– أنتي عبيطة يا أيسل، أعصبك إيه هو أحنا تقريبًا مش متخاصمين بقالنا أكتر من أسبوع، أنا بقى ضايقتك في إيه. – في إن حضرتك، عملت كومنتات سخيفة أنت وواحده زميلتك في الشغل وبتهزروا فيها مع بعض على صورتك اللي لسه منزلهاه امبارح، وأنا شفافة ولا كأن ليا لزمه. ارتفع صوت ضحكه وهو يقول ساخرًا : – هي لحقتك قالتلك!، والله كنت عارف، عمرها ما تعدي فرصة إلا وتخليكي تكرهني أكتر.
– هي مين دي؟!. تساءلت أيسل في بلاهة… رد هو في انفعال، أحمر له وجهه، وبرزت عروق يده التي كان يضغط بها فوق هاتفه : – رقية أختك، اللي ناوية على كل شر بينا، أصل أنتي هتعرفي منين غير منها وانتي عاملالي بلوك. قالت أيسل في انفعال مماثل له : – لا مش هي.. قاطعها هو صارخًا، ولم ينتبه لحمزة ومحمود بالداخل، بل هو كان في حالة أشبه بالجنون وهو يهز رأسه في عنف مجيبًا :
– لا هي يا أيسل، هي السبب في كل حاجة، مش ناوية تجيبها لبر، أنا بكرهها بجد، ياريت تبعد عن حياتنا، علشان زهقت منها.. – أنت بتتكلم كده عن أختي، أنت اتجننت، خلاص بقى نسيب بعض أحسن. – يبقى أحسن. قالها ثم أغلق بوجهها الهاتف، كاد أن يدفعه أرضًا، ولكنه تراجع في اللحظة الأخيرة، حينما لمس أحد كتفه من الخلف، التفت بسرعة وهو يتنفس بوتيرة سريعة، فوقعت عيناه على صديقة محمود وملامح وجهه المستفسرة بقلق..
– في حاجة يا شهاب، صوتك كان عالي جدًا. اندفعت الكلمات على طرف شفتاه ولكنه منعها بأعجوبة وهو يلمح حمزة بطرف عيناه منشغلاً في ألوان الدهان من اللوح الزجاجي.. عاد وهز رأسه في نفي، ليقول بصوت هادئ زائف : – مفيش، شوية مشاكل بس مع خطيبتي. ربت محمود فوق كتف شهاب مردفًا برزانة : – روق وحكم أعصابك، أنت لسه ياما هتشوف. قال جملته الأخيرة بمزاح، فابتسم شهاب نصف ابتسامة مجاملة، هاتفًا بعدها :
– يلا ندخل لحمزة. هتف محمود بتردد، ظهر جليًا على ملامحه، وقرأه شهاب بسرعة : – لا أنا ورايا..مشوار، ادخله أنت. ظل شهاب ينظر له بضع ثوان، ثم التفت وقبل أن يخطو خطوة واحدة، أوقفه ” محمود ” متسائلًا : – هو أنت في إيه بينك وبين حمزة يا شهاب. عقله لم يسعفه بأي أفكار قط، فانفعاله قبل قليل جعله في حالة هياج دون تركيز، كل ما خرج من يده، هو أن يجيب في ثبات :
– في إيه مش فاهم، أنا وحمزة زي الفل. نظف محمود حنجرته من حشرجة سيطرت عليه تمنعه مما وعد به حمزة ألا يتفوه به، ولكن حمزة بأزمة ويجب عليه أن ينصح شهاب من باب الصداقة والأخوة. – في إيه وصله، إنه يسحب الفلوس اللي كان واخدها منك علشان الكافية، ويدهالك قبل معادها، أنت طلبتها منه ولا إيه!!. اتسعت أعين شهاب غير مصدقًا لحساسية حمزة المفرطة في تلك النقطة ليقول :
– لا أنا طبعًا مطلبتهاش منه، أنا عارف كويس إن معادها مجاش. اقترب محمود منه وهو يقول بصوت خافت : – ده مُصر يدهالك، واللي زاد وغطى، أخوه اتصل عليه وطلب منه مبلغ كبير علشان ابنه هيعمل عملية، وحمزة محتاس، والدنيا قلبت فوق دماغه فجأة، وفوق ده كل مُصر يديلك فلوسك، أساله وأقوله طب وأخوك والمبلغ اللي عاوزه يسكت وأحس أنه ضايع، الله يكون في عونه، أنا لو مش بجهز أختي وعريسها مُصر على الفرح، والله كنت وقفت جمبه، حمزة جدع، وعمره ما قصر معانا .
رفع شهاب عيناه وهو يرمقه بضيق بعدما لمح تنبيهاته المبطنة فقال : – طبعًا، ومتقلقش أنا لا يمكن أخدها منه، روح أنت مشوارك، وأنا هدخله. وافق محمود برضا وترك شهاب وحده يواجه حمزة في مواجهة حاسمة، ينتظرها حمزة منذ الصباح.. ألقى حمزة المبلغ المالي فوق الطاولة في إهمال، يخالف تلك الثورة التي تندلع بنيرانها بداخله، لعلمه بما سيحدث وكيف سيؤثر عليه ذلك المبلغ وهو في بداية حياته، ومما زاد الطين بلة عملية ابن أخيه، كل ذلك جعله في حالة من التخبط والضياع..
– فلوسك أهي يا شهاب، كويس إنك جيت كنت هبعتلك رسالة. أبعدها شهاب بيده وهو يقول بلامبالاة أشعلت لدى حمزة فتيل الغضب : – مش عاوزاها، ومش جاي علشانها. مالت ملامح حمزة للغيظ، فقال بغلظة خرجت من بين حروف كلماته : – امال جاي علشان مين يا صاحبي، ياللي كنت بتساومني ما بين الفلوس وطلبك. تنهد شهاب بعبوس ليقول : – اعتبر كأني مجتش، ولا حكيت حاجة، أنا كنت بتعشم فيك، وأنت مش حابب كده، خلاص الموضوع انتهى أساسًا، واحنا فركشنا.
رمش حمزة عدة مرات وهو يسأله بعدم فهم، أو بمعنى أصح غير مصدقًا : – أنت فركشت مع خطيبتك بسبب أختها، انت اتهبلت يابني. زفر شهاب بقوة وكأنه يخرج همومه التي تكدست فوق صدره في المرحلة الأخيرة، متحدثًا بعدها بحزن أثار عاطفة حمزة نحو قصته : – اه، هي أصلا حكايتنا كانت مسيرها هتنتهي، طول مافي أختها أنا وهي لا يمكن نجتمع مع بعض، ربنا يجازيها أختها بقى على تدمير حياتنا.
التزم حمزة الصمت مفكرًا بعقلانية في حالة شهاب البائسة، لأول مرة يراه بهذا الشكل الغريب، فقد ذبلت عيناه وملامح وجهه، واختفت البسمة تمامًا من على ثغره بعد أن كانت تلازمه في السراء والضراء، يبدو أن تلك الفتاة بالفعل شخصية سيئة، فهي لو لم تكن بذلك الشكل، لم يصل شهاب إلى تلك الهيئة.. انتبه على وقوف شهاب وهو يتمتم بجدية : – بقولك إيه، أنا ماشي، اليوم انتهى واتقفل معايا لغاية كده، وانت خلي الفلوس دي علشان عملية ابن أخوك وأنا بكره هبعتلك فلوس كمان علشان لو احتاجت سيولة تانية.
رفض حمزة، رفض قاطع قائلًا الفصل السابع… بعد مرور عدة أيام.. وقفت رقية أمام فراشها تفكر بحيرة، انتقلت عدستيها ما بين الفستان ذو اللون النبيذي القاتم، والأخر المماثل للون عيناها، أزرق مبهج، وضعت طرف أصبعها بفمها تضغط عليه بتفكير، تتخيل هيئتها في كلا اللونين..
وما إن فشلت في اختيار لون محدد، تركت مكانها بضيق واتجهت صوب المرآة تنظر لملامحها، التي وبالرغم من جمالها الفاتن فقدت ثقتها، افتقرت لأشياء بسيطة جعلتها عبارة عن زهرة ذابلة، ينفر منها الجميع .
تنهدت بعمق وهي تهز رأسها بيأس، تحاول الخروج من أفكارها السوداوية، تبحث بكل طاقتها عن روحها التي غادرتها منذ أن أوقعت نفسها بمصائب أصدقائها، دون أن تراعي أن أقدار البشر مختلفة، بل وصل بها تشاؤمها أن ذلك الحظ التعيس الذي لاحق أصدقائها، سيلاحق جميع الفتيات بما فيهم هي وأيسل.. كانت ملامح الحب مبهمة لديها، ترى مصاعبه فقط، دون أن تتذوق حلاوة مشاعره، وبعد حرب طويلة دامت بين عقلها وقلبها، لا إراديًا وقعت كالغريقة في بحور الغرام والعشق، وأدركت فيما بعد، أن الحب ما هو إلا انصهار روحك مع روح من تحب!.
خرجت من شرودها على دخول أيسل وهي تحاول إحكام حجابها بضيق قائلة بصوت مرتفع : – رقية خلصتي.. قطعت حديثها وهي تشهق بعنف مردفه : – أنتي لسه ملبستيش!. وضعت رقية أناملها فوق جبينها، محاولة منها في خلق كذبة، تنقذها من الذهاب إلى ذلك الحفل وعقد قرانهم، والذي سيربطها به للأبد.. – أنا بقول بلاش أروح، أنا خلاص مش عاوزة أكتب الكتاب. رفعت أيسل أحد حاجبيها بتفكر، فبدت كالمفتش حينما يبدأ بالبحث عن الحقائق والدلائل، فقالت :
– اممم بلاش تروحي، امال حماسك قبل كده كان فين ياهانم، لالا..أكيد في إن قولي واعترفي، الإنكار مش هيفيدك. تفرقت شفتاها في ابتسامة واسعة، لقدرة تلك المخلوقة على إخراجها من أصعب وأشد الأمور نفسية لديها، فهزت رأسها باستسلام لتقول : – مش عارفة، حاسه أن الفساتين دي مش حلوة عليا، وحاسة أن هكون بايخة، وممكن حمزة يتقفل في اليوم ده وهو مستنى بفارغ الصبر. اندفعت أيسل في هجوم تقول :
– أنتي عبيطة، حمزة هيتقفل فعلاً لو خطيبته، حبيبته مجتش واتفركش كتب الكتاب، واتحججتِ بكلام فارغ مالوش أساس أصلاً، أنتي متخيله القهر اللي هيكون فيه، ده احتمال يتجلط، واحنا نتجلط معاه. كررت رقية تلك الكلمة التي هزت قلبها بقوة، متجاهلة باقي حديثها : – حبيبته. أومأت أيسل رأسها إيماءة صغيرة، فعادت رقية تسألها بلهفة، كالمسافر في صحراء ينتظر سقوط الأمطار، لتنعش قلبه قبل جفاف جسده. – هو أنتي شايفه أنه بيحبني يا أيسل.
وجدتها أيسل فرصة عظيمة، لاختراق خبايا رقية، وزعزعة تلك الأفكار القاتمة التي تحتل كيانها، فقالت بخفوت وابتسامة عريضة : – طبعًا، كلامه، أفعاله، نظراته، اهتمامه، كل حاجة، طب أقولك على حاجة أنا أخدت بالي منها. صمتت لبرهة قبل أن تعود وتستكمل حديثها في تشفي : – أنا متأكدة إنك حكيتي لحمزة على اللي مضايقك من شهاب والكلام البايخ اللي قاله ليكي يوم ما كنت بختار الفرش. عقدت رقية حاجبيها تسألها :
– إيه عرفك؟!. أجابتها أيسل بضحك : – حمزة يومها اتصل على شهاب في التليفون، وتقريبا زعقله وبهدله جامد، وشهاب معرفش يرد، وسكت خالص، وسمعته بيقوله، قبل ما تقول كلمة لرقية فكر فيها مليون مرة أحسنلك. تذكرت تفاصيل تلك الذكرى، حينما أخبرته بما حدث بعد الحاحه الشديد عليها، لن تنسى قط، انفعاله، وارتفاع أنفاسه الغاضبة، وأيضًا لن تنسى حينما قام بمراضاتها، وتخفيف حزنها، فلم يتركها هذا اليوم، سوي وهي أمام منزلها..
ظهر شبح ابتسامة جميلة فوق ثغرها، وبدأت عيناها تتوهج بشعاع الحب، فاستغلت أيسل الفرصة وقالت : – هتلبسي إيه النبيتي، ولا الأزرق، أنا شايفه النبيتي هيبقى جامد عليكي.