تشدقت بتهكم، وهي تجيبه في ثقه : – ببساطة، هقطع أي فرصة تحاولوا فيها معانا، وهنزل دلوقتي الحق ا
الفصل الحادي عشر..” الأخير ” . بعد مرور أربعة أيام، كانت أيسل تلازم شهاب بهم في المشفى، تجلس على نفس الكرسي الذي وضعته بيدها بعدما خرج من العناية المركزة، واستقرت حالته نوعًا ما، ولكنه مازال تحت تأثير المسكنات والمنومات القوية بسبب الآلام عظمه الشديدة..
ابتلعت ريقها وهي تراقب ملامحه بلهفة لم تفقدها أبدًا منذ دخوله إلى المشفى، تنتظر فقط أي إشارة منه، تشتاق لسماع صوته، كي يهدأ قلبها من لوعته، وخوفها عليه، اكتفت بنظراته لها، حينما كان يفتح عيناه لثوان ينظر لها، ويغلقها مرة أخرى، نظرة خاطفة، تبعثر بقايا ثباتها، تجعلها تنتفض كمن لدغها عقرب، تندفع نحوه وهي تبكي بدموع فرحة، ولكن لم تكتب فرحتها كاملة، فمازال تحت تأثير تلك المسكنات اللعينة، والتي تمنعه من نطقه لاسمها..
أحيانًا كان يأتيها شعورًا مزعج، يجعلها تخوض سيناريو قاسي، فتتخيل حياتها بدونه، بدونه لأبد، حينها فقط تشعر وكأن قلبها قد تحرك من مكانه، وتركها، فدقاته تتعلق بنبضات قلبه، لم تتركها أبدًا تلك التخيلات، كانت تداهما بين حين وآخر، ولكنها كانت تكتفي فقط بإمساك يده، وتقبيلها عدة ممرات، مسترجعة بعض ذكرياتهم معًا، تتمسك بها كالغريق.. عادت بجسدها مرة أخرى تستند بظهرها على ظهر الكرسي، تحاول إيجاد طريقة تريح جسدها المرهق، والذي قد هاجره النوم، ولم يزوره سوى ساعات قليلة، فقدت الكثير من الوزن، بالإضافة إلى ذلك السواد الذي احتل الجزء المحيط لعينيها، اثر جلوسها هكذا منذ دخول شهاب للمشفى..
انتبهت لصوت الباب وهو يفتح، فتأهبت، تحاول استجماع تركيزها، وقع بصرها على رقية، وهي تدخل في بطء حتى لا تصدر صوتًا..فقالت أيسل بصوت مبحوح مرهق : – تعالي يا رقية. هبطت رقية بجسدها وجثت على ركبتيها، وهي تقول بصوت خافت : – الدكتور قالي أنهم هيخففوا المسكنات عن شهاب النهاردة بليل ياعني ممكن الصبح بالكتير يفوق ويقدر يقعد معانا. – انفجرت أساريرها بفرحة عارمة، ولمعت عيونها بدموع السعادة، قائلة بصوت باكي :
– بجد يا رقية. هزت رقية رأسها بفرحة مماثلة لسعادة أختها، وبدأت في مسح بعض الدموع المتساقطة فوق وجنة أيسل : – اه يا حبيبتي، قولت ادخل وأفرحك.. مسكت أيسل بكف شقيقتها، تقول برضا وحمد : – الحمد لله، أخيرًا هيصحى ويكلمنا. نهضت رقية وهي ترمق شهاب بنظرات خاطفة، وعلى الرغم ما فعله معها، إلا أنها كانت تبكي حزنًا عليه وهو في العناية، تتمنى له الشفاء، إنسانيتها النقية جعلتها تترك ما فعله جانبًا، متمنية أن ينهض بكامل عافيته.
تنهدت بخفوت ثم قالت وهي تطبع قبلة صغيرة فوق رأس أيسل : – أنا هخرج، لو احتاجتي حاجة قوليلي. أومات أيسل في صمت، وبداخلها كانت تعد الدقائق بطريقة طفولية، وكأنها طفلة صغيرة تتوق لمقابلة والدها، انهمرت دموعها ولكن تلك المرة كانت سعيدة، تعبر عن اشتياقها له، بدأ لسانها في سرد الأدعية، تناجي ربها أن يستفيق شهاب بكامل صحته. *****
خرجت رقية من الغرفة وعيناها تجاهد من أجل الاستيقاظ، بحثت عن حمزة ولم تجده في الممر كاملاً، تنهدت للمرة التي لا تعلم عددها، ربما سبب تلك التنهيدات هو اضطراب مشاعرها من حين لآخر..
في تلك الفترة كانت تعاني من صراع نفسي، صراع كانت تحاول أن تتجاهله قبل حادثة شهاب، معطية لكرامتها حقها الكامل في الثأر ممن كسروا قلبها بدون رحمة!. ولكن ماذا ستفعل وقلبها يتلوى كالمريض متألمًا، يعلم دائه ودوائه، مشاعرها تزدحم بداخلها تتصارع مع أفكارها، وهي تقف بالمنتصف لا تعرف طريق للخلاص من ذلك الضجيج المؤذي لها!.
ابتلعت ريقها، حينما تدفقت عليها ذكرياتها معه وهما في المشفى معًا، ستكون مجنونة إن استمرت بمشاعرها اتجاهه، فهي حاربت ولكنها فشلت، هل الحب لعنة لهذه الدرجة؟!، تساءلت ولم تجد سوى أن دقات قلبها تضطرب كلما اقترب منها، أو تفوه باسمها بقصد ودون قصد، فأحاسيسها كانت تتأهب في حضوره، وتضيع في غيابه. حواسها كانت كالأسيرة له، ولتصرفاته، تراقب أدق حركاته، وأثناء تلك المدة، أيقنت بمدى هوسها به، وإن حاربت ذلك، وسمحت لعقلها بالحرية الكاملة في حسم ذلك الجدال، بحركة صغيرة منه، تتدهور كل حصونها المنيعة.
لم تذق من قبل وجع القلب، ولما ذاقته كان على يده، ولكن موقفه غريب بالنسبة لها، فهو العدو والرفيق، السند والخاذل، أفعاله طيلة الأربعة ايام، تخرج من شخص نبيل، لا يفعل أبدًا ما فعله بها من قبل، تعجبت وطال تفكيرها كلما أصر على اهتمامه بها. ورغم أن تلك الأيام مرت بهدوء وسلام، كلاً منهما اكتفى بالصمت، حتى لا تتوهج مشاعرهم بحديث قد ينكأ جراحها، أغلقت عيناها بوهن، وجسدها المرهق يطالب بالراحة والنوم لبضع ساعات فقط.
انتبهت إلى جلوسه في آخر المقعد، كما فعل سابقًا، فهو أصر على ترك المساحة بينهما، حتى لا يضغط عليها وهي في تلك الحالة، يكفي ما تعانيه، وتشعر به الآن، ورغم سكوتها أغلب الوقت، وردودها الجافة عليه، إلا أنه كان يشعر تمامًا بما تمر به من صراعات نفسية، ولا شك أنه كان يبحث بين تصرفاتها وإجابتها القصيرة عن أي نور، يحثه على مواصلة ما بدأه قبل حادثة شهاب.
تخبطت مشاعره، ما بين الراحة والقلق، أحيانًا كان يشعر بالراحة في وجودها معه، حتى وإن كانت ليست بجانبه، مكتفيًا بأن يسرق النظر إليها في وقت نومها البسيط، حتى أنه في ذات مرة تجرأ ورفع هاتفه والتقط لها العديد من الصور، وحينما استقيظت ابتعد كالمراهق في آخر الممر، يدقق النظر بالصور، محتفظًا بقلبه لأدق تفاصيل وجهها، وهنا يكمن قلقه وخوفه من مصير قد ينذر بالفراق، في النهاية سيخرج شهاب من هنا، وستبتعد عنه، ويبدأ هو من الصفر مجددًا.
لذلك كان يحاول إغداقها باهتمامه، حتى أنه اغلق الكافية طيلة تلك الأيام ليحاوطها في كل الوقت، ولكن وبعد أن عرف بحديث الطبيب وتلك المستجدات والتي طرأت في حالة شهاب، تفاقم قلقه وزادت وتيرة أنفاسه بخوف أصبح ينهش في قلبه كالوحش . فرك جبينه يبحث بين جنبات عقله عن أي فكرة قد يحاول بها التحدث معها، يرفع عيناه مرة وينظر إليها بضياع وشرود، ومرة أخرى يبتعد كالطفل الصغير الذي لا يجيد الاعتذار من والدته.
ترك لمشاعره حرية التصرف، وألغى عقله في تلك الحالة، فلا مجال للعقلانية أكثر من ذلك، اقترب منها بتروٍ يراقب ردود أفعالها بلهفة وترقب، وعندما لم يجد منها أي هجوم، اقترب اكثر فاكثر، حتى أصبح ملاصقًا لها، تعجب لهدوئها الساكن ذلك، وظن أنه خلفه يرقد بركان من الكره سينفجر بوجهة إن تفوه بكلمة تنم عن اعتذاره . وفي الحقيقة هي كانت تلاحظ اقترابه منها، ولكنها كانت كالمشلولة، تريد الهروب والفرار من سيطرته عليها، ولكن قدماها لم تساعدها، بل شعرت وكأنهم أعدائها ليضعوها في ذلك المأزق وهو ملتصق بهذا الشكل المرهق لقلبها.
– رقية. استمعت لهمسه بجانب أذنها، فثارت أحاسيسها في هياج أصبحت تكره، لأنها تدرك في نهايته، أن عشقه كالوشم الذي خالط دمها ولن يفارقه أبدًا حتى مماتها، حتى وإن كانت تظهر عكس ذلك، بالنهاية قلبها الغض اختاره من بين الرجال، ليصبح مالكه للأبد. ارتجف جسدها رجفة صغيرة؛ بسبب لمسه يده لأصابعها والتي كانت تفركهما بارتباك، رجفة لم يدركها، ولكنها كانت قوية جدًا لها، فكادت تقسم أنها مثل الزلازل المفاجئ الذي يهاجم فجأة، محدثًا حالة من التخدر تحت تأثير اللحظة.
– رقية، أنا… التفتت بوجهها له، ولم تدرك أنه قريب منها لهذه الدرجة، سوي وهي أمامه مباشرةً، لا فاصل بينهما، سوى بضع سنتيمرات قليلة، تكفي لخروج أنفاسهما، اهتزت ملامحها عندما غاصت ببصرها داخل عيناه، والتي كانت ترجوها بقبول اعتذاره، وبالعفو، بأي شيء في سبيل ان تعود له، أنفاسه الساخنة كانت تلفح بشرتها، فتزيد من احمرارها خجلاً، أو ربما كانت تنصهر في عشق ذلك الرجل.
أما هو فكان يجاهد مشاعره، والتي كانت تحثه بتقبيلها، مبررًا لنفسه بأنها ستكون القبلة الأخيرة، فرقية لن ترضخ هكذا لفترة أطول، دق قلبه بعنف حينما اقترب أكثر منها لاغيًا تلك المسافة وهو يغلق عيناه مستسلمًا لمشاعره والتي كانت في اندلاع غريب، وما إن لمس شفتاها برفق، فابتعدت قليلًا وهي تقول في صوت ضعيف مهزوز، ونظراتها كانت عاجزة عن الابتعاد عن نظراته الحارقة : – أنا عاوزة انام.
وقع في حيرة، ما بين تركها، أو أن يستمر فيما يفعله، ولكن تصرفها هو من حسم تلك الحيرة، حينما وضعت رأسها على كتفه، وأغلقت عينيها بتعب، مستسلمة للنوم، وهي تعلم أن في الصباح ستواجه معركة مع جلد الذات، تهدم معها تلك اللحظات الدافئة.
انتظر حمزة دقائق عديدة يحاول فهم مشاعرها، فلم يتوقع ذلك أبدًا، لقد توقع الشراسة، والغضب، والكره، ابتسم بعذوبة حينما أدرك، أنها مازالت تحبه، أخيرًا ارتاح صدره وسكنت مشاعره، فقرر أن يتجرأ أكثر، ويجذبها داخل أحضانه، جاعلاً صدره وساده لها، ومن فرط سعادته لم يستطع النوم، بل كان بين الثانية والأخرى، يحرك يداه فوق ذراعها، ليتأكد أن ما يمر به الآن ليس حلم جميل وسينتهى كالسراب، بل هو واقع أجمل، وهي داخل أحضانه هكذا كالضائع حينما يحتضن رمال وطنه.
****
في الصباح.. استفاقت رقية على تربيتات حنونة فوق وجهها، ومن فرط إرهاق جسدها، كانت تتشبث بالنوم أكثر، فتحركت كالقط الصغير حينما يبحث عن الاحتواء داخل أحضان صاحبه، فركت وجهها بصدره في حركة لا إرادية، تستشعر دفئه وحنانه عندما ارتفعت درجة حرارتها بعدما كانت البرودة تسيطر عليها طوال الأيام السابقة.
كان حمزة يراقب بهدوء ينافي تلك الثورة التي اندلعت في صدره، شعر وكأنه يريد احتضانها أكثر، يسرق تلك اللحظات الجميلة، من ذلك الواقع المؤلم للقلب، ففعل ذلك دون تردد، وضغط أكثر بيده فوق جسدها، يضمها وكأنه يريد إدخالها داخل صدره، رفع بصره للسقف يلتقط بعض الأنفاس بعدما ارتفعت درجة حرارته وهو يحتضنها بهذا الشكل، تمنى حينها أن يمتلك قوة سحرية، يستطيع من خلالها محو ما فعله..
تنهد بعمق، ثم هبط ببصره مرة أخرى لها، وبدأ في مداعبة بشرتها بأنامله، والتي جعلتها تستفيق نصف إفاقة، فرفت جفنيها بصعوبة، فكانت الرؤية مشوشة لديها للحظات، ملامحه كانت مبهمة ولكن قلبها يعلمه ويدركه ويشعر به، فابتسمت بنعومة وتفوهت بصوت رقيق : – حمزة، أنت هنا.
لم يتمالك نفسه أكثر من ذلك، فحول بصره يمينًا وشمالاً يراقب الردهة، وما إن تأكد من خلوها، اقترب في ثوان، وقبل ثغرها قبلة صغيرة ناعمة، أصدرت صوتًا ضعيفًا وهي مازالت في حالتها المتخدرة تلك، ابتعد عنها يراقبها، مازالت ابتسامتها ترتسم ببراعة فوق ثغرها الوردي، سيجن إن استمرت في تلك الحالة، والتي كانت تزيد من وتيرة أنفاسه، ودقات قلبه كانت تتصارع في جنون. مسد فوق ذراعها بحنو وبدأ يردد بجانب أذنها :
– فوقي يا حبيبتي، علشان تدخلي لأيسل..