Uncategorized

لعبه الهوي زيزي محمد

أردف شهاب بطريقة جدية وحادة : – اسمعيني الأول. فهزت هي رأسها في رفض قاطع، تقول من بين أسنانها مغتاظة من حدته وجرأته في الحديث معها وهو من المفترض أن يبكي ندمًا لذلك الذنب القاهر الذي أقدم عليه بتفكيره الشيطاني ذلك : – أنت كمان ليك عين، تقف وتتكلم وتبرر. وفي الحقيقة هي كانت طريقة لجأ إليها شهاب حتى يحاول إخضاعها، وامتصاص غضبها، ظنً منه أن في هدوئه ضعف ثائرتها ، ولكنه لم يحسب حساب شيئًا واحد، انها لن تمضي معه خطوة أخرى في طريقهما، وأن ما فعله بشقيقتها ليس إلا فعل دنئ.

رفضت النظر إليه بعدما تحطمت صورته أمامها، لا تطمح أبدًا بأن ترتبط بشخص تتأصل الندالة في صفاته، ليذهب الحب إلى الجحيم، ولن تظل في تلك العلاقة أبدًا. – أنا بحاول أكلمك، وأنتي مش مدياني فرصة. صرخت في جنون لتقول : – ولا هديك، أنت من اللحظة دي برة حياتي، ودبلتك اهي خدها، ميشرفنيش إنك تبقى في حياتي وأنت أسود كده من جواك، طلقني حالاً. قالت جملتها الأخيرة باستحقار زعزع حدته التي كان يتشبث بها منذ قليل.

– أنا عامل ده كله علشان تفضلي معايا، رقية كانت هتفرقنا. أشارت نحو عقله قائلة في استهجان : – ده في خيالك المريض بس، أنا أختي أكبر من كده، وتصدق فعلاً يا شهاب، هي كانت صح في كل كلمة قالتها عنك قبل كده، أنت ميهمكش غير مصلحتك وبس، والباقي كله تحت جزمتك. حرك أصابعه من فوق المقبض في إحراج بعدما تعرى هكذا أمامها واستطاعت هي بكل جرأة مواجهته دون خوف، وإبراز عيوبه في نقاط قوية.

استغلت هي زعزعته، وفتحت الباب ثم خرجت من تلك الفتحة الصغيرة، ومنها إلى الخارج، تبحث عن رقية بلهفة وخوف، حتى وجدتها تسير في نهاية الطريق وحمزة خلفها، انتبهت لبوق سيارة أجرى من خلفها، فالتفتت وقررت إيقافها، ركبتها سريعًا وانطلق بها السائق بعدما أشارت له بالاستمرار في السير للأمام، وعندما اقتربت من رقية، توقف السائق بأمر منها وفتحت الباب قائلة بصوت مرتفع قليلًا : – رقية تعالي اركبي.

حولت رقية بصرها، تأكدت من وجود أختها بالسيارة، ركبت بجانبها في ثوان، تاركين حمزة يقف كالطفل الصغير الذي لا يجيد التصرف، ضائع في صحراء جرداء، لا وجود للماء ولا الطعام، وكل ما يهمه استعادة نبضات قلبه. **** تحرك حمزة نحو الكافية مجددًا وتبخرت معه كل آماله، عقله مشوش من الأفكار التي مازالت ترهق في خلاياه، أما عن قلبه تكدست المشاعر به، فشعر بضيق يحتل صدره، يحبس معه أنفاسه، ليحسرها بين رئتيه.

قابله في منتصف الطريق، شهاب الراكض اتجاهه..يقول في لهفة وقلق : – قدرت تتكلم معاهم. هز رأسه في نفي، والتزم الصمت بينما كان يسير في طريقه الذي أصبح مشوش لديه. أوقفه شهاب مرة أخرى، مغتاظًا حينما شعر بتجاهله، فقال بعصبية : – ما تقف تكلمني ياعم، سايبني أهري مع نفسي. استدار حمزة له وعيناه كانت تطلق شرارت الغضب والكره، حتمًا لو طالته لأحرقته، ليشعر بما يندلع بصدر حمزة، فقال من بين أسنانه :

– اهري مع نفسك، علشان ده أنسب حل ليك يا شهاب على الورطة اللي حطتنا فيها كلنا. برزت عروق شهاب الغاضبة، ليقول بنفاذ صبر ، بعدما طفح الكيل به من تأنيب الضمير الذي بدأ يحتل حديث حمزة مؤخرًا، ومما زاد الطين بله، هو نظرات أيسل له، وكلماتها التي أصابت قلبه في مقـ,ــ,ـتل. – أنا..أنا، هو كل حاجة فوق دماغي، ما أنت كنت معايا من الأول، ولا يكون غصبتك مثلاً، وأنت عيل يا حرام سمعت كلامي، خوفً مني.

لم يتحدث حمزة بل اندفعت يداه المتكورة في غضب، يلكم وجه شهاب في غيظ وكره، ترنح شهاب للخلف أثر تلك اللكمة المفاجئة، والتي لم يكن يتوقعها أبدًا، وابتسم ساخرًا، بعدما نجح في إخفاء صدمته، مردفًا : – بتمد إيدك عليا، فاكرني مش هقدر اردهالك مثلاً. ضـ,ـربه حمزة بكلتا يداه في صدر شهاب، هاتفًا بغـ,ـضب وانفعال : – ولا تقدر، ابعد عن طريقي أحسنلك، كفاية إنك سبب المصايب في حياتي، أنت أذى والقرب منك شر.

حرك شهاب رأسه يمينًا ويسارًا يحاول التحكم في غضبه متحدثًا بهدوء زائف : – كلمني بأسلوب أحسن من كده يا حمزة، أنا مش شغال عندك، أحنا في مركب واحده، ومعلش يعني أنت مش هتصلح علاقتك برقية على قفايا، واطلع أنا ابن كلب في الأخر. اقترب منه حمزة يهمس بفحيح وحثته نواياه على نشب شجار مع شهاب، لينفث به غضبه الذي يتملك بكل ذرة في كيانه : – ما أنت فعلاً كده يا شهاب.

ضـ,ـربه شهاب بلكمة قوية، وقع حمزة على أثرها على ظهره، ولكنه سرعان ما وقف مرة أخرى، وصفع شهاب بقوة، فرد الأخر له، فبدوا وكأنهم بلحبة مصارعة، يقاتلون بشراسة، كلاً منهما كان يحركه دوافع مختلفة، لم يشعرا بأن الصفعات واللكمات طالت وجوههم لتترك أثر واضح عليها، انتهت المعركة حينما أوقع حمزة شهاب ووضع يداه حول عنق شهاب يخنقه بغل، فكاد غضبه يعمي بصيرته بعدما خرج عن طور تعقله، والأخر كان يصارع يد حمزة القوية القابضة فوق عنقه..انتبه أخيرًا لِمَ يفعله، فابتعد عن شهاب ببطء بعدما بدأت قوته في النفاذ، هاتفًا بضعف وصوت مجهد :

– قولتلك ابعد عني، أنا مش طايق نفسي. نهض حمزة مرتبًا ثيابه، ثم خطى خطواته نحو الكافية في بطء وحزن لِمَ حدث اليوم. أما شهاب فنهض في صعوبة، بعدما انهمك جسده في ذلك الشجار، الذي كان من المفترض أن يبتعد عنه بكل الطرق السليمة، حمزة يتفوق عنه جسديًا ورياضيًا، وبالتالي المعركة لم تكن في صالحه. ****

صعدت رقية الدرج وبجانبها أيسل، التي لم تتفوه بأي كلمة حتى لا تجرح شقيقتها أكثر من ذلك، يكفي ما تشعر به، ولن تزيد فوق قدرتها، بالإضافة إلى ما تشعر به من خذلان أصاب قلبها على يد شهاب، من الواضح أن رؤيتها للشهاب كانت زائفة، ورغم أن فضولها كان يدفعها إلى أن تقف لتستمع له، إلا أن قلبها رفض مكتفيًا بالأسباب الواهية التي احتلت حديثه. وقبل أن تصعد أيسل الخطوة الفاصلة عن باب شقتهم، أوقفتها رقية بصوتها المبحوح ووجها الشاحب تقول بتردد :

– آآ..أيسل كنت عاوزة أقولك حاجة. ربتت أيسل فوق يدها بحنو، مردفه : – قولي يا حبييتي، أنا سامعكِ. مسحت رقية عبراتها الهابطة فوق وجهها، تسرد حزنها وانكسارها بين تساقطهم المستمر : – ياريت متقوليش لبابا وماما حاجة من اللي حصلت النهاردة. صمتت لبرهة، قبل أن تعود وتسطرد حديثها في انكسار : – مش هقدر اتحمل نظرات الشفقة منهم. عضت أيسل فوق شفتيها السفلي، ثم همست بتردد :
– طيب وهتعملي مع حمزة إيه!.

هدرت رقية بصوت عنيف وحاد : – متجبيش اسمه قدامي، أنا بعد كده هبقى أشوف أي حكاية اقولها لماما تنفع تكون سبب انفصالنا. طوقت أيسل خديَّها تهمس بصوت حاني ودافئ : – ماشي، أنا مش هتكلم ولا هقولها حاجة، بس أنتي حاولي تخرجي نفسك من الحكاية دي بسرعة، واحمدي ربنا ان خطوبتك مطولتش ولا لحقتي تتعلقي به، وده مجرد كتب كتاب، مش جواز فعلي.

آه قوية ودت أن تخرجها للعلن، لتعبر عن كم الألم الذي تشعر به وهو يتوغل داخل ثنايا قلبها، كلمات أيسل كانت الخنجر والذي غرس بقوة في قلبها، فذلك الخذلان الذي داهم قلبها، جعلها مثيرة للشفقة، وأي درجة من درجات الشفقة وقلبها قد حطم بذلك الشكل!.

ورغم أن الكلمات بدأت في التسابق على طرف لسانها، إلا أنها فقدت القدرة على ترجمة ما تشعر به، فاكتفت بكتم مشاعرها داخلها. ****
صباحًا تحركت أيسل في فتور، تساعد والدتها لإعداد وجبة الأفطار، كانت صامتة أغلب الوقت، لم تتحدث سوى ببعض كلمات بسيطة وكانت أغلبها إجابات مختصرة على أسئلة والدتها، عيناها كانت عبارة عن كتلة من الدماء، يغلب الانتفاخ عليها، أما الحياة فكانت شبه منعدمة من ملامحها.. أحيانًا كانت مقلتيها تخونها ويهبط منهما دموعًا بسيطة، تحرك مشاعرها الملتهبة بعدما كانت تحاول اخمداها في وجود والدتها..

ومن فرط حزنها كان انتباهها شبه معدوم، فسقط الصحن أرضًا وتناثرت قطعه في أرجاء المطبخ، اندفعت بطريقة هوجاء نحو القطع الصغيرة غير منتبهة لحدتها، أو غير مبالية، فهي الآن في حالة تجعل ذلك الجرح الصغير الذي شق أصبعها لا تشعر به، ف
بالتاكيد ليس بقدر آلام قلبها.

انت في الصفحة 11 من 19 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى