Uncategorized

وشم العهد

الوشم كان غريب من أول لحظة.
مش التصميم، لا…
الطَلَب. كانت الساعة داخلة على عشرة بليل، والست دخلت الأستوديو من غير ما تبص حواليها.
لابسة أسود، شعرها نازل على وشها، وعنيها لونهم رمادي شاحب… كأنها جاية من بين الضباب. قالت بصوت هادي، لكن تقيل:
– “أنا عارفة إنك مش بترسمي بعد الساعة تمانية… بس دا عهد لازم يتم الليلة.” ليان رفعت عينيها عن كراسة الرسومات، وشعرت بحاجة غريبة في الهوا.
الست حطت ورقة قديمة، فيها رسمة متداخلة لدوائر وعيون، وجنبها مكتوب بخط مائل:
“عهد الدم لا يُكسر… بل يُستدعى.”

سألتها ليان:
– “دي وشم طقسي؟ انتي تبعي جماعة دينية ولا…؟” قالت الست وهي بتمد دراعها:
– “أنا مجرّد بوابة… وانتي الرسامة.” أول ما إبرة الوشم لمست جلدها، حصلت حاجة أول مرة ليان تحسها في حياتها:
الجلد كان بارد… مش بس بارد، كأنه مش فيه نبض. كل ما ترسم خط، الضوء في الأستوديو يعتم.
ولما خلصت، الست بصّت للوشم، ومسحت نقطة دم من عليه بإصبعها…
وبصّت لليان وقالت:
“تم العهد.”
واختفت… حرفيًا.

الباب ما فتحش…
الكاميرات ما سجّلتش.
لكن ليان شافتها، وكانت رسمة الوشم على دراعها بتتحرك لوحدها. في نفس الليلة، وهي نايمة، حلمت بجدار حجري كبير…
مرسوم عليه نفس الوشم، لكن وسطه عين واحدة مفتوحة…
والعين بتبص عليها. صوت جه من كل الاتجاهات:
“أول دم سال… سبعة تانين جايين…
وإنتي آخر راسمة… وأول باب.” صحيت مفزوعة…
وإيدها الشمال، اللي رسمت بيها، كلها متخدّرة…
وعليها نقطة حمراء مكان ما مسكت الإبرة.

النهار ده كان غريب من البداية.
الموبايل كان بيهز على الطاولة بشكل مستمر، والرسائل كلها من “رُبى”.
“رُبى” صاحبتها الوحيدة في القاهرة، كانت دايمًا بتعرف تجيبها من أحلى الأماكن لما كانت ليان تحتاج تهرب من الأجواء الغريبة دي. فتحت الرسالة الأخيرة، ولقاها بتقول: “خد بالك! فيه حاجة غريبة بتحصل هنا… دم على الأرض!” رُبى كانت ساكنة في حي قديم في وسط البلد، مكان فيه أزقة ضيّقة وشوارع كلها غموض.
ليان قررت تروح بسرعة، مش قادره تشيل إحساس غريب إنها ممكن تكون على وشك اكتشاف حاجة مش طبيعية.

وصلت لبيت رُبى بسرعة…
لكن المرة دي، مافيش حد في البيت. دخلت غرفة رُبى…
والدم كان على الأرض، لكن مش أي دم…
كان دم مش طبيعي.
كان لونه أسود مع شرايط حمراء.
وعلى الحائط، ظهرت الرسمة…
الوشم! كانت نفس الدوائر اللي رسمتها الليلة اللي فاتت، وعيون صغيرة داخلها…
بس المرة دي، العيون كانت مفتوحة.
وكل عين كانت بتبص ليان. بدأت الأرض تهتز، وكل حاجة حواليها صارت ثقيلة.
صوت من بعيد:
“دي بداية العهد.”

قبل ما تعرف تتصرف، سمعت صوت خطوات تقرب من وراها.
استدارت…
وكانت رُبى، لكن مش زي ما كانت. رُبى كانت واقفة قدامها، وشها شاحب، عيونها شبه فارغة، وكأنها مش إنسانة عادية. قالت بصوت منخفض:
– “مبروك، يا ليان… ده أول دم سال… أنتِ دخلتي في العهد.” دموع رُبى بدأت تتساقط، لكن الدم كان بينزل من عيونها مش من عينيها.
والدم بدأ ينساب على الوشم، كأنها كانت جزء منه. ليان هربت بره، وهي مش قادرة تصدق اللي شافته.
رُبى ما كانتش زي ما كانت قبل كده.
كان في حاجة غريبة وشريرة جواها.

أخرجت ليان الموبايل وكتبت بسرعة:
“مين اللي ورّطنا في ده؟” لكن قبل ما تضغط إرسال، الموبيل غرق فى الدم…………… ليان قررت إنها مش هتقدر تهرب من ده… لازم تكتشف كل حاجة.
كانت خايفة، لكن كان في قلبها نوع من الإصرار، وكأنها مش لوحدها.
شعرت بوجود الكيان جواها، حاسّة إن العهد اللي بدأته مش هيسيبها، لكن كان فيه حاجة تانية كمان، حاجة في الظل، حاجة بتسحبها بقوة.

دخلت المكتبة القديمة التي كانت تابعة لجدة أمها، نازك الراوي، اللي كانت ليان تعرف عنها شوية معلومات غريبة.
سمعت إنها كانت جزء من طائفة قديمة قبل ما تختفي من العالم.
وفي المكتبة دي، كان لازم تلاقي الكتاب المحرّم. قلبت الأرفف واحد وراء التاني، ولحد ما لقت كتاب أسود قديم، ملمسه كان خشن وكأنه مش من هذا الزمن.
فتحت أول صفحة، وكان مكتوب فيها: “من يرسم العيون، سيُسحب من الأبعاد ويُحكم عليه بأن يكون جزءًا من الطقوس. ولكن عندما يتم العهد، فإن الدماء تفتح أبواب الجحيم.”

وصفحات الكتاب كانت مليانة برموز وشعارات غريبة، بينها رمز الدوائر المتداخلة، عين مغلقة داخلها، وعلى جوانبها علامات دم. الطائفة القديمة كانت بتؤمن بأن الأرواح ممكن تنتقل بين العوالم من خلال رسم الرموز.
كل شخص في الطائفة كان له “رسمة العهد” على جسده، والعين كانت جزء من كل طقس. بدأت ليان تفهم:
العهد مش مجرد وشم…
ده طريق للسيطرة على الأرواح واستدعاء الظل التام.
الظل كان كائن رهيب، كان في الأساطير بيأخذ شكله في أجساد البشر، ويعيش من خلالهم.

لكن كانت في مشكلة.
ليه ليان؟
ليه هي بالذات اختارها الظل ليبني فيها العهد؟
هل لأن جديتها كانت جزء من الطائفة القديمة؟ ثم جاء الصوت من جواها…
مش صوت “عين الدم”…
لكن صوت جدتها نازك.
“إنتي الوحيدة اللي ممكن توقفي ده… الدم بيجي من مكان بعيد، وعليكِ إنهاءه.” لكن قبل ما تقدر تفهم أكتر، رُبى دخلت عليها فجأة.
لكن المرة دي كانت مش زي ما شافتها المرة الماضية… كانت لابسة فستان طويل أسود، وشعرها طويل جدًا، وعينها مليانة دم.
لكن الشيء الغريب كان في طريقة مشيها… كانت وكأنها مش إنسانة… كانت مجرد أداة للظلام.

قالت رُبى، بصوت متحجر:
– “إنتي مش هتقدري تهربي. العهد ده مش بس ليكي، ده جزء منك، وهيفضل معاكِ للأبد.” ليان، اللي قلبها بيخفق من الرعب، حاولت تسيطر على أعصابها.
فتحت الكتاب مرة تانية، وجدت فيه سطور مكتوبة باللغة القديمة، اللي قدرت تقرأها بصعوبة: “العين الثانية ستكون مفتوحة فقط في الليلة المظلمة، حين يصير الدم طريقًا… والظل سيأخذ كل من يلمس رسمتك.”

ليان كانت مش قادرة تسيطر على نفسها.
كل اللي شافته لحد دلوقتي كان غريب، وكأنها دخلت في عالم آخر، عالم مليء بالأسرار المظلمة.
رُبى، صاحبتها الوحيدة، تحولت إلى شيء غير إنساني… ولا حتى كانت هي نفسها.
كل ما تلامسها، كل ما تقترب منها، كانت تشعر بوجود الكيان جواها، زي ما لو كان بيشارك جسدها، وبيراقب كل حركة. الكتاب الأسود في إيدها كان بيدلّها على حاجة أخطر.
فيه طقس مكتوب بالدم… طقس لازم يتم في الليلة المظلمة علشان تفتح الأبواب للأرواح.
الطائفة القديمة كانت دايمًا بتنفذ الطقوس دي مع تغيير بسيط:
“من يبدأ الطقس… هو من ينهيه.”

لكن السؤال هنا…
هل ليان هي من بدأت الطقس؟
ولا هي مجرد ضحية اختارتها الأقدار، وبدأت الطقس بدون ما تعرف؟ جاء صوت غريب في عقلها.
صوت العيون الغامضة.
“في الليلة المظلمة، العين الثانية ستفتح، وستكون النهاية.” على الرغم من كل الخوف اللي كانت حاساه، كان في حاجة جوا ليان بتقويها، بتدفعها.
وحدة من الطائفة القديمة كان لازم تكتمل.
واللي حصل مع رُبى كان مجرد بداية.
كان لازم ليان توقف ده قبل ما يكون الأوان فات.

في منتصف الليل، لما الظلام كان عميق، قررت ليان إنها تروح لأحد الأماكن المخبأة تحت الأرض، المكان اللي كان بيمارسوا فيه الطقوس القديمة.
كانت في حاجة واحدة بس، واللي كانت عارفها من الكتاب:
“الدم ينير الطريق.”

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى