-مشاكل مع شهاب وأصحابنا وهو مُصر يوقعني في الغلط معاهم، ومش عاوز أخسر حد، ومش مقدر يا رقية اليوم ده والضغط اللي أنا فيه، بالعكس زي ما يكون بيزود فوقي أكتر بتلميحاته وكلامه المستفز. تراجعت عن إصرارها الذي كانت تتشبث به منذ قليل في معرفة ما يدور بينه وبين شهاب، وقررت أن تترك أمر علامات الاستفهام التي تهاجم عقلها بين حين وآخر وتحاول إيجاد مبررات له، ربما لم يخطأ حمزة، وهي بدأت تتعلق به كالمجنونة، فبدت كالأم التي تريد تعقبه في كل صغيرة وكبيرة..
تنهدت بخفوت وهي تحاول رسم ابتسامة صغيرة فوق ثغرها، تهتف بهدوء وصوت حاني علها تخرجه من دائرة الضيق التي استوطنت ملامحه وجسده : – أنت صح، كان المفروض يقدر حاجه زي دي، سيبك منه، وتعال أفرح بتعبك ونجاحك، يلا. أومأ لها بصمت، وتحرك معها لداخل دون أي طاقة، رصيده بدأ بالنفاذ، حتى أنه تمنى أن يصمت للأبد حتى لا يتفوه بأي أكاذيب أخرى، وتزيد عليه همومه، وتقتـ,ــ,ـل معها ما تبقى من روحه.
أصبح الطريق أمامه مشوش، وأهدافه التي كان يسعى لتحقيقها في البداية ضاعت كالسراب، حتى مبادئه واحترامه لذاته تشوهت بندوب عميقة يصعب معالجتها!.
*****
بعد مرور يومان. استيقظ حمزة في وقت باكر بجسد يطالب بالراحة، أو ربما لم يعد لديه القدرة على استكمال حياته، لقد تآكل شغفه بنيران الكذب والخداع. هز رأسه ينفض أفكاره المظلمة، فلا وقت لدية كي يستسلم إليها، ويغوص في وصلة لتعذيب الذات لا تنتهي، انتقل في غرفته بآلية، يرتدي ثيابه وعيناه تعافر مشهدها وهي تحت سطوة اعترافه بحبه لها، وملمس شفتاها الرائع الذي لم يترك عقله تفصيله إلا وتذكرها.
ضـ,ـرب على الدولاب بيده بقوة، متمتمًا بكلمات لاذعة لنفسه من بينها “غبي”، ولكن حنينه إليها في وقت غيابها، يعتصر فؤاده، وكل ذلك بسبب دقات قلبه اللعينة التي تشتاق إليها ولا يعرف طريق لإسكاتها. رفع بصره الفصل التاسع – رقية أنا… هتف بها حمزة بنبرة منكسرة ذبحته وخاصة مع تجسد مرارة فعلته أمامه. قاطعته ونزيف الحزن يقطر من مقلتيها : – مش عاوزة أسمع كلمة منك. صمتت لبرهة تستجمع قواها وكبرياؤها الذي حطم على يد من امتلك قلبها في لحظة غدر وخداع، رفعت بنصرها تخلع منه قيدًا ذهبيًا اختارته يومًا وظنت أنه هو الرابط الوثيق الذي يتوج علاقتهم للأبد :
– دبلتك أهي خدها، واعمل في حسابك أنك هتطلقني. ألقته بوجهه فسقط أرضًا تحت قدمه، وبدون أي كلمات أخرى قد تزيد من جرحها، وتهدر بقايا كرامتها اتجهت صوب الخارج بأقصى سرعة لديها، ورغم أن الرؤية كانت لديها شبه معدومة؛ بسبب ذلك الغلاف الرقيق الذي تكون من دموعها الحزينة وأعاق بعض تحركاتها، إلا أنها كانت ترى أمامها طريقها الوردي الذي قد خطت فيه من قبل بإرادتها يتحول إلى شيء يصعب وصفة، لآخر مظلم وقاسٍ، وما أدراك حين ينبثق الظلام من رحم الحب!.
اندفع حمزة خلفها يحاول منعها بكل قوته، رقية تستحق التبرير، تستحق أن يوضح لها سبب موافقته منذ البداية، تستحق أن تعلم مقدار حبها الذي يتملك منه في الثانية آلاف المرات.. وضعت أيسل يدها تمنعه من الخروج من الغرفة قائلة بنبرة عدائية رغم تلك الدموع المتساقطة فوق وجهها من حزن وقهر مما حدث لشقيقتها.. – متفكرش تروح وراها، أنا همنعك. – سيبني الحقها. هتف بها حمزة بعصبية مفرطة، فلا وقت لديه في خوض جدال لن يحل شيء، فالوضع الآن لم يعد يحتمل شيء، فبدت وكأن سماء حبه تحولت فجأة إلى غيوم.
تقدم شهاب منهما بعد وقت طويل استغرقه في الصمت، وعقله كان يعمل بقوة ليخرجه من ذلك المأزق الذي حشر به. – أيسل سيبه. تحولت أيسل فجأة من تلك الفتاة الرقيقة الناعمة، لأخرى شرسة تريد اقتناص حق شقيقتها من ذلك الذئب البشري والذي قد أزال قلبه ووضع مكانه حجرًا حتى يفعل ذلك. – أنت مالكش دعوة، اسكت خالص. استغل حمزة تحول انتباهها نحو شهاب، وقرر أن يفلت يده من قبضتها، وتحرك بلهفة عاثت في أروقة قلبه، بحثًا عنها رغم علمه بأن عاصفتها بالتأكيد ستكون عاتية من شدة غضبها.
انطلق في الخارج يبحث بعينيه التي كانت تحارب بعض دموعه من السقوط، لتعلن عن نهاية ثباته، وبداية هزيمته واعترافه بأن ذلك الفراق ما هو إلا بابً من أبواب الحب المجهولة، تخفي خلفها ذاتنا المحطمة وقلوبنا المنسكرة!. لمحها على بعد مسافة من الكافية تحديدًا في نهاية الطريق، ركض سريعًا يحاول اللحاق بها، وما إن اقترب منها حتى وجدها تسير بخطوات مبعثرة تبكي بانهيار وصوت شهقاتها يمزق أحبالها الصوتية، بالتأكيد لو سمعها أغلظ القلوب، لانهارت حزنًا عليها.
– رقية، اقفي، استنى. التفتت فجأة نحوه، فتراجع هو للخلف خطوة حتى لا يفقد توازنه ويسقط عليها بسبب اندفاعه خلفها. خرجت أنفاسها الملتهبة، تلهب مشاعره أكثر، قائلة بنبرة أشبه للصراخ : – أنت جاي ورايا ليه، مش كفاية اللي عملته فيا. تريث لثوان، محاولاً إيجاد كلمات تقنعها بالهدوء والاستماع له، ولكن شعورًا باليأس تسلل لقلبه، وأحس أنه سيكون حائلًا بينهم، ولكنه لا يجب ان يستسلم، فعاد وقال بنبرة رغم هدوئها، كانت مهزوزة ضعيفة :
– رقية حبيبتي اهدي واسمعيني. ضحكت بصوت مرتفع ساخرة، قائلة بصوت متحشرج مختنق : – حبيبتك!!، وليك عين تنطقها وتقولها، بذمتك مش مكسوف من نفسك وأنت بتمثل عليا الحب، مش مكسوف وأنت بتضحك على بنات الناس، تخليني أنا رهن لعبة حقيرة بينك وبين صاحبك. – رقية اسمعيني أنا عاوز افهمك، وافقت ليه. قاطعته حينما أشارت له بيدها وهي تتشدق بتهكم : – مبقاش ينفع، هيفدني بأيه، هسامحك مثلاً، أبدًا عمره ما يحصل، أنت سيبت علامة سودا في قلبي.
أخرجت حروف جملتها الأخيرة بألم كاد يشق قلبها لنصفين، بل هو انشق بالفعل منذ استماعها لحديثهما بصدمة زلزلت كيانها. أغلقت عينيها وفتحتها بوهن، تقول برجاء نابع من قلبها المفطور حزنًا على حالها : – أبعد عني، أنا مأذتكش في حاجة، ليه مُصر تكسرني. أشار على نفسه مبررًا بلهفة ضعيفة : – أنا عمري ما فكرت أكسرك. – وقوفك قدامي في حد ذاته بيوجع قلبي، حتى مش طايقة أشوفك، واعمل في حسابك أنك هتطلقني.
التفتت مرة أخرى، مقررة المغادرة من هذا العبث القاتل لقلبها، بينما هو استمر متحدثًا خلفها بكلمات ضعيفة، يقدم قدم ويأخر الأخرى، لم تعد لديه القدرة على مواجهتها وهي في أوج انفعالها، فملامحها الحزينة تعيق طريقه الذي قد أقسم منذ دقائق في الركض به، ليحاول إرجاعها لقلبه مرة أخرى ولكن هذه المرة بصورة نقية عذبة، لا يشوبها أي شائبة قد تعكر صفو حياته معها فيما بعد. ***
كانت أيسل تحاول فتح باب الغرفة؛ بعد إغلاق شهاب له وتمسكه بمقبض الباب بقبضة فولاذية كي لا تهرب هي الأخرى منه.
وبعدما فشلت محاولاتها هتفت بنبرة مجنونة مهددة له بأصابعها المهزوزة من فرط عصبيتها وانفعالاتها : – افتح بقولك، والله اصوت والم الناس عليك.