Uncategorized

لعبه الهوي زيزي محمد

منعتها والدتها من استكمال ما تفعله، وساعدتها على النهوض، ثم جذبتها نحو الصنبور تغسل إصبعها بعناية، ومن ثم جلبت صندوق الإسعافات وبدأت في تنظيف الجرح، كل هذا يحدث ولم تنبس شفاتها بأي كلمة، ولكن لعيناها رأي آخر حينما اندفعت الدموع منها تتسابق كالشلالات فوق صفحات وجهها الحزين والمنكسر. فقالت والدتها بتوتر، يحمل ضيقًا بالغًا من صمتها الطويل، وهيئتها الحزينة : – مالك. مدت يدها الثانية تمسح دموعها سريعًا، ثم رسمت فوق ثغرها ابتسامة باهتة، وهي تقول بنبرة ضعيفة تغلب البحة عليها :

– مفيش، ايدي بتوجعني بس. – بس من قبلها وانتي كنتي زعلانة، وبتعيطي، فاكرني مش واخدة بالي. قالت والدتها في إصرار، فردت أيسل في ارتباك : – لا أنا تمام مفيش أي حاجة، بس ممكن علشان متخانقة مع شهاب شوية. جذبت يدها من يد والدتها، واتجهت صوب الخضروات تقطعهم في سرعة وتوتر تعجبت لها والدتها، مما جعلتها تتقدم منها قائلة باستنكار: – وشوية مشاكل مع شهاب!!، تخلي أختك بردوا تعيط في اوضتها ومتخرجش منها خالص.

قاومت ايسل رغبتها في الاستسلام وإخبار والدتها بكل شيء، فذلك الحمل الذي تحمله فوق صدرها، أصبح ثقيلًا، ولم تعد لديها القدرة على خوض معركتها في الكتمان أكثر من ذلك، ولكن رجاء رقية كان يقف لها بالمرصاد، يجعلها تعود لنقطة الصفر، محتفظة بذلك السر داخلها، فقالت بجمود : – ما قولتلك يا ماما، رقية تعبانة وعندها برد في معدتها. دق جرس الباب، فانتشل أيسل من تلك المجادلة الهادئة، والتي كانت ستسفر عن إفشاء ذلك السر.

اندفعت أيسل صوب الباب، وهي تمسح بعض العبرات التي مازالت متعلقة بجفونها، ثم فتحت الباب وهي تخرج تنهيدة عميقة من صدرها، ولكن ما لبثت في إخراجها، حتى وعادت تكتمها مرة أخرى في صدمة وذهول حينما وجدت حمزة يقف أمامها وملامح وجهه مرهقة، تصرخ بالندم والحزن : – ممكن أشوف رقية!. – لا طبعًا مش ممكن، واستحالة كمان، واتفضل من هنا. ردت أيسل في عدائية وهجوم، فحاول حمزة امتصاص غضبها ليعاود قائلًا في هدوء ورجاء :

– أنا محتاج أتكلم معها يا أيسل. قاطعته هي في عصبية خافتة : – وهي مش محتاجة، لو سمحت اطلع من حياتها وكفاية على كده. كانت صوتها خافت جدًا، تحاول بشتى الطرق إبعاده عن شقيقتها ولكن ما جعلها تبتلع أي حديث آخر، هو صوت والدتها الذي ظهر فجأة من خلفها، تسألها من الطارق، ثم ترحيبها الشديد بحمزة.. – أهلاً يا حبيبي، تعال ادخل، واقف برة ليه!!.

حقًا زحفت الصدمة لملامح حمزة، فلم يكن في مخيلته ذلك الاستقبال الباهر والودود، فأدرك سريعًا أن والدتها لا تفقه شيء، مما جعله في حالة من الارتياح الشديد، ودخل بأريحية رغم اعتراض نظرات أيسل له، والتي كانت تحثه على الرفض. انتفضت مشاعره حينما استمع لشهقة “زينات” الصادرة من العدم، فحول نظراته سريعًا لها يتساءل في ريبة، فأشارت على عيناه قائلة : – أيه ده، انت اتعاركت مع حد ولا إيه. رفع أصابعه نحو الكدمة التى اتخذت حيزًا كبيرًا في وجهه بالقرب من إحدى عيناه، ليقول بابتسامة بسيطة :

– مفيش، متقلقيش، خناقة بسيطة بس في الشارع. أنهى حديثه بإلقاء نظراته نحو أيسل بعدما رمته بنظرة استحقار قرأها هو بطرف عيناه، ساد الصمت لدقائق، قطعتها زينات بتساؤلها والذي أربك أيسل : – أنت جاي تطمن على رقية علشان تعبانه!. فتح فمه ليتحدث، فسابقته أيسل بحديثها المبطن والذي كان يحمل تحذيرًا قاسيًا له : – بعد ما مشينا من عندك امبارح، معدتها وجعتها، وهي دلوقتي تعبانة ونايمة. أومأ إيماءة بسيطة، متفهمًا مغزى حديثها الأول، والأخير عنادها به حينما وجه حديثها لزينات التي كانت تقف تحاول قراءة ما يدور بينهما، وقلبها يدق بعنف حينما توهجت لديها مشاعر الأمومة والقلق :

– اه، منا عارف، بس كنت محتاج اشوفها واطمن عليها لو ينفع يا طنط. – ينفع طبعًا يا حبيبي، أدخل على الصالون، وأنا هدخل اناديها. دخل حمزة إلى الصالون متجاهلاً نظرات أيسل له، جلس في أقرب كرسي فتقدمت منه تهتف في همس وعتاب : – على فكرة اللي بتعمله ده، بيضرها أكتر. – وانا مش عاوز الضرر ليها، أنا محتاج انها تسمعني. هتف بإصرار، تملك منه بالأمس، حينما شجع نفسه بأنها تستحق أن ينحت في الصخر ليصل إليها، ويهدم كل العواقب بيد من حديد، فهي الآن لديه كالحلم وسيحققه حتى وإن تعثر بالطريق آلالاف المرات.

فعادت أيسل تهمس بجانب أذناه حينما هتفت بنبرة ساخرة تحمل كره عميق : – براحتك، بس هي مش هتطلع ولا هتشوفها.

انت في الصفحة 12 من 19 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى