رحيل تظهر في الشاشة، وهي تمسك بابنتها بين يديها، وتبدو هادئة ولكن عيونها مليئة بالحزن. تتنهدت بعمق، ثم تقول بصوت حزين وحاسم: رحيل: “أنا مسافرة يا يوسف. هبدأ حياتي من جديد، حياة من غير كذب، حياة من غير خيانة. هعيش حياتي لنفسي بعيد عن كل حاجة.” يوسف يُصاب بهلع شديد، يقفز من مكانه ويحاول التمسك بأي أمل. يصرخ من قلبه، وهو يترجاها، يعجز عن منع نفسه من التوسل: يوسف: “رحيل! بالله عليك! متسيبنيش! والله، دي آخر فرصة، عمري ما هزعلك تاني! بجد مش هكرر اللي فات! دي فرصة أخيرة، بجد! متروحيش، أرجوكي! طب عشان بنتنا طيب، من فضلك!”
رحيل تبقى هادئة، تلتقط نفسًا عميقًا وهي تنظر إليه عبر الهاتف، ثم تبدأ في التحرك بعيدًا، تمسك بابنتها في يديها بإصرار. يوسف يصرخ، محاولاً اللحاق بالكلمات، لكن رحيل لا تلتفت إليه. يوسف: (بهيستيريا) “رحيل، لا! مش هقدر أعيش من غيرك! بلاش، من فضلك، مش قادر أتحمل!” رحيل، وهي تتحرك نحو بوابة الطائرة، تقفل الهاتف في وجهه بقوة دون أن تقول كلمة أخرى. يوسف يقف في مكانه، يحدق في الشاشة التي أصبحت فارغة أمامه. يصاب بحالة من الهلع والندم، بينما رحيل تختفي في المدى.
يوسف يقف مذهولًا أمام شاشة الهاتف بعد أن أغلقت رحيل المكالمة في وجهه. لحظات من الصمت، ثم يبدأ قلبه ينبض بسرعة أكبر. تنهار مشاعره، ويشعر وكأن الأرض تحت قدميه تختفي. في لحظة، يفكر في كل شيء، في كل لحظة ضيعها، وكل فرصة أضاعها. يسحب نفسًا عميقًا، وفجأة، يقرر. يوسف ينظر إلى الساعة على الحائط، ثم يركض إلى سيارته. يقرر أنه لن يتركها تذهب، مهما كانت الظروف. هو لا يستطيع تحمّل فكرة فقدانها نهائيًا. يبدأ في القيادة بسرعة نحو المطار، عينيه لا تترك الطريق، وقلبه يملأه الرعب والتوتر.
هو مش قادر يوقف، مش قادر يقف مكانه. العبرة في قلبه، الدماغ مليانة خواطر، بس حاجة واحدة في قلبه: “مش هقدر أعيش من غيرها. دي فرصتي الوحيدة.” يصرخ في نفسه وهو يقود، صوت تفكيره مكتوم وسط صوت المحرك العالي. “بس مش ممكن تسيبني كده، لازم ألحقها!” طريق المطار قدامه، والوقت بيجري، وكل لحظة بتعدي بتزوده هلع أكثر من قبل. وهو مش قادر يتخيل حياته من غيرها. مش قادر يقف مكتوف الأيدي كده، ويفكر إنه ضيع كل شيء.
وهو في طريقه، أفكاره مش قادرة تهدأ: “لو ضيعتها دلوقتي، مش هلاقي حاجة تانية زيها في حياتي.” وصل أخيرًا عند المطار، لكنه مش عارف إذا كان لحقها ولا لأ، ولا لو كانت لسه هناك. قلبه يكاد يقف من التوتر، وهو يركن السيارة بسرعة، ونظراته مليانة خوف. هل لحقها؟ هل هي لسه هناك؟ يبدأ يركض نحو مدخل المطار، خطواته سريعة، قلبه يدق بقوة، لكن المطار مزدحم والناس كلها ماشية في كل اتجاه. يوسف ينظر حوله، مفيش أثر لرحيل، ولا يمكنه أن يعرف إذا كانت رحلتها قد بدأت أم لا. هو مش عارف هل هي في الطيارة دلوقتي، ولا لسه عنده وقت…
༺بقلم رميسة༻ الفصل العشرون والاخير – نهاية الطريق الجزء الأول: كان يوسف يقود سيارته بجنون، يتنقل بين السيارات باندفاع غير مبالٍ بالأضواء الحمراء أو أصوات التنبيهات التي تلاحقه. كل ما كان يشغل عقله هو صورة رحيل وهي تغلق المكالمة في وجهه. كانت كلماتها لا تزال تتردد في رأسه، تقطع أنفاسه كأنها سكين مغروسة في صدره: “أنا مسافرة.. هبدأ حياتي من جديد، حياة من غير كذب، من غير خيانة.”
حاول أن يزيل تلك الكلمات من ذهنه، لكن صوتها البارد كان يلاحقه كظلٍّ لا ينفك يلتصق به. ارتعشت يده فوق عجلة القيادة وهو يضغط على دواسة الوقود بقوة أكبر، كأن السرعة ستمنحه فرصة للحاق بها قبل أن تفوته للأبد.
عند بوابة المطار، أوقف السيارة بعشوائية وترجل منها بسرعة، وصل يوسف إلى المطار في حالة من الهلع الشديد، قلبه يخفق بسرعة وكأن الزمن توقف. ركض بين الركاب، يتخطى الجميع بعينين مسمرتين على الوجوه، يبحث عن رحيل. كانت الطائرة قد اقتربت من موعد إقلاعها، لكنه لا يريد أن يستسلم. كان يعلم أنها هناك، في مكان ما، تنتظر أن يركض خلفها. لم يهتم بصيحات الحراس ولا بالأنظار التي توجهت نحوه. أخذ يركض، يتجاوز الناس بعشوائية، يبحث عنها بين الحشود بعينين مذعورتين.
“رحيل!” صرخ بأعلى صوته، لكن المطار كان يعج بالضجيج، وصوته لم يكن سوى نقطة وسط بحر من الأصوات. بينما يتجول وسط الحشود، يلتفت إلى شاشة كبيرة معلقة في المطار. عيناه تركزان على الأرقام التي تتألق في السطر الأول: “الطائرة المتجهة إلى ….. أقلعت.” اتسعت عيناه في صدمة. شعر وكأن قلبه توقف للحظة. نظر مجددًا إلى الشاشة، ثم إلى الساعة. كان الوقت قد مر سريعًا، أكثر مما كان يتوقع. لا أحد في المطار يهمه بقدر رحيل. كان يراها في ذهنه، كان يعرف أنها كانت ستكون هناك، ولكن الوقت فاته.
يتنهد بمرارة، قلبه مثقل بالندم، يهرع إلى مكتب الطيران، لكن لا فائدة. قال له موظف الاستقبال بهدوء، كأن الكلمة كانت سكينًا في قلبه:
“آسف، الطائرة أقلعت بالفعل.” يوسف يقف مكانه، كأن الزمن توقف. يلتفت حوله، يبحث في الفراغ عن ملامحها، عن أثرها. لكنه لا يجدها. كل ما يراه هو الحشود المزدحمة. يقف في مكانه، قدماه ثقيلة كأنهما متجمدتين في أرض المطار. لم يعد يسمع ضجيج الحشود حوله، ولا صوت المايكروفونات التي تعلن عن مواعيد الرحلات القادمة. كل شيء صار صامتًا بالنسبة له إلا صوت قلبه الذي ينبض بسرعة ويزداد قوة.
نظر حوله كأن كل شيء ينهار أمامه. كان يعتقد أن لديه وقتًا كافيًا لإقناعها. كان يعتقد أن رحيل ستبقى له دائمًا، مهما حدث. لكنه أخطأ. أخطأ في حساباته، وأخطأ في تقدير اللحظات التي كانت بحاجة إليها، بينما هو كان غارقًا في صراعاته الخاصة. “راحت فين؟ ليه مارجعتش؟” همس لنفسه، وكانت الكلمات تخرج من بين شفتيه وكأنها خالية من المعنى.
ثم تحولت عيناه إلى باب المغادرة، حيث اختفت رحيل وراءه، وسافر معها جزء كبير من حياته. في تلك اللحظة، شعر بشيء غريب. كان قد فقد كل شيء، أو ربما كان قد اختار أن يفقده. وكان ما زال لا يستطيع تصديق أنه وصل إلى هذا الحد، أنه فشل في إيقافها. خرج من المطار ببطء، خطواته ثقيلة، ملامحه متجهمة، ولا يستطيع أن يتخيل حياته بدونها، أو كيف ستكون الأيام القادمة من دون وجود رحيل وابنته بجانبه.
رحيل كانت تجلس في المقعد بجانب النافذة في الطائرة، نظرت إلى الخارج حيث السماء الزرقاء الداكنة، والأضواء البعيدة التي تتناثر في الأفق. كان هناك صمت في قلبها، لكن داخلها كان يموج بمشاعر متضاربة. فكرت في يوسف، في كل اللحظات التي عاشتها معه، في الأمل الذي كان يراودها بأن الأمور ستصبح أفضل يومًا ما. لكن كما فكرت، قررت أنها لم تعد قادرة على الاستمرار في العيش بهذا الكذب والخداع. “أنا مش هعيش في ظل خيانة ووعود فارغة”، قالت لنفسها بصوت خافت، وكأن الكلمات كانت هي الأخرى تبحث عن الخلاص.
عينيها امتلأتا بالدموع، لكنها كانت تبكي بصمت، كما لو كانت تحاول دفن كل المشاعر التي كانت تربطها بيوسف في تلك اللحظة. كان الرحيل بالنسبة لها أشبه بالتحرر، لكنها كانت تعلم أنها لن تكون نفس الشخص بعد هذه الرحلة. بينما الطائرة كانت تواصل تحليقها، نظرت إلى ابنتها التي كانت جالسة بجانبها، وهي تنام بسلام. شعرت بأن هناك أملًا جديدًا يبدأ معها، ولكن رغم ذلك، كان قلبها ينزف. هل سيكون هذا القرار هو الصح؟ هل سيتحسن كل شيء كما كانت تأمل؟
رحيل أمسكت يد ابنتها برفق، وهمست لها بصوت متقطع:
“هنبدأ حياة جديدة، يا حبيبة ماما… حياة أفضل.” نظرت إلى الطائرة التي كانت تحلق بعيدًا، وأغمضت عينيها، عازمة على أن تبدأ من جديد، بعيدًا عن الماضي الذي أصبح يثقل قلبها. هذه المرة، كانت رحيل تملك القوة لتتخذ قراراتها لنفسها، حتى لو كانت مؤلمة.
عاد يوسف إلى المنزل وهو يحمل في قلبه ثقلًا لم يستطع التخلص منه طوال طريقه. خطواته كانت بطيئة، وكأن الأرض تلتصق بأقدامه في كل خطوة. رأسه مليء بالأفكار، وعينيه تبحثان في كل زاوية، عله يجد أي أثر لرحيل أو ابنته، لكن المنزل كان خاليًا كالمعتاد، كما لو أن الحياة توقفت هنا. لكن ما لفت نظره كان شيء غريب أمام الباب. كان يوجد شيء ما مرمي على الأرض. ورقة صغيرة. قلبه قفز في صدره وكأنه يشعر بشيء غير طبيعي. اقترب منها بحذر، ركبتيه ضعفتا بينما يمد يده ليلتقط الورقة. ارتجفت يده وهو يرفعها ليقرأ ما كتب فيها.
دخل يوسف المنزل وهو لا يستطيع أن يوقف عقله عن التفكير. قدماه تقودهما إلى الداخل بشكل غريزي، بينما عينيه لا تزال على الورقة. أغلق الباب وراءه بصوت خافت وهو يتجه نحو غرفة الجلوس. ألقى بالورقة على الطاولة أمامه، ليقرأها بعينين تملؤهما الحيرة. “طلب خلع”، كان المكتوب في الورقة. تجمد يوسف، كأن الزمن توقف للحظة، ووقع الكلمات عليه كالصاعقة. “خلع؟” همس بها بصوت منخفض، بينما كان عقله يصرخ. شعر بالدوار وهو يلتقط نفسه، ويركز على الكلمات المكتوبة أمامه. كانت رحيل قد أخذت القرار، وها هي الورقة تؤكد أنه لم يعد له مكان في حياتها.
بعد لحظات من قراءة الورقة، وقف يوسف، غير قادر على الوقوف في مكانه أكثر. كانت أفكاره تتدافع بسرعة كبيرة، وكأنها طوفان لا يمكنه أن يوقفه. شعر وكأن جسده أصبح ثقيلاً، لا يستطيع التنفس كما كان من قبل. كانت ذكرياته مع رحيل وابنته تتحول إلى كوابيس تتكرر في ذهنه، كل لحظة كأنها حادة، تكاد تقطع قلبه. أخذ نفسًا عميقًا، لكنه لا يشعر بأن الهواء يدخل رئتيه كما ينبغي. عينيه تجول في أرجاء المنزل، وكل زاوية كانت تذكره بلحظة كانت مليئة بالحب والأمل. كان هذا البيت مليئًا بالأصوات والضحكات، لكن الآن أصبح مجرد صمت رهيب يملأ المكان.
نظرت عيناه إلى الجدران، التي كانت تحمل صورًا له ولرحيل، صور لحظات سعيدة، لكن اليوم، بعد أن قرأ الورقة، أصبح كل شيء مجرد شبح من الماضي. تذكر تلك اللحظات التي كان يعد فيها رحيل أنه لن يخذلها مرة أخرى، وأنه سيظل دائمًا بجانبها. لكنه أدرك الآن أنه كان يكذب على نفسه. في النهاية، هو الذي خذلها.
توجه يوسف نحو غرفة النوم. الأرضيات التي كان يخطو عليها بدت أكثر برودة من أي وقت مضى. التفت حوله، وكأن المكان نفسه يذكره بكل لحظة ضاعت. “إزاي ضيعت كل ده؟” تساءل في نفسه، بينما كانت الذكريات تطارده. رحيل، ابنته، ضحكتهما، كلمات الحب. كل شيء كان يبدو بعيدًا، بعيدًا جدًا الآن. جلس على طرف السرير، ويده لا تزال ممسكة بالورقة، يحاول أن يستوعب ما حدث. “أنا ليه ما حاولتش أكتر؟” همس بصوت مختنق. تذكر كيف كانت رحيل تسأله دائمًا عن مشاعره، وحين كانت تطلب منه شيئًا، كان يتأخر في الرد، وفي النهاية كان يخذلها.