أنهت حديثها باستقامة جسدها، ثم خروجها من الصالون متجهة صوب المطبخ، وداخلها يغلى كالبركان من إصرار ذلك المستفز على هدم كل الحبال التي مازالت شقيقتها تتمسك بها نحو الحياة، فالمواجهة التي يصر عليها، لن تسفر سوى بانهيار قاتل لقلب رقية والتي يمكن الاحتفاظ بجزء منه بالتأكيد بعد محاولاتها العديدة والتي خططت لها حتى تعيد شقيقتها للحياة تدريجيًا. ****
أما داخل جدران غرفة رقية، كانت والدتها تحاول أقنعها بالخروج لحمزة، والأخرى كانت تتشبث بمرضها، متمنية أن تهرب من تلك المواجهة والتي حتمًا ستزهق روحها.
– يابنتي عيب، قومي قابلي جوزك لو تعبانة تعالي اسندي عليا، بس الراجل كتر خيره جاي يطمن عليكي. اعتدلت رقية بفراشها، ووجها باهت، ملامحه شاحبة، بل انطفئت لدرجة، أنها كانت تندم على أمر زواجها منه، فمنذ معرفتها بالحقيقة كانت تخاطب قلبها في حزن وانكسار، يا ليت يعود كل شيء إلى سابقه، دون خسارة قلبها في لعبة من تدبير عقول شياطنيه!.
ومع إصرار والدتها، ونظرات الشك المنبعثة من عيناها، قررت ألا تزيد من قلقها وترضخ لمقابلته، رغم ثوران مشاعرها، وتأهب قلبها لتلك المقابلة، بعدما كان يدفعها كرهها له، إلى محاولاتها بالأمس على دفنه داخل سراديب عقلها قبل قلبها، ولكن كلما فكرت بذلك، كانت تفشل بكل بساطة، بعدما أدركت أنه كاللعنة التي يستحيل البعد عنها. خرجت خلف والدتها بعدما أبدلت ملابسها، لأخرى سوداء تحاكي ما تشعر به الآن من ظلام حالك لأحاسيسها اتجاهه.
تبادلت نظراتهم في حديث طويل، ودت أن يكتفيا به، ولن تتفوه ألسنتهم بحديث آخر، قد ينكأ جراحها مجددًا، ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، حينما تركتهم والدتها وحدهم وخرجت من الغرفة. وقف حمزة متمتمًا بعجز بعدما تسلل له اليأس مجددًا؛ بسبب نظراتها الحادة والقوية: -ياريت نخرج نتكلم مع بعض شوية. خرجت نبرتها مختنقة بها بحة تحمل ضعفًا وألم، على الرغم من تجهم ملامحها : – في إيه ما بينا نتكلم فيه!.
اخشن صوته وهو يردد بضيق : – ما بينا كتير يا رقية، ما بينا إنك مراتي وعلى ذمتي. عقدت ذراعيها أمامها في عناد وقوة : – وأنا بقولك خلاص، مبقاش مابينا حاجة، كل اللي بينا انتهى. دخلت والدتها تحمل صينية المشروبات، فتراجعت ملامحها إلى اللين، استغله حمزة بذكاء حينما قال : – ممكن يا طنط اخد رقية معايا، اخدها معايا الكافية شوية يمكن تفوق كده. وقبل أن تعطي رأيها، كانت والدتها تندفع برأيها الودود والمرحب لفكرته :
– وماله ياحبيبي… حولت بصرها نحو رقية تقول في إصرار جعل رقية تندفع نحو غرفتها في غيظ : – روحي غيري هدومك، ويالا مع جوزك، علشان تفوقي كده من التعب اللي سيطر عليكي ده. ابتسم حمزة ممتنًا لزينات، هاتفًا : -شكرًا يا طنط. ابتسمت زينات ابتسامة عريضة، وهتفت بنبرة غامضة : – ولو كنتوا زعلانين من حاجة، الفرصة جت لغاية عندك اهي، رقية طيبة وهتتصالح بوردة. أومأ لها برأسه، مؤكدًا بداخله على أمر مراضاتها بشتى الطرق، فحبها سكن قلبه منذ لقاؤهم الأول، وأقسم بداخله انه لن يحيد عن طريقها حتى تعود إليه، فخسارتها تعنى فقدانه لروحه!.
___________
الفصل العاشر..
اندفعت أيسل نحو غرفة والدتها، تقول بعصبية خفيفة تعجبت لها زينات : – ماما هي رقية نزلت مع حمزة. أومأت زينات بصمت، وتركت لعيناها تفسير تصرفات أيسل العدائية والتي ظهرت فجأة دون أي مقدمات. زفرت أيسل في حنق، مردفه بعتاب حارق : – مكنش ينفع تسيبها تنزل معاه. انتفضت زينات سريعًا تقترب منها وهي تسألها في ترقب، أرسل الندم والتوتر لأيسل بعدما بدأت في التخبط أمام والدتها.. – أيوه، مكنش ينفع ليه؟!.
تلعثمت وهي تجيب : – علـ..، علشان مينفعش تنزل وهي تعبانه، انتي مش خايفه عليها!. عقدت زينات ذراعيها أمامها وهي ترمق أيسل في قلق، فحالتها غريبة تثير بداخلها شكوك تحرق تفكيرها : – أخاف عليها من جوزها!، الراجل كتر خيره أخدها معاه في الكافيه، تفك شوية عن نفسها. فتحت أيسل فمها للتحدث، ولكنها جال بخاطرها فكرة، فقررت تنفيذها على الفور، ارتدت قناع الهدوء، وعادت تهتف بثبات : – اممم، أحسن بردوا، أنا هنزل اشتري شوية حاجات ناقصني وقبل ما اروح هبقى اتصل عليها اشوفها هتروح مع مين.
حركت زينات رأسها بالموافقة، وقبل أن تخرج أيسل من الغرفة، انطلق لسانها يسأل ابنتها في قلق وشك : – أنتي مخبيه عليا حاجه يا أيسل. صمتت أيسل برهة قبل أن تستدير مبتسمة، بابتسامة زائفة تخفي خلفها خوف على أختها وهي مع ذلك المحتال : – لا أبدًا، أنتي عارفه لما رقية بتتعب أنا مببقاش طايقه نفسي. هزت والدتها رأسها بتفهم، وانطلق لسانها يهتف بالأدعية لحفظ ابنتيها من أي مكروه.
بينما دخلت أيسل لغرفتها، تبدل ثيابها في سرعة، وداخلها يحفزها على سرعة الذهاب للحاق برقية، قبل أن يحاصرها حمزة مجددًا، فحالتها النفسية سيئة للغاية، وبالتأكيد لن تجيد التفكير معه، وعند هذه النقطة، بدأ عقلها يصور لها، بأن تصرف حمزة ذلك، ليس سوى خطة جديدة من تدبيره هو وشهاب، فأقسمت أن ترد الصاع صاعين لهما، وأن تنجو بشقيقتها من خداعهما. رن هاتفها وانتشلها من واقع تفكيرها المظلم، فردت على الفور دون أن تنتبه أن المتصل هو شهاب، تأهب قلبها وعقلها معًا عندما وصل إلى مسامعها صوته المجهد :
– أيسل.. أصبحت شبه متأكدة، أن ما توصلت إليه الآن، هو لعبة جديدة من تدبيرهم، وما أكد لها هو مجيء حمزة واتصال شهاب الذي يعقبه، فهتفت بحدة : – عاوز إيه مني. – هعوز إيه منك، أنتي مش واخده بالك إنك مراتي!. رد بحدة مماثلة، فأردفت معنفة : – يا بجاحتك، وكمان ليك عين تكلمني!. ارتفعت نبرة صوته، فقال محذرًا : – بقولك إيه يا أيسل، أنا مش هستحملك كتير وأنتي كده.
ضحكت ساخرة على الفور : – ومالي كده، فاكرني هبله، هرضى بكلمتين واسكت، لا انسى انت خدعتنا كلنا، كسرت بقلب أختي، وانا قولتلك زمان بلاش اختي يا شهاب، علشان وقتها هتبقى خسران، وأهو جه وقتها وخسرت. – مش هسيبك، ولو كان أخر نفس فيا، فاهمه. صرخت بخفوت وشددت على قبضتها للهاتف : – لا مش فاهمه، ومش عاوزة افهم، وطلعيني من حياتك أحسنلك. تراجعت حدة نبرته، فحاول أن يستعطفها قائلًا :
– أيسل، صدقيني أنا مكنتش قاصد أذيها، وبعدين سيبني احكيلك وافهمك. قاطعته بنفاذ صبر، قائلة : – آه، دي بقى خطة جديدة، انت وحمزة بتعملوها، هو يجي ويضحك على رقية وياخدها الكافية، وانت تكلمني وتضحك عليا، وفاكرين ان الموضوع كده انتهي، لا، أنا مش هسيب اختي تكون لعبه في ايدكوا تاني، وهطربقها فوق دماغكوا. رغم أن حديثها لم يفمهه، وجهل معظمه، إلا أنه رد في ترقب : – هتعملي إيه يعني؟!.