Uncategorized

بقلم روميساء 3

لكن قبل أن يخرج من الباب تمامًا، أمسكته يارا بقوة من ذراعه، وأوقفته فجأة. كانت عيونها مليئة بالعزم، وكلماتها كانت حادة، كالسكاكين التي تقطع الهواء. “يوسف، في الأول والآخر، كان لازم تعرف الحقيقة.” قالتها بنبرة حاسمة، عينيها لا تغادره. “إحنا مش هنفضل مخبيين علاقتنا كتيير. إحنا مش بنعمل حاجة غلط.” لكن يوسف لم يكن مهتمًا بكلمات يارا. لم يكن عقله مشغولًا بها أو بما تقوله. كان قلبه يركض خلف رحيل، التي كانت قد رحلت.

“اسكتي، يارا.” قالها بصوت خافت، لكن عميق، ثم أطلق نفسه من قبضتها، وركض مسرعًا، متجاهلًا كل شيء حوله. كان يركض كالمجنون في محاولة يائسة للعثور على رحيل. نزل بسرعة إلى السلالم، قلبه ينبض بسرعة متسارعة. كانت خطواته تتسارع، وكان يعتقد أنه يمكنه اللحاق بها قبل أن تختفي للأبد. لكن عندما وصل إلى الأسفل، نظرت عينيه في كل زاوية، لكنه لم يجدها.
الشارع كان فارغًا، وكل شيء كان ساكنًا. رحيل كانت قد اختفت، وكأنها كانت جزءًا من حلم انتهى فجأة.

وقف يوسف في مكانه، والهواء البارد يضرب وجهه. كان يلهث، شعر بأن قلبه قد توقف، وكان كل شيء حوله مظلمًا. كان ينظر إلى الفراغ، عينيه مليئة بالألم والندم. رحيل كانت قد رحلت، ولا شيء يمكنه إصلاح ما حدث. وقف يوسف في وسط الشارع، قلبه كان بيدق بسرعة، وكل ثانية بتمر كانت بتزيد من مشاعره اللي هو مش قادر يتحملها. مش عارف يركز في أي حاجة، عينيه بتلف في كل مكان وكأنه هيلاقي رحيل لو بص لحد في الشارع.

كان حاسس بدموعه قريبة، بس كان عارف إنه لو بدأ يبكي هينهي كل حاجة. “يا خسارة يا يوسف، إيه اللي عملته في حياتي؟” فكر في نفسه، وكل حاجة كانت بتحرقه. كان عارف إنه خسر رحيل، وإنه مهما حاول مش هيقدر يرجع الزمن. بدأ يلف حوالين نفسه، مفيش إجابة لأسئلته، مفيش جواب لندمه. “لو كنت سمعت كلامها… لو كنت خبرتها….” كانت أفكاره متشابكة ومش قادر يلاقي طريقة يواجه بيها نفسه. كان قلبه بيوجعه مش بس بسبب إنه خسر رحيل، لكن كمان لأنه كان عارف إنه هو السبب.

وقف فجأة، حاسس إن الدنيا كلها بتلف حوالينه. نظرته كانت تائهة، وكان عنده إحساس إنه فقد كل حاجة، ترددت كلمات رحيل في اذنه “احنا خلاص انتهينا ” “مفيش رجعة… خلصت…” همس بها لنفسه، وكان الصمت هو الصوت الوحيد اللي بيسمعه. كانت دموعه بتضغط على عينيه، وكان مستني اللحظة اللي هينفجر فيها، بس كان خايف.

ركبِت رحيل سيارتها بسرعة، مش قادرة تشيل الألم اللي جواها. كانت دموعها بتنزِل من غير ما تحس، وكل لحظة بتبعد فيها عن المكان ده كانت بتحس إنها بتبعد عن جزء كبير منها. قلبها كان مكسور، وعقلها مش قادر يستوعب اللي حصل. “ليه عملت كده؟ إزاي؟” فكرت في نفسها وهي بتبكي. “أنا عمري ما قصرت معاك، كنت دايمًا جنبك… كنت دايمًا معاك في كل لحظة.” الدموع كانت نازلة، وكل لحظة كانت بتبعدها عن المكان كانت بتحس إن جزء كبير منها بيتكسّر ” عمري مافكرت ان انت اللي تخدعني بالشكل ده “ليه ما قلتليش من الأول؟ ليه كنت دايمًا مخبي؟”

فجأة، فكر يوسف إن رحيل ممكن تكون رجعت البيت.
“أكيد راحت البيت… مفيش مكان تاني تروحله.” قالها لنفسه وهو بيجري بسرعة ناحية سيارته. قلبه كان دقاته بتسابق نفسه، وكان مش قادر يهدى، كله قلق وتوتر. “لازم ألحقها… لازم أفهمها.” وصل قدام البيت بسرعة، قلبه بيدق بشدة. نزل من السيارة، وأخذ المفاتيح من جيبه، لكن إيديه كانت بترتجف. فتح الباب بالمفاتيح، لكن كان فيه حاجة غريبة جواه، كان حاسس إن فيه حاجة غلط. دخل البيت، والجو كان مظلم وبارد بشكل مخيف، وكأن المكان كله ما فيه حياة.

جري بسرعة ناحية الجناح بتاعهم وهو بينادي: “رحيل! رحيل انتي فين؟” لكن ما كانش فيه رد. البيت كان هادي لدرجة مرعبة، حاسس إن الدنيا واقفة، كل حاجة فيه كانت بردة، عكس كل مرة كانوا بيبقوا فيها مع بعض
دخل بسرعة غرفة النوم ، وهو يفتش في كل مكان، لكن لم يجد رحيل . “فينك يا رحيل؟ راحت فين ؟” قالها وهو بيبحث في المكان، قلبه كان بيتقطع من الخوف. وبعد كده، جري على غرفة ابنته، لكن لقى المكان فاضي، حتى الناني اللي كانت مع بنته مش موجودة.

وقف في وسط البيت، مش مصدق إن البيت كله فاضي. “مش ممكن… إزاي؟ فينهم؟” قالها بصوت منخفض، حاسس بفراغ رهيب جواه. “ليه كل حاجة بتروح مني كده؟ ليه ما لقيتهاش؟” يارا كانت جالسة في الصالون، وحاسّة بشعور الانتصار. كانت مبتسمة في نفسها، وكل حاجة كانت ماشية زي ما هي عايزاها. “خلاص، يوسف بقى لي… وكل حاجة بقت تحت سيطرتي.” حسّت بقوة في اللحظة دي، وكل شيء كان تحت يدها. “في الآخر، أنا اللي فزت.” كانت عارفة إنها دلوقتي في مكان أقوى، والفرصة بين إيدها علشان تحقق كل حاجة.

ابتسمت في نفسها مرة تانية وهي بتفكر في اللي حصل. كانت عارفة كويس إن اللحظة دي كانت نقطة فاصلة في حياتهم، وإنها قادرة تسيطر على كل حاجة دلوقتي. لكن بالرغم من الانتصار، كان فيه حاجة في داخلها كانت بتهمس ليها إنه النجاح ده مش هيستمر كتير لو مافيش توازن حقيقي. لكن في الوقت الحالي، كانت مركزة على شعور النصر، وحاسة إنها أخيرًا حصلت على اللي كانت بتسعى ليه. ༺بقلم رميسة༻
الفصل التاسع عشر – الفرصة الأخيرة

جلس يوسف في صالة المنزل، مُحاطًا بصمت ثقيل يُشبه الفراغ الذي تركته رحيل وراءها. عيناه تجولان في المكان وكأنهما تبحثان عنها بين الأثاث والذكريات. تذكر ضحكتها التي كانت تملأ أرجاء هذا البيت، كيف كانت تمر بجواره فتُلقي عليه نظرة عابرة تختبئ خلفها آلاف الكلمات. كيف كانت تضع ابنتهما الصغيرة على الأريكة وتلعب معها، وكيف كان المنزل ينبض بالحياة بوجودهما.

الآن، كل شيء ساكن. المكان بارد بشكل غريب، رغم أن النوافذ مغلقة والستائر مُسْدَلَة. مرّر يده على الأريكة حيث كانت تجلس، ثم على الطاولة التي كثيرًا ما تركت عليها كوب قهوتها نصف ممتلئ. كان يريد أن يصرخ، أن يعيد الزمن إلى الوراء ليصلح كل شيء قبل أن ينهار بهذه الطريقة، لكنه فقط تنهد بعمق، وكأن الهواء نفسه صار ثقيلًا على صدره. رفع هاتفه، حاول الاتصال بها مرة أخرى، لكن كالمعتاد، لا رد. زفر بضيق وأعاد الهاتف إلى الطاولة. أين يمكن أن تكون؟

في تلك اللحظة، تذكر آخر مرة كان يجلس معها هنا، عندما نظرت إليه نظرة طويلة دون أن تقول شيئًا، وكأنها كانت تودعه دون أن يدري. لم يدرك وقتها أن تلك النظرة كانت تحمل كل ما لم تستطع قوله. تسللت إلى ذاكرته لحظة دافئة بينهما، حينما كانا في أحد الأيام الممطرة، جلست رحيل بجواره على الأريكة، التفتت إليه وقالت بابتسامة ناعسة: “إنت عارف إني بحس بالأمان وأنا جنبك؟” ضحك وقتها ومسح كفها براحة يده قائلاً: “وهفضل دايمًا أمانك يا رحيل.” لكن الآن، هو لم يعد يشعر بالأمان حتى مع نفسه.

مرر يده على وجهه، شعر بتعب لم يشعر به من قبل. ماذا لو كانت هذه النهاية حقًا؟ في مكان آخر، جلست رحيل على الأريكة في منزل صديقتها ليلى، عيناها منتفختان من كثرة البكاء، ويدها لا تزال ترتجف. كانت ليلى تجلس بجوارها، تمسك بيدها في محاولة لطمأنتها، لكن الكلمات كانت عاجزة عن مداواة الجرح العميق الذي تشعر به رحيل. “مش مصدقة يا ليلى.. مش قادرة أستوعب اللي حصل..” نطقت رحيل بصوت متقطع، وكأنها تكافح من أجل التنفس.

وضعت ليلى يدها على كتفها برفق: “حبيبتي، اهدي.. أنا معاكي، إحكيلي بالراحة.” ابتلعت رحيل ريقها بصعوبة، ثم همست بصوت متهدج: “كنت حاسة إنه بيخبي عني حاجة.. بس عمري ما تخيلت إنها تكون دي! يوسف.. يوسف كان مع يارا، وبيخططوا يرجعوا لبعض! أنا كنت مجرد محطة عبور في حياته؟!” نظرت إليها ليلى بعينين تمتلئان بالغضب والحزن من أجلها، لكنها لم تجد ما تقوله. فقط احتضنتها، تاركة لها مساحة للبكاء أكثر، لأن بعض الأحزان لا تحتاج لكلمات، فقط تحتاج لمن يشعر بها.

لكن رحيل لم تكن قادرة على التوقف عن الكلام، وكأنها تحاول استيعاب الصدمة بصوتها: “كنت بقول يمكن أنا ظلمته.. يمكن شكوكي فيه كانت زيادة.. بس في الآخر طلع إحساسي صح! هو خانني يا ليلى.. خانني وأنا كنت مصدقة إنه لسه عاوزنا نكمل.” مسحت ليلى دموعها سريعًا وقالت بحزم: “وأنتِ لسه مصدقة إنه يستاهلك؟ رحيل، لازم تفكري في نفسك.. وفي بنتك. يوسف اختار، ومش لازم تفضلي في دوامة الوجع دي.” نظرت رحيل إلى صديقتها بعينين دامعتين، ثم همست بمرارة: “بس أنا كنت بحبه.. وعمري ما فكرت أبعد عنه، ليه هو فكر؟ ليه؟”

احتضنتها ليلى مجددًا، تاركة لها فرصة الانهيار دون قيود. الليلة فقط، ستسمح لنفسها بالبكاء، أما الغد.. فسيكون يومًا آخر. في تلك الليلة، لم يستطع يوسف التحمل أكثر. كان يعرف أن رحيل لن ترد عليه، لكنه لم يجد أمامه سوى خيار واحد. التقط هاتفه واتصل بليلى. رن الهاتف طويلًا قبل أن ترد ليلى بصوت متحفظ: “ألو؟” تنفس يوسف بعمق، محاولًا السيطرة على صوته المرتبك: “ليلى، رحيل عندك؟” ترددت ليلى لثوانٍ، ثم نظرت إلى رحيل، التي كانت تهز رأسها بقوة وهي تهمس: “قولي له مش موجودة عندي.

عادت ليلى إلى الهاتف وقالت بصوت طبيعي: “لا يوسف، هي مش هنا.. ليه، حصل حاجة؟” توقف يوسف للحظة، وكأنه يحاول استيعاب السؤال، ثم قال بصوت هادئ لكنه مضطرب: “لا.. ولا حاجة، بس هي خرجت شوية وفكرتها راحت عندك.” حاولت ليلى أن تخفي ارتباكها، ثم قالت بهدوء: “لو عرفت حاجة هكلمك يا يوسف.” أغلق يوسف الهاتف ببطء، ثم زفر بضيق وهو يشعر أن هناك شيئًا لا يزال يجهله. أما رحيل، فكانت تجلس على الأريكة، تستمع لكل كلمة دون أن تنطق، فقط أغمضت عينيها، وكأنها تحاول أن تبني جدارًا أخيرًا بينها وبين يوسف، لا يمكن هدمه أبدًا.

مرّت أربعة أيام منذ آخر مرة حاول فيها يوسف التواصل مع رحيل، وكل يوم كان يزيد توتره. كان قلبه لا يزال يشتعل بالقلق والندم على ما حدث، ومع ذلك، لم يتوقف عن الاتصال بها. فكر في أنها قد تحتاج وقتًا، لكن ذلك لم يوقفه عن المحاولة. أما يارا، فكانت تتابع كل ما يحدث عن كثب. أرسلت له رسائل هي الأخرى، لكن يوسف كان في حالة من الإنكار التام لما يحدث، ولم يرد على أي من رسائلها أو مكالماتها. كانت تشعر بغضب شديد لأن يوسف لم يُجبها، لكنه كان منشغلًا بما حدث مع رحيل.

كان جالسًا في الصالة، يمرر يده في شعره بحيرة. فاجأه هاتفه الذي رن فجأة. نظر إلى الشاشة ووجد اسم رحيل يظهر على الهاتف فيديو كول. قلبه تسارع ضرباته، ولكنه أسرع في الرد. لكن المفاجأة كانت أكبر حين ظهر وجهها على الشاشة. لم تكن هناك أي ابتسامة أو ترحيب، بل كانت نظراتها باردة تمامًا، عيناهما متقابلتين عبر الشاشة. يوسف: (بلهفة) “رحيل؟” رحيل: (بصوت هادئ، لكنها حاسمة) “إزيك؟” رحيل كانت جالسة على الأريكة، وابنته الصغيرة تجلس على رجليها، تلتف حولها وتلمس شاشة الهاتف بيدها. عندما رأت والدها على الشاشة، قالت بحب وبراءة:

“بابا… وحشتني!” يوسف شعر بشعور غريب يجتاحه، فمشاعر الحنين لبنته كانت تجذبه إلى الأسفل.
شعرت رحيل بنظرة ابنتها على الهاتف، فابتسمت لها بلطف، ثم أعطتها قبلة على جبينها. يوسف: (ينظر لابنته بحزن عميق) “أنا آسف يا حبيبتي… انتي وحشتيني أنا كمان.” لكنه عاد سريعًا إلى حديثه مع رحيل. يوسف: (متوترًا، يحاول أن يظهر جديته) “رحيل، من فضلك اسمعيني، أنا آسف، والله ما كانش قصدي يحصل كل ده.” رحيل: (بصوت هادئ، لكن مليء بالحزن) “خلاص يا يوسف، اللي حصل حصل، وانت السبب فيه.”

يوسف: (بحرقة، يحاول التبرير) “عارف إني غلطت في حقك، مكانش قصدي أظلمك. معايا، كنتِ الحاجة الحلوة في حياتي، بس أنا بغبائي ضيعتها من إيدي. فرصة أخيرة، ووعد هعوضك عن كل حاجة.” رحيل: (صوتها صارم، مليء بالخيانة) “عطيتك أكتر من فرصة، لكن انت اللي ضيعتهم وضيعتنا.” رحيل توقفت قليلاً، تحاول أن تتمالك نفسها، ثم أكملت بصوت خافت ولكنه مليء بالقوة. رحيل: (بمرارة) “أنا عمري ما قصرت معاك في حاجة، كنت بعتبرك دايمًا من أولوياتي، بفكر فيك أكتر من نفسي… لكن انت عملت إيه؟ مع اول فرصة بعتني بالرخيص.”

يوسف يحاول الاعتراض و التبرير، لكن رحيل تقاطعه بحزم شديد، وعينها مليئة بالدموع، لكنها مصرّة على موقفها. رحيل: (بتحدي، نظرتها حادة) “أنت اللي بعتني بالرخيص خلاص، انا خرجت من حياتك خد راحتك مفيهش داعي تخبي دلوقتي، لان اللي كان لازم أعرفه من زمان للأسف عرفتو متاخر، لكن لازم تعرف حاجة، اللي يبيعني بالرخيص، أنا مش هقدر أرجعله تاني ولا افكر فيه حتى. انتهى كل شيء.” “الرحلة الأخيرة، يجب على المسافرين على طائرة ….
التوجه إلى الطائرة الآن.”

يوسف يصاب بهلع شديد، يدرك في هذه اللحظة أن رحيل على وشك الرحيل. يصرخ في الهاتف، عيونه مليئة بالخوف والذعر: يوسف: “رحيل! انتي فين؟! وايه الصوت ده ؟!

انت في الصفحة 5 من 9 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى