بتر حديثها بتهكم :
ـ اقسم بالله لو طلبتي حاجه تانيه لا اكون ضربك بالشبشب أمشي يا أميره
هرولت الطفله للخارج فقام بمناداتها كمن تذكر شيئاً :
ـ بت يا أميره الفلوس
أخبرته وهي تهرول للخارج :
ـ أمي بتقولك حطهم عالنوته
حرك ” طه ” رأسه بعدم رضا وهو يقول :
ـ شايفه اهوه نص الحاره على كده كل ما اكلم حد يقولي خليها على النوته لحد ما النوته اشتكت
تجاهلت ” وداد حديثه بقول :
ـ سيبك من النوته دلوقتي وخليك معايا هنعمل ايه مع نعيمه دلوقتي
اخبرها “طه ” مسرعاً بعد أن وجد حجته :
ـ ماتقلقيش انا هستناها ولو اتأخرت هاروحلها لحد عيالها
كانت والدته على وشك أن تُكمل حديثها معه، لكنها توقفت فجأة حينما دخلت امرأة إلى الصيدليه كانت تبدو في منتصف الخمسينات تقريبًا، تمسك بيد طفل صغير، وتجذب الآخر خلفها كان على وجهها تعبير يدل على العجله والارتباك. توجهت نحو ابنها بخطوات سريعه وقالت بصوت فيه رجاء:
ـ بالله عليك يا دكتره ، عايزه الدوا اللي باجي أخده منك كل مره ده لما الواد يبقى سخن وتعبان
سألها بحيره :
ـ أخمن انا بقى ، اسمه ايه
صمتت لثواني ثم انفرجت شفتيها بضحكه بلهاء كمن تذكر شيئاً للتو :
ـ افتكرت ، كان أسمه تقريباً قطفلي الملوخيه
وقفت والدته مذهوله للحظه، خطوط الدهشه ارتسمت على وجهها وهي تحاول استيعاب ما قيل للتو طالعت ابنها بعدم فهم سائله باستغراب شديد:
ـ وإيه اللي بيقطفوله الملوخيه ده كمان
رفع ” طه ” يدهُ ليسند بها رأسه على الڤاترينه الزجاجيه للأدويه ، وعيناه تضيقان ببسمه سمجه قبل أن يرد:
ـ قصدها كاتفلاي للسخونيه
.
. .
. .
.
. . .
. .
. .
– نزلني هنا يابني
قالتها “نعيمه” برجاء واعترض عمر عليها بقول :
ـ أنزلك فين ياحجه ، احنا لسه ماوصلناش للمستشفى
أشارت لهُ ناحيه قدميها تحركها بتمكن :
ـ بص كده الخبطه خفيفه أنا رجلي سليمه وزي الفل مش محتاجه مستشفى ولا حاجه
حدثها بهدوء منافي تماماً بما داخله :
ـ ايوه بس برضوا لازم اطمن عليكي
نطقت بنفاذ صبر :
ـ اسمع كلامي يابني انا لازم اروح اشوف عيالي عشان انا كده اتأخرت عليهم
فعرض عليها طالباً :
ـ طيب قوليلي فين عيالك وانا اوصلك لحد عندهم
طالعته ” نعيمه ” بامتنان :
ـ مش عايزه اتعبك معايا السكه من هنا طويله
هز رأسه موافقاً وهو يقول باسماً :
ـ تعب ايه بس ياحجه انا زي ابنك ، وبعدين أنا راضي بس المهم ماسبكيش الا اما اطمن عليكي واسيبك وسط ولادك هو أنتِ عيالك فين بالظبط
أشارت له برأسها للأمام تعلمه وجهتها وهي تقول :
ـ أطلع على قريه عارف
أوصلها ” عمر” الى وجهتها وبهت وجهه وعاد بنظراته اليها :
ـ احنا بنعمل ايه في الترب هنا ياحجه بالليل كده
ابتسمت ” نعيمه ” تحمل حقيبتها بين يديها تهبط من السياره شاكره :
ـ تشكر يابني على توصيلتك ليا
لم يكن في المكان سوى صمت ثقيل يخترقه نباح الكلاب البعيد، وقبور متناثره تتحدى استواء الأرض، كأنها حكايات قديمه غاصت في الرمل ولم تجد من يقرأها وقف يتأمل المشهد، وقد انتفض قلبه بخوف غامض حين رأى “نعيمه ” تتقدم بخطى مثقله نحو المدافن كانت خطواتها كمن يسير فوق حافة الألم، كأن الأرض نفسها تتآمر لتثقلها أكثر.
تبعها دون أن يعي السبب، كأن ظله كان مشدودًا إليها بحبل من فضول وريبه ، حين اقترب من المدفن الحديدي، أضاء مصباح هاتفه، لتقع عيناه على لوحه عُلّقت على الباب، نُقش عليها بحروف داكنة “مدفن عائلة آل موسى”.
ازدادت حيرته، ففتح الباب بخفه ليجدها واقفة في الداخل، محاطة بخمسة قبور، كأنها جزء من تلك الوحده المخيفه
تقدم نحوها، محاولًا أن يفهم سر هذا اللقاء الغريب بين امرأة مسنه وبين صمت الم..وت ركز ضوء الهاتف على القبر الأكبر في المنتصف، فرأى رخامًا أبيض نقيًا، محفوفًا بعمودين، ومنقوشًا عليه اسم “موسى ظهران ” بلون أسود شديد الوضوح كان القبر كأنه مركز الحكايه ، بينما تحيط به أربعة قبور أصغر حجمًا، لكنها لا تقل حضورًا ، قرأ الأسماء واحده تلو الأخرى:
“لقمان نصار “، ثم “يحيى نصار”.
قلبه صار يضرب كطبل أجوف، وكلما نقل الضوء إلى قبر جديد، كان شيء داخله ينكسر هناك على اليسار، قرأ أسماء القبرين الآخرين:
– “آدم نصار ” و ” أنس نصار ”
أصابته قشعريره بارده حين تأمل التواريخ المنقوشه كان الم..وت قد جمعهم جميعًا في يوم واحد، 31 ديسمبر. أما أكبرهم، لقمان، فقد توقفت حياته عند ثلاثين عامًا فقط، بينما توزعت بقية الأعمار بين عشرون والثامن والعشرون عامًا.
ارتبك، كأن أنفاسه تتعثر في صدره، لكنه نظر نحو تلك المرأة التي بدت كأنها تقف على حدود عالمين، لا تنتمي إلى الحياة تمامًا، ولا يغمرها الم..وت كليًا.
لم تقل كلمه ، لكن عيناها تحكيان قصة لا يستطيع فك شفرتها.
حينما اقترب منتصف الليل، أخرجت من حقيبتها قالب كعك، كأنه شيء مقدس حملته بعناية كأم تحمل جنينها وضعته برفق على قبر “موسى” ، ثم أشعلت شمعه صغيره وسط الظلام لم تكن الابتسامه التي ارتسمت على وجهها فرحه، بل كانت مزيجًا من الحنين الموجع والشوق الذي ينهش القلب نظرت إلى القبور بنظره مشبعه بالشجن، وهمست بصوت يشبه الأغنيات الحزينه:
ـ ماقدرتش اعدي يوم ميلادي من غيركم ياضي عيوني
وحين دقت الساعه منتصف الليل، اطفأت الشمعه، كما لو أنها سلبت آخر ما تبقى في قلبها من نور.
انهمرت دموعها بصمت، وكأنها تُطفئ نارًا عاشت طويلاً في صدرها لم تكن تبكيهم فقط، بل تبكي نفسها، تبكي ذلك الجزء من حياتها الذي دفنته معهم
تراجع ” عمر” بضع خطوات إلى الوراء تقرب الى التسحب ، عيناه مثبتتان على المشهد الذي أمامه، قلبه ينبض بقوه كأنما يريد أن يهرب من صدره لم يجرؤ حتى على التفكير في السؤال الذي يتردد في عقله
ـ ياترى دول أولادها
لم يكن هناك حاجة للسؤال، الإجابه كانت واضحه ، محفوره على ملامحها وهي تبتسم لهم برقه أم تحتفل مع أبنائها ، أبناؤها كانوا هم من اختارت أن تبدأ معهم عاماً جديداً، أن
تفتح لهم صفحة أخرى من حياتها.
ابتلع ريقه بصعوبه ، وعيناه تهربان منها ومن الحقيقه التي طُرحت أمامه بلا رحمه استدار بأرتباك وسار نحو سيارته، خطواته متعثره كأن الأرض تهتز تحت قدميه فتح باب السياره بعصبيه ، يداه ترتجفان كأنهما عاجزتان عن تنفيذ أبسط الحركات أدخل المفتاح في المكان المخصص لهُ ، لكن اهتزازه العنيف جعله يسقط من بين أصابعه إلى الأرض انحنى بسرعه ليلتقطه، وصوت أنفاسه يعلو كأنه يحاول السيطره على عاصفة تشتعل داخله
وفي تلك اللحظه، كسر صوت هاتفه رتابة الليل.
وقف متجمداً للحظه، ثم أخرج الهاتف من جيبه بيد مرتعشه ، ما إن رأى اسم زوجته “رحمه”، حتى شعر بنوع من الطمأنينه، أو ربما نوع من الهروب. تنفس بعمق وضغط على زر الإجابه بصوت متوتر، يكاد يخفي ارتجافه:
ـ رحمه … أنتِ فين يا رحمه؟
جاء صوتها من الطرف الآخر، حاداً ممتزجاً بنبره من العتاب:
ـ أنا برضوا اللي فين ياسي عمر ؟ أنا اللي قاعده لوحدي؟ دي آخرها؟ تعدي رأس السنة وتسيبني؟ أنا هخرب بيتك لما أشوفك!”
حاول تهدئتها، رغم أنه بالكاد يستطيع تهدئة روحه ارتبكت كلماته وهو يقول:
ـ اهدي…
اهدي يا رحمه، أنا جاي حالاً الطريق زحمه بس أنا في السكه
بينما كان يتحدث، لمح زاوية شاشة هاتفه. البطاريه كانت على وشك النفاد، 2% فقط تفصله عن الانقطاع التام صوته أصبح أكثر توتراً، وأكمل:
ـ التليفون ممكن يفصل في أي لحظه ، وانا مش معايا شاحن بس أنا خلاص قربت، دقيقه وهكون عندك
لكنه لم يكن يعرف أن “دقيقه” قد تتحول إلى أبدية فجأه، انقطع الاتصال ، الهاتف أطلق أنينه الأخير، ثم خفتت شاشته.
حاول” عمر ” أن يشغل الهاتف من جديد، لكن لا جدوى وضع الجهاز بعصبيه على لوحة القياده، بينما تنفلت منه تنهيده ثقيلة أشبه بصرخه مكتومه.
داس على دواسة البنزين بنية اللحاق بالوقت الذي يبدو أنه قرر معاقبته تلك الليله لكن القدر كان يحمل له مفاجأه أخرى ، صوت انفجار مدوٍ صدم أذنيه، واهتزت السياره بشده توقف على الفور، قلبه يخفق كأنه يحذر من شيء أسوأ نزل ليتفقد الأمر، ليجد أحد إطارات السياره وقد مزقته شظايا زجاج متناثره على الأرض انحنى على ركبتيه، يحدق في الضرر كأن عقله يرفض استيعاب ما يحدث وقف سانداً بظهره على باب السياره ينظر الى السماء التي لم يكن بها قمراً تلك الليله فقط نجوم متباعده ، وكأنها تشاهده من بعيد دون اقتراب زفر بتنهيده عميقه يتمتم من بين شفتيه :
ـ يارب ، ده اختبار ده ولا عقاب
صرخ بغضب مكتوم، وصوت أقدامه يركل الحطام بعصبيه توجه إلى صندوق السياره ليتفقد الإطار الاحتياطي، لكنه تذكر فجأه أنه أخرجه في وقت سابق ولم يعيده
وقف هناك، في ظلام المدافن، محاطاً بصمت ثقيل وبرودة تلتف حوله كحبل مشنقه لا هاتف، لا سياره، ولا حتى سبيل للخروج من هذا المكان الذي بدا وكأنه حُكم عليه بالبقاء فيه وحيداً، مع أفكاره التي تحاصره بلا رحمه قطع حبل افكاره صوت نعيمه التى تقف خلفه سائله بنبره مبطنه بالدهشه :
ـ أنتَ لسه ماروحتش
انتفض جسده والتف مسرعاً اليها زادت نبضات قلبه عند رؤيتها تكاد ان تسمعها من كثرة خفقانه تستقبل صمته ، اعادت سؤالها بحيره :
ـ انتَ كويس يابني مامشيتش ليه ، ايه اللي موقفك هنا لوحدك
اسئله سؤال تلو الأخر يستقبله بعينان تائهتان في ملامحها التي تحمل هدوءًا غريبًا وكأنها اعتادت على المكان وظروفه حاول أن يبدو طبيعيًا وهو يقول بصوت متردد:
ـ أنا كنت مروّح ، بس كاوتش العربية فرقع، والتليفون الشحن خلص منه مش عارف أتصل بحد ييجي ياخدني
رفعت حاجبها وهي تنظر إلى وجهه الذي صار شاحبًا، كأنه يحمل لون الم..وتى، وقالت بنبره شبه
مطمئنه :
”
ـ طيب ، ومالك بتعرق كده ليه؟
ابتسمت ابتسامه حانيه تسترسل :
ـ إحنا في ديسمبر، يعني الجو زي التلج
ولو على التليفون فانا معايا تليفون…
سيباه هناك في الشنطه اتصل بحد ييجي ياخدك بدل ما انت واقف كده ، الدنيا ليل، زي ما انت شايف، والمقرئين والزوار مش هييجوا إلا الصبح
أومأ برأسه بالموافقة وهو عاجز عن الرد تحركت نحو المدفن الخاص بعائلتها، فتبِعها بخطوات ثقيله ، كأنه يسير إلى مصير مجهول دخلت هي إلى الداخل، لكنه ظل متجمداً عند عتبه الباب، لم يجرؤ على الاقتراب أكثر أخرجت الهاتف من حقيبتها، والتفتت لتنظر له لتجدهُ يقف خارج المدفن، عينيه معلقتان بها لكنه متجمد في مكانه. ابتسمت وقالت بنبرة تجمع بين الدعابة والحقيقه:
ـ أنا عارفة إنك خايف… بس يا ابني الخوف مش من الميتين…
الخوف أكتر من الصاحيين
تجاهل تعليقها ولم يعلق، فقد كان عقله مشغولًا بالتخلص من هذا الوضع الغريب كل ما أراده هو الحصول على الهاتف والاتصال بشخص ينقذه. أمسك الهاتف واتصل بأحد أصدقائه، وبعد عدة محاولات اكتشف أن لا أحد يستطيع الوصول إليه قبل صباح الغد الجميع تحدث عن زحمة الطرق وصعوبة التحرك أغلق الهاتف وهو يتنهد بعمق، وكأن الأمل قد تبخر :
ـ مافيش فايده
التفتت نعيمه إليه وهي تبتسم ابتسامه هادئه، وكأنها تعرف مسبقًا ما حدث، وقالت:
“الظاهر إن لينا نصيب نقعد مع بعض كام ساعه كمان
لم يرد عليها، لكنه نظر حوله كمن يحاول الهروب بعينيه من الواقع بينما هي تحركت بهدوء نحو قبر “موسى” مدت كف يدها خلفه و أخرجت من جانبه “بابور” قديم و”بردا ” معدني ، ومن حقيبتها الصغيره زجاجة ماء وكيسًا يحتوي على السكر والشاي بدا واضحًا أنها زائره معتاده لهذا المكان، وكأنها تعتبره بيتًا آخر شغلت الكانون ووضعته على الأرض، ثم ملأت البراد بالماء ووضعته فوق النار المشتعله
رفعت عينيها نحوه، وهي تمسك بالبراد تسأله بهدوء :
ـ أعملك معايا شاي ، عشان تبلع بي كيكه عيد ميلادي
بدت كلماتها عاديه ، لكنها حملت بين طياتها هدوءاً أربكه حدّق فيها لبرهه ، ملامحه كانت مرآة لخوفه، صامتاً كأنه يخشى أن يخطئ التقدير أدركت ما يجول في داخله، فهمت تردده، فابتسمت بخفه وهي تحتسي أول رشفه من كوب الشاي، ثم مدّت إليه كوباً آخر وقالت بلطافه:
ـ ما تقلقش…
ما حطيتلكش في حاجه
تردد للحظه ، لكنه أخذ الكوب في النهايه ، وبمجرد أن لامست أصابعه دفء الكوب شعر بشيء من الطمأنينه أخذ رشفه صغيره وهو يراقبها بحذر
قطعت قطعه من الكيك بجانبها، قطعت منها لقمة وأكلتها أمامه بابتسامه عفويه ، ثم عرضت عليه:
ـ تاخد حتة كيك؟ ده أنا عملاها على طريقة أنَس، ابني… هتعجبك قوي.
تلك الابتسامه ، الهادئة كنسيم الفجر، جعلته يشعر بشيء مختلف مد يده وأخذ قطعه صغيره وحين تذوقها انطلق لسانه دون أن يدري:
ـ الله! حلوة قوي الكيكة دي…
دي أول مرة أكل كيكه حلوه أوي بالشكل ده
ابتسمت مجدداً، لكن هذه المره كانت ابتسامتها مختلفه، مختلطه بحزن قديم سكن عينيها، وقالت بصوت يحمل الكثير من الذكريات:
” دي طريقة أنَس، ابني… الله يرحمه. كان بيحب الطبخ زي عينيه كان نفسه يبقى شيف مشهور، لكن الدنيا استكترت عليه فرحته وبقى زي ما انت شايف كده قدامك
تنهّدت بعمق، وكأن أنفاسها كانت تحمل معها ثقل الحكايه لم يستطع مقاومة فضوله، نظر إليها وقال بصوت حقيقي لأول مرة:
ـ إيه اللي حصل لأولادك
انقبض قلبها فجأة، وارتجفت يداها دمعت عيناها دون استئذان، لكنها لم تنظر إليه مباشرةً قالت بصوت متقطع:
دي حكاية طويله ، ما تتحكيش باختصار
أصرّ، بصوت هادئ يحمل مزيجاً من الاهتمام والشفقه :
ـ طب احكي الليل لسه طويل ، وإحنا قاعدين ما ورناش حاجة لحد الصبح
ترددها كان واضحاً، لكنها رأت في عينيه اهتماماً صادقاً ربما لأول مره شعرت أن أحدهم يريد أن يسمعها، لا مجرد سماع كلماتها، بل سماع قلبها.
حدّقت في النار الهادئه ، ثم بدأت تحكي صوتها يحمل وجع السنوات، وطريقتها في تحضير الكيك، واحتفالها مع أولادها الخمسه الذين أصبحوا الآن مجرد ذكرى
كل تلك الصراعات كانت تثقل كاهلها، لكنها حملتها بصمتٍ غريب، كأنها تروي للعالم بصبرها:
أنا أقوى مما تظنون، وأضعف مما أظهر
كانت عيناها مليئتين بحكايات لم تخرج إلى النور، مشاعر مكبوته تناستها مع الوقت، أو هكذا تظاهرت وكأن كل دمعه لم تنزل كانت تعبر عن صرخه مكبوته في قلبها، وكل ابتسامه منكسره كانت تخبر الحياه: “لن تهزميني، مهما حاولتِ.”
كانت تنظر إلى النار المتراقصه أمامها وكأنها ترى انعكاساً لوجعها، وكأن الشراره التي تشتعل وتخبو تمثل سنواتها التي احترقت ببطء دون أن ينطفئ وهج روحها رغم الحزن الذي يلف ملامحها، كان فيها ثبات غريب، ثبات الأم التي فقدت، المرأة التي جرّدت ، والإنسانه التي اختارت أن تبقى واقفه حتى حينما كان السقوط أسهل.
بكلماتها البسيطه ، بابتسامتها التي تحمل نقيضها، كانت كأنها تقول:
“الحياة أخذت مني أغلى ما أملك، لكنها لم تأخذ مني إيماني بأنني سأبقى، ولو للحظة أخرى.”
يتبع….