-حُط نفسك مكاني يا حاج، آخد بعضي وأمشي ولا تلاقوا جثتي عايمة جنب شَط الترعة! -عن نفسي مش عارف أقول لك إيه، كلامك كله على حق، بَس إحنا عاوزين نرتاح من اللي إحنا فيه. -الراحة اللي بجد إنكم تعرفوا إيه السبب اللي خلَّى الترعة توصل للي هي فيه، ولمَّا تحلو مشكلتها تبقوا تطهَّروها. -يعني دَه آخر قولك؟ -ومفيش قول بعده يا حاج. كان لسَّه بيقوم من على الكنبة ولقيت فضولي بيدفعني أسأله سؤال، وفعلًا سألته:
-هي البلد دي فيها دجَّال؟ سؤالي خلاه يتجمِّد في مكانه، بَص لي باستغراب وقال: -وهوَّ في مكان بيخلى منهم، دَه كل منطقة وفيها شخص ملعون من دول، بَس إيه اللي خلاك تسأل السؤال ده! -يعني في دجَّال هنا، ووصفك له بإنه من الأشخاص الملعونة يبقى أكيد سيرته مسمَّعة. -سيرته مسمَّعة وكلها هباب، بَسطاوي الملعون. قرَّبت منه بخطوات بطيئة وسألته: -مفيش حد فيكم خطر على باله إن اللي اسمه بسطاوي دَه يكون له علاقة بالحال اللي الترعة وصلت له.
-وإيه علاقة بسطاوي الدجال باللي بيحصل في الترعة، دَه واحد ملعون عايش على السِّحر والشعوذة، بيطلَّق واحدة من جوزها أو يمرِض واحد أو يخلّي واحد ييجي على وشُّه لحد بيت واحدة، يعني جَلب وتفريق ومرض وكلام من دَه والعياذ بالله، لكن الترعة هي اللي فيها جنِّية بتاخد الشباب والكل بيخاف يقرَّب منها. -ومين بقى صاحب فكرة الجنِّية، بسطاوي الدجال ولا أهل القرية اللي وصلوا للفكرة دي بعد دراسة اللي بيحصل.
-لأ بسطاوي مالوش علاقة باللي بيحصل في الترعة، حتى لمَّا الحكاية بدأت في ناس لجأت له ومرضاش يتدخَّل وقال إنه ميفهمش غير في الشغل اللي متعوِّد إنه يعمله وبس. -وامتناع بسطاوي عن إنه يتدخَّل في الحكاية مخلَّكوش تشكُّوا إنه عارف اللي فيها ومش عايزه ينتهي لسبب هو بس اللي يعرفه، يعني على الأقل لو كان ساعد أهل البلد في حل المشكلة جايز دَه يغيَّر فكرتهم عنه، وميبقاش في نظرهم شخص ملعون، وامتناعه بيقول إنه عاوز ده يستمر.
-مستحيل نظرتنا عنه تتغيَّر، ده والعياذ بالله بيقولوا إنه لمَّا واحدة بتروح له تعمل سِحر بيطلب منها تعمل معاه حاجات تغضب ربنا، وبيقول إن دي طلبات الجِن اللي معاه. وهنا عرفت سبب إن الحاج زياد مقالش السبب الحقيقي ورا طلاق مراته، وقال إنها حبَّت واحد تاني وكانت عايزة تتجوِّزه، وشاف من وجهة نظره إن ده شيء محتمل الحدوث، ومن وجهة نظره برضه كان أهون بكتير من إن يتقال احتمال مرات الحاج زياد تكون عملت حاجات تغضب ربنا ومع دجال كمان، بَس دَه كلُّه خلاني أقول:
-بَس أنا واثق إن بَسطاوي ورا اللي بيحصل. لمَّا الحاج ياسين شاف إصراري سألني: -إيه اللي خلاك تسأل عن الدجال وليه مُصمم إن له علاقة باللي بيحصل، ما كل مكان فيه دجال واتنين وتلاتة ومفيش عندهم اللي بيحصل عندنا، ولا كل حاجة بتحصل مش قادرين نعرف سببها هنقول إن الدجالين هُمَّا السبب فيها. -جايز كلامي مُش مقنع بالنسبالك يا حاج، بَس أحيانًا ربنا بيبعت لك الإشارة اللي تمشي وراها عشان تحِل لغز مش عارف توصل لحلُّه.
-ويا ترى إيه هي الإشارة اللي جَت لك يا أُسطى عمَّار؟
-علي ابن الحاج زياد، أظن لمَّا طلعتوا من شوية شُفتوه وهوَّ واقف معايا، كان بيحكي عن إن سبب طلاق والدته إنها راحت للدجال، وإن التعب اللي كان عند أبوه بسبب العمل اللي عملته، بَس قالوا سبب غير ده لأنك عارف اللي فيها، وعارف الدجال بيطلب إيه من أي ست تروح له في شغل، لكن مُش ده اللي خلاني أقول إن الدجال هو السَّبب، في حاجة تانية علي قالها وسط الكلام، وهي إنه كان بيشوف الدجال بيظهر بالليل في البيت وقت ما كان العمل مدفون في بطن المرتبة، وقال إن رجليه كان لونها بُنّي محروق، وهو نفس وصف رجلين الشيء الغامض اللي
شُفته على سطح الكرَّاكة، وكمان بيفسر ظهورك ليا في الوقت اللي كنت فيه جوَّه بيتك، في حاجات بتحصل بتقول إن في سِحر ورا الحكاية. كلامي خلَّى الحاج ياسين يتخشِّب في مكانه، وبعد تفكير في اللي قُلته رد عليا وقال: -كلامك دَه لو صدق معناه إن الحرب هتقوم في البلد، ومش بعيد بَسطاوي الدجال يخربها أكتر. بعد ما قال لي الكلام دَه قُلت له:
-كل اللي طالبه منك إنك تنسى اللي سمعته منّي عن طليقة الحاج زياد، الراجل شكله طيِّب وميستحقّش إن الناس تعمل سيرته لبانه في بوقّها، وجايز ربنا أراد إن آجي هنا وعلي يحكي الكلام دَه عشان يحصل ربط بين اللي بيحصل وبين الدَّجال ويبقى في طرف خيط تمشوا وراه عشان اللعنة دي تنزاح، الطلب التاني بقى؛ هو إني عايز أدخل بيت بسطاوي الدجال. وشُّه جاب ألوان لأن طلبي كان غريب، بَس لمَّا شُفت الاندهاش على ملامحه كمِّلت كلامي وقُلت:
-أنا غريب عن البلد، يعني بسطاوي الدجال لا عُمره شافني ولا ملامحي عدَّت قصاد عينيه قبل كده، وغرضي من دخولي البيت هو إني هتعامل وكأني زبون جاي من بلد بعيدة وقاصده في خدمة، وهقول إني سألت عن واحد سِرُّه باتع والناس دلَّتني عليه، جايز من كلامي معاه أوصل لطرف خيط يساعدكم، وبكده أبقى قدِّمت المساعدة لكم من غير ما أنزل الترعة في نُص الليل بالكرَّاكة وأعرَّض نفسي للخطر، ولا إيه رأيك يا حاج؟
زي ما يكون سَرَح مع كلامي وراح لدنيا تانية، بَس بعد شوية لقيته بيقول لي: -لو على دخول بيت بسطاوي بسيطة، أنا هاخدك لمكان قريِّب من البيت وهشاور لك عليه وأنت عليك الباقي. بمجرَّد ما خلَّص كلامه لقيت تليفوني بيرن، كان سواق التريلا، ولمَّا فتحت المكالمة لقيته بيقول لي: -الشغلانة اتأجلت يا أسطى عمَّار، جاهز آجي لَك النهارده؟ بعد ما فكَّرت لثواني رديت عليه وقُلت: -خليها بُكره يا أسطى، هخلص شغلانة بسيطة كده والصُّبح أكون جاهز إن شاء الله.
قفلت المكالمة وقُمت مع الحاج ياسين، وعلى السلم قابلت علي، كان بيبُص لي بصَّة فهمت منُّه إنه بيقول لي متجيبش سيرة الكلام اللي حكاه قدامي، ساعتها ابتسمت له في صمت وأنا بحُط كف إيدي على راسه، وبعد ما اتكلمنا مع الحاج زياد والحاج ياسين قال له إننا رايحين الجامع؛ خرجنا من البيت ومشينا، كُنَّا بنخرج من شارع لشارع، لحد ما لقيت نفسي في مكان على طرف البلد، أرض واسعة والمقابر كانت ظاهرة على مرمى البصر، وفي المكان دَه لقيت الحاج ياسين بيشاور ناحية بيت من دور واحد، كان لوحده في المنطقة ومفيش حواليه بيوت، وساعتها قال لي:
-دَه بيت بسطاوي. بعدها خبط على كتفي بكف إيده وقال لي: -رغم إني مش عارف اللي هتعمله هيكون نتيجته إيه؛ بس كفاية إنك بتحاول تساعدنا. سابني وكملت طريقي لوحدي، ولمَّا وصلت عند بيت بسطاوي خبَّطت على الباب، خبطة ورا التانية لحد ما الباب اتفتح، ساعتها لقيت قدامي واحد عُمره في الأربعينات، كان لابس جلابية وشَعره أسود وجِلد وشُّه شاحب، وكان بيبُص لي بدون ما يرمِش، عينيه كانت ثابته بطريقة غريبة، جسمي قشعر وحسيت بقبضة في قلبي من بصِّته الطويلة ليَّا، معرفش ليه حسيت إنه كاشفني، حاولت على قد ما أقدر أظهر قدامه إني طبيعي، عشان كده قُلت له:
-ده بيت بسطاوي؟ بَص لي بنفس الجمود والثبات، وقال بنبرة هادية: -اتفضل. بمجرَّد ما دعاني لدخول البيت أخد جنب عشان يعطيني مساحة أكمِّل طريقي لجوَّه، وبمجرَّد ما دخلت قابلتني ريحة بخور شديدة، معرفش ليه حسيت إنها اتوجدت في اللحظة اللي دخلت فيها البيت. وقفت قدام باب الشقة وانتظرت، في الوقت دَه حسِّيت بإيد بتدفعني دفعة خفيفة من ضهري، وبعدها قال لي: -اتفضل ادخل، أنا عايش لوحدي.
برغم كلامه فضلت واقف في مكاني، عطيته فرصة يسبقني لجوَّه، وبعد ما دخل قدامي ودخلت وراه؛ قعدنا في أوضة محتوياتها كانت مُريبة، كان متعلَّق على حيطانها رؤوس حيوانات متحنَّطة، وفي أركان الحيطة لمحت حجارة متعلقة بخيوط، دَه غير ريحة الأوضة اللي كانت هي مصدر ريحة البخور، لأن كان في راكية فَحم على ترابيزة في نُص الأوضة، وكانت من وقت للتاني بتفوح منها ريحة البخور. عيني فضلت مبحلقة في تفاصيل الأوضة، لحد ما سمعت صوت بسطاوي وهو بيقول لي:
-غريب؟ في اللحظة دي بصِّيت له وقُلت له: -فعلًا؛ أنا مُش من البلد. -إيه مُرادك؟ -أخويا واكل حقِّي، وعايز أنتقم. بَص لي شوية زي ما يكون بيقلِّب كلامي في دماغه وقال لي: -بسيطة، كل المطلوب منَّك أطَر أخوك، ونشوف طلبات الأسياد إيه، بعدها مُرادك هيتحقق. -أنت واثق من إنه هيتحقَّق؟
سألته السؤال ده لأني في الأساس ماليش أخ، ولا في حد واكل حقي، بَس معرفش ليه مكنتش مطَّمن لمَّا لقيته بيكمِّل معايا في الكلام، واحد زي ده المفروض يقدر يكتشف إني بخدعه، أو جايز كشف اللعبة وبيكمِّل معايا عشان هوَّ اللي يخدعني في النهاية، كل ده كان بيدور جوَّايا، بس قطع تفكيري لما جاوبني على سؤالي وقال: -ولو مش واثق إنه هيتحقق، إيه اللي جابك من آخر الدنيا لحد بيتي!
فكَّرت في سبب مقنع وردِّيت عليه: -مقصدش؛ بَس أنا جرَّبت أكتر من حد ومفيش نتيجة. -ودَه حصل عشان تيجي لحد عندي وتلاقي النتيجة اللي بتدوَّر عليها. بصِّيت له واندهشت من الثقة اللي هوَّ فيها وسألته: -تحِب أجيب لَك أطَر إيه بالظبط. -ضافر، خصلة شعر، اللي إيدك تطوله، وبعدها الأطر هيروح المكان اللي لازم يروحه. في اللحظة دي قُمت من مكاني وأنا بقول له: -النهارده هكون عندك بالأطر.
بمجرَّد ما بدأت أتحرَّك من مكاني حسيت برعشة ضربت جسمي، وده لأني لمحت رجليه وهو قاعد، لونها كان بُني محروق، ومُش دَه وبَس اللي لفت نظري، كفوف رجليه كان مكانها حوافر أشبه بحوافر التيوس، وبمجرد ما أدركت دَه حسيت إن جسمي تلِّج، وقفت متنَّح لدرجة إنه أخد باله وقال لي: -فيك حاجة يا أستاذ؟ عيني جَت على رجليه من تاني، المرَّة دي لقيت شكلهم طبيعي، زي ما يكون عقلي الباطن خلاني أشوف شيء غير حقيقي بسبب اللي حصل معايا ولمجرَّد إني دخلت بيت دجال، وبرغم كده جاوبت على سؤاله وقُلت:
-أنا بَس كنت بفكَّر هوصل للأطر إزاي. بعدها قام من مكانه ومشي قدامي عشان يوصَّلني، وعلى الباب لقيتني بقول له: -نسيت تقول لي طلبات الأسياد إيه. ساعتها ابتسم وقال لي: -على ما ترجع لي أكون عرفت منهم، بس تقَل جيبك.
خرجت من بيت بسطاوي، ولمَّا حسيت إني بقيت في أمان اتصلت بالحاج ياسين، حكيت له كل حاجة، وقُلت له إني بقيت متأكد من إن بسطاوي ورا اللي بيحصل في الترعة، ودَه بسبب إني شُفت رجليه بنفس شكل رجلين الشيء الغامض اللي ظهر لي هناك، حتى وإن كُنت شفتها بشكل مؤقت، ولمَّا سألني عن الأطر، قُلت له إني هقُص خُصلة من شَعري، ولمَّا حسِّيت إنه خايف أتأذى بسبب اللي هعمله، قُلت له إني نويت أراقب بيت بسطاوي وأشوفه هياخد الأطر ويروح فين، وبعدها أبقى أطلَّع الأطر ونشوف فيه حل، لأني فهمت من كلامه إن الأطر مش هيكون في البيت.
على آخر اليوم كُنت راجع لبسطاوي بخصلة شَعر من راسي، ولمَّا سلِّمته الأطر قال لي: -مطلوب عشر بواكي، وبعد ما المُراد يتحقق تيجي لحد عندي وتجيب عشرة زيهم.
كنت عامل حسابي في المبلغ، الحاج ياسين عطاني الفلوس لما عرَّفته إنه قال لي تقّل جيبك، عشان كده طلَّعت الفلوس وحطيتهم قدامه على الترابيزة، بعدها قعدت عشان أشوف إيه الخطوة اللي جاية، في الوقت دَه مد إيده وطلَّع حجر من تَحت الكنبة اللي قاعد عليها، كان زي الحجارة المتعلقة في أركان الحيطان، فيه ثقوب رفيعة، بدأ يسقَّط فيها الشَّعر وبعدها بدأ يكتب عليه حاجات غريبة بقلم لونه أحمر وهو بيهمس بصوت مسموع وبيقول:
“أدخِل صاحب هذا الأطر إلى عالمك، اغمره بمائك الذي له رائحة المو*ت، اجعل دماءه راكدة كالماء الذي تضع عرشك عليه”. في اللحظة دي فهمت إنه بيتكلم عن الترعة، لكني فضلت ساكت لحد ما خلَّص اللي بيعمله وقال لي: -مُرادك هيتم خلال أسبوعين، بعدها تيجي تقعد في مكانك دَه وتطلع من جيبك اللي قُلت لك عليه.
خرجت من عنده بعد ما هزيت راسي في صمت، ولما وصلت للحاج ياسين حكيت له كل حاجة، ولحد هنا بقى عندنا يقين إن بسطاوي ورا اللي بيحصل في الترعة، خصوصًا لمَّا جاب سيرة الميَّه في اللي بيقوله، وبالفعل، راقبنا بيته من بعيد، لحد ما الليل دخل وبقينا نُص الليل، الشوارع كانت فاضية وشِبه ضلمة، وساعتها شُفنا بسطاوي وهو خارج من بيته وفي إيده كيس أسود، ومكانش عندي شَك إن الكيس الأسود ده جوَّاه الحجر اللي فيه أطري.
فضلنا وراه من بعيد، كان واخد اتجاه الترعة لحد ما وصل عندها، ساعتها شُفناه بينزل في الأرض وكأنه بيركع لكيان أقوى منه، وبعد شوية لمحنا شيء بيتحرَّك في الضلمة، كان خيال ضَخم، لونه بُني محروق، بدأ يقرَّب من الشط ناحية بسطاوي، اللي أوِّل ما الكيان بقى قدامه رفع إيده وناوله الكيس باللي فيه، وساعتها الكيان أخد منُّه الكيس ونزل به تَحت الميَّه. لو اللي شُفته بعيني كان في فيلم مكنتش صدقته، لكنه حصل قدام عيني أنا والحاج ياسين، وفي الوقت دَه راقبنا بَسطاوي وهو راجع لحد ما دخل بيته.