تذكر يومًا عندما كان يجلس مع رحيل في هذا المكان بالذات،
يتناقشان حول المستقبل، وكان يحاول أن يطمئنها، ويعدها أن كل شيء سيكون على ما يرام. وكان يفكر في وقتها أن هذا المنزل سيكون مكانًا سعيدًا لهما، ولكن في لحظة، تحول الحلم إلى كابوس. كيف تبدل كل شيء هكذا؟!
تذكر عندما كان يعود إلى البيت ليجد رحيل تنتظره بابتسامة جميلة، وكأنها لا تشكو من شيء. كان يظن في البداية أن كل شيء سيكون على ما يرام، وأنه يملك كل شيء تحت السيطرة. لكنه الآن يرى أن الأمور كانت تسوء تدريجيًا، ولم يكن يرى ذلك إلا عندما كان كل شيء قد تحطم. قفزت دمعة من عينيه، وكأن قلبه انفجر فجأة. لا يمكنه أن يصدق أن رحيل قد قررت الرحيل إلى هذا الحد. كيف لو كانت تلك هي النهاية؟ كيف سيتحمل وحده بعد كل هذه السنوات؟
مرت الأيام ثقيلة على يوسف، كل يوم كان يمر وكأنه عام كامل. حاول أن يلتقط خيوط الحياة مجددًا، لكنه لم يستطع. كل زاوية، كل لحظة، كل شيء كان يذكره برحيل، ويزيد من شعوره بالخسارة. لا شيء في المنزل يبدو كما كان، كل شيء تغير في لحظة. جلس يوسف في الصالة، يحدق في المسافة أمامه. كان يعيد التفكير في كل شيء، في أخطائه، في الكلمات التي قالها، في القرارات التي اتخذها. متى بدأ كل شيء ينهار؟ كان يكرر هذا السؤال في رأسه مرارًا وتكرارًا، لكن الإجابة كانت دائمًا نفسها: منذ اللحظة التي لم يقدر فيها رحيل بما يكفي.
كان يشعر أن الحياة قد توقفت عند هذه اللحظة، بعد أن خرجت رحيل من حياته. كل محاولة منه للتواصل معها باءت بالفشل، وكل كلمة قالها لم تكن كافية لإصلاح ما تهدم. حتى المكالمات اليومية التي كان يحاول خلالها الوصول إليها لم تؤدِ إلى شيء. كل شيء كان يشير إلى نقطة واحدة: رحيل اختارت الرحيل.
لكن لم يكن بمقدوره أن يتخلى عن الأمل، على الرغم من أن كل شيء كان يدفعه إلى الاستسلام. في قلبه كان يشعر بالندم، وأنه ارتكب أكبر خطأ في حياته. كان يحاول أن يقنع نفسه أن رحيل قد تتحسن مشاعرها، وأنه يمكن أن يبدأ من جديد، لكن في نفس الوقت كان يعلم أن هذه مجرد أماني غير قابلة للتحقيق. كان يعلم أنها إذا اختارت الرحيل، فهي لن تعود. قرر أخيرًا أن يتخذ خطوة، رغم أنه كان يعلم أن هذه الخطوة قد تكون خطوته الأخيرة نحو التغيير. لكنه لا يستطيع أن يبقى في مكانه، في حياة مليئة بالذكريات المؤلمة.
أخذ هاتفه في يده، وفي قلبه قلق كبير. كان ينوي الاتصال برحيل مجددًا، لكن قلبه كان يخبره أنها لن تجيب على مكالماته أبدًا لكن فجأة، دون تفكير، ضغط على زر الاتصال، وهو يستعد لسماع الصوت الذي طالما حلم بسماعه مرة أخرى. كان يعلم في أعماقه أنها لن ترد، لكنه ما زال يأمل في تلك اللحظة المعجزة. مرت لحظات من الانتظار، ثم انقطع الاتصال. فقط الصوت القاسي للجهاز الذي يقول “لا يمكن الوصول” كان يجيب عليه.
ثم ألقى الهاتف على الطاولة، وسار بهدوء إلى نافذة الغرفة، ليحدق في الخارج. كان الليل قد حل، والمدينة كانت مضاءة بالأضواء، لكن في داخله كان الظلام هو المسيطر. نظر إلى السماء، وكان يتمنى لو يستطيع العودة إلى اللحظات التي كان فيها مع رحيل، لو أن بإمكانه تغيير الماضي، لو أن بإمكانه إصلاح كل شيء. لكنه كان يعلم أنه لا شيء يمكن أن يعيد الوقت إلى الوراء.
وفي الوقت نفسه، كان هاتفه الذي تركه على الطاولة يرسل إشعارات مستمرة. كانت يارا، التي حاولت مرارًا الاتصال به طوال الأيام الماضية، قد قررت أخيرًا أن تأتي إلى منزل يوسف بنفسها، بعد أن شعرت بأنه يجب عليها أن تتأكد مما يحدث. لم يكن الاتصال ردًا عليه، فقررت أن تتحرك بنفسها. وصلت يارا إلى الباب الأمامي، وقرعت الباب بلطف في البداية، ثم بدأت تدق عليه بقوة أكبر عندما لم تجد استجابة. كان يوسف في حالة من الضياع، لكن صوت الدق على الباب جعل قلبه ينقبض. من؟ لم يكن يتوقع أن تكون يارا.
فتح الباب ببطء، ووجدها تقف أمامه. كانت ملامح وجهها جادة، وكأنها أعدت ما ستقوله مسبقًا، لكن هناك شيء في عينيها كان يخبره أنها لا تزال تحمل مشاعر مختلطة. يوسف (بتنهدة وبصوت غير مهتم):
“إيه؟ جايه ليه؟” يارا (بتكشر، بصوت حاد):
“فينك؟ ليه ما رديتش على اتصالاتي؟ كنت عايزك ترد عليّ؟” يوسف (بتنهد، مش فاهم هو بيعمل إيه):
“مفيش حاجة، كنت مشغول… مش فاضي دلوقتي.” يارا (مستفزة، مش مصدقة اللي بتسمعه):
“مش فاضي؟ يعني مش عايز تتكلم معايا؟ ولا اللي بينا خلاص انتهى؟”
يوسف (يستدير بعيد عنها، بصوت متعب):
“مش هقدر أتكلم دلوقتي، لو مش عايزة تستني يبقى خلاص.” يارا (بغضب، متوترة):
“أنت مش عارف إنت عايز إيه، ولا عايزني أنا ولا مش عايزني! مش هفضل أدور على أجوبة لحد ما تلاقيني متخبّية، خلاص كفاية كده.” يوسف(بنفاذ صبر):
“قـ,ـتلك مش قادر سيبيني دلوقتي من فضلك” يارا( بغضب ):
ماشي يايوسف ورحلت . (شقة بسيطة – مدينة جديدة)
رحيل واقفة قدام الشباك، فنجان القهوة في إيدها، وعينيها على الشارع الهادي.
رحيل (بصوت هادي وجواها قوة):
“أنا مشيت مش عشان ضعفت… أنا مشيت عشان اكتفيت.” بنتها تضحك وتهرّج وراها، فتبص عليها وتبتسم، وبصوت واطي تكمل: “اللي ماقدرش يحافظ علينا… مايستاهلناش.” سمعت ضحكة صغيرة من وراها… بنتها قاعدة على الأرض، بتلعب بالمكعبات، وبراءتها بتخلي الجو كله أهدى. رحيل (بابتسامة حزينة):
“علشانك إنتِ… علشانك كان لازم أمشي… وأبدأ من جديد.” قعدت جنبها، حضنتها بقوة، والدمعة اللي كانت محبوسة نزلت أخيرًا، بس المرة دي كانت دمعة راحة، دمعة بداية.
رحيل (بهمس):
“أنا يمكن خسرت راجل… بس كسبت نفسي… وكسبتك.” في كافيه هادئ، يوسف يجلس على الطاولة منتظرًا وصول يارا. يشعر ببعض التوتر وهو يفكر في الأمور التي مر بها مع رحيل، ولا يزال في داخله شكوك وتردد حول ما إذا كان يجب أن يكمل مع يارا أم لا. بعد لحظات، تصل يارا بابتسامة هادئة وتجلس أمامه. يوسف (بصوت متردد، وهو ينظر إليها):
“أنتِ عارفة يا يارا… أنا مش عارف مالها حياتي. مش قادر أتخيل إني هعيش من غير رحيل. كنت دايمًا بفكر فيكِ، وكنتِ جزء من حياتي، بس… بعد كل اللي حصل، أنا مش قادر أتخذ القرار بسهولة.”
يارا (بصوت ناعم، تبتسم بسخرية داخليًا):
“يوسف، عارف، أنا فاهمة اللي أنت فيه. لكن لازم تفهم حاجة… رحيل مش هتقدر تبقى جنبك. أنت مش شايف؟ هي مش هتكون دايمًا ليك. هي أصلاً ضيعت نفسها معاك. لو كنت لسه متعلق بيها، ما كنتش هتكون هنا دلوقتي، صح؟ هي اللي ضيعتك، مش العكس.” يوسف (بتردد، وهو يمرر يديه في شعره):
“بس أنا حاسس إني خنتها… أنا مش قادر أفهم حاجة. كل شيء اتغير فجأة. كنت مع رحيل، وكانت علاقتنا كويسة، لكن دلوقتي مش قادر أعود لكل شيء زي الأول. وفي نفس الوقت، أنا مش عايز أخسر الناس اللي كانوا معايا.”
يارا (ابتسامة خفيفة، وعينيها مليئة بالكلمات الخفية):
“يوسف، فكرت شوية؟ رحيل مش هتكون معاك بالطريقة اللي أنت عايزها. هي مش هتستاهل كل دا. أنت لو تراجع دلوقتي، هتكون خاسر أكثر من كده. اللي بينكم انتهى، وكل واحد فينا ليه فرصة تانية. وأنا هنا عشان أكون معاك. لو بتحبني، لازم تبص للمستقبل.”