأ فيهم الدموع، تفاجئت به يطالعها بملامح جامدة لم تستطع تفسيرها _ أولاها ظهره دون حرف زائد ودلف خارج الغرفة دافع الباب خلفه بقوة، لم تصدق ورد ما حدث الأن أحقاً غادر ولم يفعل ما خشيته؟ إعتدلت في جلستها وإبتسمت بسعادة معاتبة أفكارها التي ندمت على الوثوق به، كَنت له الإحترام بعد تصرفه الذي لاق مع شخصيته المرسومة في عقلها ..
_ نهضت لتبدل ثيابها بشعور مختلف كلياً قبل دقائق، شعور الأمان لطالما إفتقدته منذ وفاة والدها وتدخل عمها في كل ثغره في حياتها، تنهدت براحة كبيرة ومن ثم وقفت تطالع نفسها في المرآة بإعجاب شديد لملامحها الجميلة التي وهبها الله لها .. *** لم يطيق هلال الجلوس في أي مكان يوجد به أشخاص يعرفهم، لم يكن أمامه سوي الهروب إلى ذلك المقهي في أخر البلدة لعله ينفرد بذاته قليلاً ويعيد ترتيب أفكاره التي تشتت فجاءة.
_ لما لم يفعلها وفضل رمقها بنظراته بدلاً من إكماله ما كان في نوياه، أنها حقوقه وليس حرام إن اخذها بالقوة، لكنه لا يريد تلك القوة، إن لم يكن بكامل رضاها فلا يعنيه الأمر _ إذاً لما يشعر بالاختناق وكأن أحدهم يطبق على صدره، أنتبه هلال لدخان الأرجيلة التي ترتطم في وجهه، إذاً ضيق صدره من خلف تلك الأدخنة السامة _ وجه بصره تلقائياً على صاحب الأرجيلة وتفاجئ به، إنه طاهر إبن عم ورد، وقف “هلال” وهتف بنبرة محتقنة:-
نفث دخانك إبعيد عني يا طاهر مناجصش خنجة
_ رفع “طاهر” عينيه عليه بتهكم وردد بجمود:-
لا هنفثوا في الحتة اللي تريحني _ أوصد “هلال” عينيه لبرهة وهو يحاول كبح غضبه داخله قدر المستطاع وحدثه بهدوء:-
يا أخي هتخسر إيه؟ دخانك مضايجني لف نفسك وطلعوا بعيد عني _ حرك طاهر رأسه برفض تام، هو يكرهه ويحقد عليه لأنه سارق، لقد سرق حلم حياته لطالما تمني أن تكون زوجته هو وليست زوجة ذلك البغيض، وها قد جائت الكرة في ملعبه الأن عليه أن يركلها جيداً ويجلس يستمتع بمضايقته ..
_ أخذ نفساً عميق من أرجيلته ثم رفع رأسه ونفث دخانها بالكامل في وجه هلال، تفاجئ الآخر من فعلته التي سببت له سعال شديد، لم يشعر بنفسه سوي وهو يركل الأرجيلة بقدمه حتى حطمها إلى أشلاء تناثرت بقاياها في زوايا مختلفة.. _ إنتفض طاهر من مكانه وطالعه بنظرات احتقاريه مشتعلة، لقد جنى هذا الهلال على نفسه، إنقض عليه وأمسكه من تلابيب جلبابه مندفعاً به:-
أنت مين عشان تتجرأ وتعمل إكده معايا أني، والله لأجتلك وأشرب من دمك
_ أمسك هلال يدي طاهر يحاول أن يبعده عنه وعندما فشل لكمه بكل ما أوتي من قوة على وجهه فسالت الدماء من فمه _ إجتمع كل من في المقهي حولهم محاولين فض الإشتباك بينهم لكن قوتهم لم ينجح أحد قبالتها، خرج عامل المقهي بعيداً عن تلك الضجة وهاتف مصطفي لكي يخبره بما يحدث.. _ أجابه “مصطفي” بعد عدة دقائق بنبرته الرخيمة:-
أيوة يا مدحت فيه حاجة؟ _ رد عليه بنبرة سريعة يخبره بما يحدث:-
خوك بيتعارك مع طاهر وِلد حمدان المنشاوي واتنياتهم غرجانين في دمهم ومحدش عارف يفض بيناتهم واصل
_ إنتفض “مصطفي” من مكانه وردد بنبرة قلقة:-
أني جاي حالاً وحاول تفض بيناتهم على لما أوصل _ رد عليه “مدحت” مختصراً:-
ماشي _ هرول مصطفي إلى الخارج وهبط الأدراج في درجة واحدة مما أثار قلق خليل ونادرة، فسأله “خليل” بقلق قد تغلغل إلى قلبه:-
هتركض إكده ليه يا مصطفي فيه مصيبة حوصلت ولايه؟
_ أماء له مصطفي مؤكداً سؤاله وأخبره مكالمة مدحت له، هرول خليل خلف ولده وأمر شيخ الغفر ورجاله أن يسبقوه إلى ذلك المقهي، وقفت السيدة نادرة على باب السرايا تضرب رأسها بيدها تارة وعلى صدرها تارة أخري متمتمة بتوجس شديد:-
جيب العواجب سليمة يارب، محلتيش غيرهم متخسرنيش فيهم واصل _ لم تستطيع الدخول قبل أن تطمئن برؤية هلال بخير أمامها وفضلت المكوث على عتبة الباب، رافقتها صفية لعلها تنجح في تهدئة روعها ولو قليلاً..
***