Uncategorized

لعبه الهوي زيزي محمد

انتقلت ببصرها نحو الفساتين مرة أخرى، وتحدثت بهمس وكأنها تحاور نفسها وتحسم تلك الحيرة : – معقولة النبيتي يكون حلو عليا. اخترقت أيسل ذلك الحديث الخاص، بقولها الذي يحمل قدرًا كبيرًا من الحماس : – طبعًا، أنتي مش شايفة نفسك جميلة إزاي!. حولت بصرها نحو شقيقتها، تنظر في عينيها مباشرة، تحاول الكشف عن صدق حديثها وهي تقول : – هو أنا جميلة يا أيسل. ضـ,ـربت أيسل بيدها فوق صدرها في حركة تمثيلية، تهتف بنفاذ صبر :

– يالهوي، أنا هشد في شعري، بقى في واحدة عيونها زرقة وبيضة وجميلة زيك وملامحها تخطف القلب، تقول كده. ضحكت رقية بخفه، ثم مالت نحوها تقبل وجنتها بحب قائلة : – علشان عيونك حلوة، فانتي شايفني حلوة. ابتعدت أيسل عنها، تحرك رأسها بنفي، قائلة بصرامة ويدها تبحث عن شيء ما تريده : – اقعدي ساكته انتي، اسمعي كلامي وأنا هاخلي حمزة يلف حاوالين نفسه النهارده. وجدت مبتغاها، فأشارت نحوه :

– هحطلك كحل في عينك، هاخلي حمزة يتجنن. هتفت رقية ببلاهة : – طب وأنا أخليه يتجنن ليه!. ارتفع جانب فم أيسل في مكر وتهكم قائلة : – طبعًا علشان يعرفوا قيمتنا، ويعني ميضرش شوية غيرة يفرفشوا القلب، وكلمتين يرشقوا في الروح. رمشت رقية عدة مرات وكأنها تحاول فك شفرات حديثها، فقالت : – هو أنتي بتعملي كده مع شهاب. وضعت أيسل ساق فوق الأخرى، تقول بعنجهية :
– اه، وأوقات بحط روج فيتجلط وهو واقف مكانه، وبعمل فيه بلاوي، امال شهاب هيمو..ت عليا ليه..هااا هتسمعي كلامي ولا لأ.

ترددت لثوان قبل أن تجيب : – هسمع.. – هتعملي إيه؟!. – اممم هاتي الفستان النبيتي، وتعالي حطيلي كحل..

ارتفعت ضحكات أيسل عاليًا وهي تصفق بحماس، بينما عادت رقية ببصرها نحو المرآة، تنظر لنفسها بتحدٍ، ستتغلب على مخاوفها، بخلع تلك البذرة السيئة من جذورها، أفكار عفت كانت كالزرعة المخيفة، تحجب النور عنها، وأغرقتها في ظلام غلف مشاعرها بالجمود والعناد. *****
دخلت مع والديها وأيسل لداخل الكافية والذي حرص حمزة أن يزينه بطريقة تناسب عقد قرانهم، راقبت ملامح شهاب المتحفزة واقترابه من أيسل ثم مروره بجانبها وكأنها لم تكن موجودة، لم تعطي نفسها مساحة للتفكير به، بسبب اقتراب حمزة منها وعلي وجهه ابتسامة عريضة، يستقبلها بحرارة وترحاب، فتوردت خجلاً منه.

لمس طرف أناملها وداعبهم برقة، ثم مال بجانب أذنها يخصها بكلمات ستحفر في ذهنها للأبد : – إيه الحلاوة دي، لا ثواني إيه ده؟!. تراجعت عن انغماسها في خجلها، وهتفت بقلق : – في إيه؟!. أشار برأسه على عيناها، هاتفًا بمشاكسة ونبرة عابثة، بعثرت بقايا اتزانها أمامه : – مين يصدق أن قلم كحل وخط يسبب الجرايم دي كلها يا مجرمة!. أشارت على نفسها مصدومة، قائلة ببلاهة : -أنا مجرمة!.

أومأ برأسه مؤكدًا حديثه، مردفًا بنبرة عبثية تحمل المشاكسة بين حروفها : -أيوة مجرمة لما تسرقي قلبي وعقلي مني تبقي مجرمة، أنتي معنديش ضمير هكمل حياتي ازاي وهما معاكي. تفرقت شفتاها في ابتسامة صغيرة، ثم قررت أن تجاريه بحديثه، وهتفت بمزاح خافت : -بسيطه خليك دايمًا جنبي تلاقيهم. رفع أحد حاجبيه، وهو يتظاهر بالتفكير بحديثها، ليقول بعدها بهمس : -طيب أيه رأيك اني متنازل عن حقي فيهم بس بشرط!. ردت بتعجب :

-شرط أيه!. تعمد مداعبة أناملها أكثر في الخفاء، وهتف بنبرة تحمل جنون عاشق متملك : -سلميني قلبك وعقلك، وتمضيلي وصل أمانه أن قلم الكحل ده هيترسملي أنا وبس. ابتسمت ابتسامة صغيرة، ثم بعدها ارتفعت ضحكاتها على طريقته والتي من المفترض أن تكون أكثر رومانسيه، فقالت بمزاح : – اممم، هو أنا متهايلي، إنك متملك شوية. ضيق عيناه مفكرًا ثم قال بجدية زائفة ونبرة خافتة بعض الشيء : – متملك إيه، أنا مستبد.

ضحكت ضحكات متتالية، فغمز لها بطرف عيناه، هاتفًا : – طب يلا علشان تقريبًا كله مستني علشان كتب الكتاب. هزت رأسها بالإيجاب وانطلقت خلفه تجلس بجانبه على تلك الطاولة الطويلة والتي خصصها هو لعقد القران، راقبت جلوس والدها بجانب المأذون، وفي الاتجاه المقابل جلس شهاب يضع يده بيد والدها، لمحت فرحة أيسل، ولمعة عيناها بسعادة وهي تراقب شهاب وهو يردد خلف المأذون بفرحة عارمة.

أغلقت عينيها في تخيل شعورها والذي بالتأكيد سيتبلور بعد عقد قرانها، هل ستظل سعادتها للأبد، أم ستقابلها مصاعب تجعلها تبدأ من نقطة الصفر، وبمجرد التفكير في ذلك، كانت يد حمزة تقبض فوق كفها، يحتجزها بامتلاك، وكأنه يخشى فقدانها. ولم تكن تعرف، أنه يخشى فقدان نفسه، فكان يتشبث بها ليظل على إصراره في تنفيذ ما آلت إليه نفسه، مجرد لمس أناملها الرقيقة، تندلع بصدره حرارة حارقة، تؤكد على عشقه لها، وأن ذلك العضو الذي ينبض بعنفوان لن يتحمل الابتعاد عنها.

شعرت فجأة بالفراغ حينما أبعد يده، ونهض ليجلس مكان شهاب، وتوالت الأدوار في لمح البصر، تأهب قلبها في مراقبته وهو يردد بهدوء يخالف فرحة شهاب، ولكنها فكرت بأن ردود الأفعال حتمًا تكون مختلفة، فشهاب متهور، وحمزة يتسم بالعقلانية والرزانة في تصرفاته. ولم يخفَ عنها فرحة والدها، ودموع والدتها التي كانت تتسابق بلهفة غير مصدقة لتلك الفرحة العارمة التي اجتاحت عائلتها الصغيرة في تلك اللحظة المميزة. وضع المأذون الدفتر أمامها، وأمرها بأن تضع توقعيها في إحدى الخانات، مسكت القلم ثم رفعت بصرها تطالعه، تسكتشف آخر مشاعره، قبل ان تضع توقيعها والذي سينقلها من حالة إلى آخرى.

حثتها نظراته على التوقيع، فتشجعت وتركت كل معتقداتها جانبًا، وقررت خوض حياة جديدة، ووقعت بابتسامة عريضة.

انطلقت الزغاريد في كل مكان، ونهضوا جميعًا يتبادلون التحيات والمباركات.
****
بعد مرور ساعة في الافتتاح وبعدما مر عقد القران مرور الكرام شعرت رقية بملل يجتاح صدرها، فقررت أن تترك مقعدها وتخرج لاستنشاق الهواء، استطاعت الهرب من نظرات والدتها لها، والتي كانت تحمل غموضًا كبيرًا، أو ربما تحاول سبر مكنوناتها، لا تعلم، ولكن كل ما تعرفه هو أن بالتأكيد والديها تعجبوا لذلك التغير الجذري الذي حدث في نمط ثيابها وأيضاً ذلك الكحل الأسود الذي رسم عيناها ببراعة، وكأن عيناها لوحة أتقن رسامها في تحديد ألوانها.

تركت سترتها الجلدية والتي اختارتها لتحميها من برد الشتاء وخاصةً إن كان الفستان قمشاته لا تناسب ذلك الطقس البارد. هزت رأسها بيأس حينما بدأت موجات البرد الصقيعة تضـ,ـرب جسـ,ـدها بقوة، فودت للحظات أن تجمد مشاعرها والتي كانت في حالة من الهياج والثوران؛ بسبب اقتراب حمزة منها، منذ بداية الافتتاح وهو اكتفى فقط بمتابعة ما يجري به دون أن يتركها بمفردها.

التوى فمها ساخرًا، حينما أدركت أن اللهفة أيضًا كانت من نصيبها هي، هاجمها تعجب استوطن داخلها، بعدما أيقنت أن طاقتها مرتبطة بحمزة، تساءلت في ريبة ماذا سيحدث، إن سلمت كل مفاتيح أبواب قلبها لحمزة، هل ستكون في خانة أصدقائها، أم لها قدرًا أخر مختلف، يتزين طريقه بورود الحب والغرام!. أجفلت من شرودها على أنفاس حمزة خلفها، حينما شعرت بحرارة ساخنة تضـ,ـربها من الخلف وسط هذا الطقس البارد، التفتت على الفور، فوقعت عيناها عليه، وهو يقف أمامها مباشرةً، وبيده سترتها، ناظرًا لها بعتاب وضيق في آن واحد :

– واقفة ليه من غير الجاكت. مدت أصابعها الرقيقة تأخذه من يده ثم ارتدته دون تفكير، أو مجادلة، فقالت برقة :
– شكرًا، الجو كان سقعة جدًا.

انت في الصفحة 7 من 19 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى