Uncategorized

لانك انت

غفران بصمت مشحون اتجهت إلى الخزانة وأخرجت ملابس بسيطة لها خطت إلى الحمام وأغلقت الباب خلفها وبدأت بتغيير ملابسها بسرعة وكأنها تحاول أن تهرب من الواقع الثقيل الذي فرض عليها. في نفس الوقت تميم وقف أمام الخزانة خلع قميصه بهدوء ثم بدل بنطاله بملابس مريحة للنوم وكأنه يعتبر الأمر طبيعيًا جدًا ثم جلس على طرف السرير ثم استلقى على ظهره رافعًا إحدى ذراعيه تحت رأسه وكأن كل شيء يسير كما يريد.

غفران خرجت من الحمام بعد دقائق ترتدي بيجاما قطنية خفيفة وتحمل فستان الزفاف بيدها. وضعت الفستان على الكرسي القريب من السرير ثم التفتت إلى تميم الذي كان نصفه مكشوفًا وقالت بضيق واضح: “البس حاجة ومتقعدليش كده.” رفع تميم رأسه قليلًا وحدق فيها بنظرة باردة مليئة بالعناد ثم قال بصوت هادئ فيه شيء من السخرية: “تعالي نامي.” غفران وقفت مكانها للوهلة و نظرت إليه وكأنها لا تصدق وقاحته. شفتيها ارتجفت قليلًا من الغضب والتوتر لكنها تماسكت وأدارت وجهها بعيدًا.

اقتربت من الكنبة الصغيرة في الغرفة وأخذت وسادة وغطاء خفيف واستعدت لتنام بعيدًا عن السرير. تميم لاحظ ذلك جلس على السرير وقال بنبرة أكثر جدية نبرة تحمل مزيجًا من الأمر: “غفران مكانك جمبي مش على الكنبة.” غفران ردت بسرعة دون أن تنظر إليه: “أنا مكاني بعيد عنك لحد آخر يوم في حياتي.” سادت الغرفة لحظة صمت مشحونة بالكهرباء. تميم حدق فيها طويلًا يريد أن يقول شيئًا أن يبرر أن يفرض لكنه شعر أن أي كلمة قد تزيد الهوة بينهما أكثر

أدار وجهه إلى الحائط وأغمض عينيه بغضب مكتوم. أما غفران فنامت على الكنبة تضم الوسادة إلى صدرها كأنها تحتمي بها من كل العالم.   بعد وقت طويل من السكون كانت غفران قد غرقت أخيرًا في النوم فوق الكنبة ملامحها متعبة ودموعها الجافة مرسومة على وجنتيها. تميم الذي كان مستيقظًا يراقبها بصمت نهض بهدوء من السرير. اقترب منها بخطوات ثابتة وقلبه يمتلئ بمشاعر متناقضة لا يعرف كيف يسميها ركع أمام الكنبة مد ذراعيه بحذر ورفعها بين ذراعيه بخفة رغم أنها تحركت قليلًا في نومها بتوتر غريزي.

حملها بين ذراعيه وتوجه بها نحو السرير. وضعها برفق فوقه وسحب الغطاء ليغطي جسدها النحيل ثم لم يستطع أن يقاوم نفسه أكثر. انزلق بجانبها تحت الغطاء مد ذراعيه ببطء وسحبها إلى صدره يحتضنها بحذر كأن احتضانها بهذه الطريقة يعيد إليه شيئًا كان مفقودًا داخله منذ كان صغير دفن وجهه في شعرها بهدوء وأغمض عينيه تنفس بعمق رائحتها كأنه يبحث عن طمأنينة افتقدها طويلًا. غفران تحركت حركة بسيطة في نومها كأن جسدها يبحث لا شعوريًا عن الدفء.

اقتربت أكثر منه دون وعي مما جعل قلبه يخفق بقوة تحت صدره. همس لنفسه بكلمات بالكاد تُسمع: “حتى لو كرهتيني مش هسيبك.” وظل ممسكًا بها وكأن خوفه من فقدانها صار أثقل من أي شيء آخر. وتسلل الصباح ببطء ولم يتزحزح من مكانه تميم كان مستيقظًا بالفعل مستلقيًا بهدوء وابتسامة خفيفة تلوح على شفتيه. كان ينظر لغفران النائمة في حضنه شعرها متناثر على صدره وذراعيها ملتفتان حوله وحتى ساقيها كانت ملتفة عليه اهكذا تنام؟ سيفعلها دوما

نظر لها طويلًا كأن الزمن توقف قلبه يخفق بنعومة تحت وطأة قربها. لحظة قصيرة بعدها بدأت غفران تتحرك بتململ. عيناها انفتحت ببطء وأحست بدفء غريب يحيط بها ثم فجأة اتسعت عيناها على اخرها حين أدركت الوضع الذي كانت فيه. سحبت نفسها بسرعة وهي تبعد ذراعيها المرتخيتين عنه، وازالت قدماها الملتفتان من عليه سريعا كأنها أصيبت بصدمة كهربائية. وجهها احمرّ بالكامل وهي تتراجع محاولة الابتعاد عنه تميم ضحك ضحكة خفيفة من ردّة فعلها المرتبكة وبحركة خاطفة أمسكها وسحبها تحته حتى صارت أسفل جسده وعينيه تلمعان بشقاوة.

انخفض بصوته الرجولي وقال وهو يبتسم بسخرية ناعمة: “إزاي تحضنيني كده وانتي نايمة ها؟ مش قادرة تبعدي عني حتى وانتي مش واعية؟” غفران وجهها احمرّ أكثر حاولت ان تدفعه عنها ولكن تميم أمسك بيديها بخفة وهو يقول بصوت خافت وقريب: “كملتي عليّا يا غفران خلاص مبقتش قادرِ تسيبيني.” كانت أنفاسها تتلاحق وقلبها يدق بجنون تحت وطأة قربه وعينيها العسليتين تلمعان بدموع حائرة بين الغضب والخجل. اقترب تميم اكثر رغم ارتباكها ومحاولاتها المتكررة للابتعاد

كأن تميم قد فقد السيطرة على نفسه وكأن شيئًا انفجر بداخله الم ورغبة في التملك وفي عقله اراد استرداد ما فقده. اقترب منها أكثر وعيناه مثبتتان على عينيها المرتعشتين همس بصوت خافت وموجوع: “هتفضلي تستفزي في قلبي بحركاتك ديه وعايزاني أكون إيه؟ ملاك؟” ولم ينتظر ردّها بل انقضّ على شفتيها في قبلة لم تكن ناعمة ولا حانية بل كانت محمّلة بكل ما فيه من توتر وكل ما فيها من مقاومة

غفران حاولت ان تبعده ضربت صدره ودفعته بكفيها لكن فمه كان ملتصقًا بها بقوة قبلته العنيفة كانت قاسية ووسط مقاومته ومقاومتها جرح شفايفها بأسنانه دون أن يشعر ثم شعر بطعم الدم. ارتبك لكن شيئًا ما بداخله لم يتوقف تحرك شفتيه إلى جانب فمها ثم خدّها يقبّلها وهو يضغط بأسنانه كأنه يعاقبها أو يعاقب نفسه. ترك وراءه أكثر من جرح صغير علامات حمراء واضحة فوق بشرتها البيضاء خدّها شفتهاوطرف رقبتها ثم توقفت يده فجأة عندما سمع شهقتها.

غفران شهقت بصوت مكتوم دموعها نزلت مرة واحدة وصرخت وهي تدفعه بكل قوتها: “تميم كفاية ابعد عني بقي انا قرفا…نه منك” تجمّد في مكانه وكأن صوتها أيقظه من غيبوبة. تراجع ببطء عيناه تتسعان وهو يراها تلمس وجهها المدمى تلمس الجروح الصغيرة اللي تركها فيها. قال بصوت منخفض: “غفران أنا أنا آسف” لكنها لم تكن تسمعه نظرت له نظرة مليئة بالخذلان وأالالم والخوف. همست وهي تتحرك للخلف على السرير: “أنت مش بتحبني… أنت واحد مريض فاهم.”

وغطّت وجهها بيدها تنهار بصمت بينما هو جلس على طرف السريرزيتنفس بصعوبة ووجهه بين كفيه. كأن ما حدث كسر شي بداخله وداخلها حاجة بالأسفل وبعد ليلة طويلة من الصمت المشحون دخل تميم غرفة السفرة برفقة غفران التي كانت تحاول إخفاء توترها. نوح كان جالسًا بالفعل وقد عاد فجأة إلى المنزل مصممًا على كشف ما يحدث بينهما. رفع عينيه فور رؤيتهما لكنها لم تقع إلا على شفتي غفران التي كانت متورمة قليلًا وكأن أثر قبلة قاسية ما زال مرسومًا عليها.

تشنجت ملامحه وتنفس بغضب مكتوم لكنه لم ينطق. كان الجميع جالسًا حول المائدة والجو مشحون نظر تميم إلى نوح ثم قال فجأة: “جدي أنا هاخد غفران ونسافر.” التفت الجد إليه بدهشة: “رايحين فين؟” التفتت غفران إليه بصدمة لم تكن تعرف شيئًا عن هذا القرار همست بتوتر: “مش عايزة أسافر معاك في حته” مد تميم يده بهدوء وأمسك بيدها وقال بصلابة ناعمة: “هنسافر أنا عايز كده.” نوح شد فكه ونظر له بضيق واضح كان قد عاد ليكون قريبًا منها ليحاول على الأقل أن يمنع هذا العبث لكنه فوجئ بأنها ستُسحب منه من جديد.

** في صباح اليوم التالي كانت الإسكندرية هادئة على غير العادة. دخلا معًا إلى شقة صغيرة تطل على البحر لكنها كانت خالية من أي دفء. غفران دخلت أولًا وبدأت بترتيب الحقائب وسحب الملابس تميم واقف يراقبها في صمتزعيونه تتابع كل حركة، وكل تنهيدة. حين اتجهت إلى المطبخ تبعها بهدوء. كانت تُعد مكرونة بشاميل انشغلت بالتذوق ولم تنتبه له وهو يقترب منها. قال بنبرة خفيفة فيها لمحة دهشة: “من إمتى وانتي بتعرفي تطبخي؟”

رفعت عينيها وقبل أن ترد لمح آثار البشاميل على شفتيها. اقترب فجأة جذبها من خصرها بخفة وباغتها بقبلة خاطفة على الشفاه وهو يمسك بيديها وراء ظهرها تفاجأت حاولت التملص لكنها لم تستطع كانت قبضته أقوى.   بينما كانت غفران تحاول دفع تميم عنها يدها تحاول التحرر من قبضته أصابت الحلة الموضوعة فوق النار دون قصد الحلة اهتزّت بقوة ثم سقطت دفعة واحدة على الأرض لتنسكب المياه الساخنة بقوة وتنتشر على الأرضية

“آآآآه” صرخة مؤلمة اخترقت سكون المكان. الماء المغلي لامس ساقها وحرارة غير محتملة انتشرت على جلدها لتسقط على ركبتيها وهي تصرخ من شدّة الألم. “غفران” تميم صرخ بذعر حقيقي وقلبه يكاد ينفجر من الخوف ضمها إلى صدره وهي تبكي بصوت متألم وجسدها يرتجف بين ذراعيه “استحملي استحملي يا غفران أنا هنا مش هسيبك.”

انت في الصفحة 9 من 15 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى