و بعد مرور عشر دقائق ، وصل يونس بصحبه نادين إلى أقرب مطعم من منزلها ، فهو لا يستطيع الذهاب معها الآن إلى مكان بعيد ، فهو يشعر بالأختناق لا يعلم ما الذى أصابة ، يريد أن يبقى بمفرده لبعض الوقت ، و لكنه تحامل و تجاهل هذا الشعور ، و هبط من السيارة ذاهبا إلى الجانب الآخر منها ليفتح الباب لنادين ، و بالفعل هبطت هى الأخرى و تأبطت ذراعه ، و دلفوا إلى المطعم سويا ، فأسرع هو ساحبا لها الكرسى الخاص بها لتجلس و جلس هو الآخر قبالها ، و لكنها تشعر بأن هناك خطب بالأمر ، فهى
منذ أن رأته و هو يبدو عليه الشرود و الحزن فتساءلت بفضول: يونس أنت كويس
فأنتبه لها يونس و تفوه و هو يتصنع الإبتسام: أنا كويس
فنظرت له نادين بأستغراب و تابعت بهدوء: أنت متأكد أنك كويس ، ثم أضافت و هى تتصنع الحزن؛ هو ده شكل عريس فرحه كمان كام يوم
فتنهد يونس ثم نطق بنبرة حانية: صدقينى يا نادين غصب عنى ، ثم واصل بحزن؛ أنا إنهارده طلقت دهب
و بمجرد ما نطق يونس بهذه الجملة حتى أبتسمت نادين أبتسامة عميقة تكشف عن أسنانها و تابعت بسعادة: أنت بتتكلم بجد يا يونس ، ثم نظرت له بأستغراب و ضيقت عيناها؛
هو أنت زعلان يا يونس أنك طلقتها و أنك هتتجوزنى
فوضع يونس وجهه بالأرض ثم نطق بحزن: أكيد لا ، أنا أسعد إنسان فى الدنيا عشان هتجوزك ، و أنى هصحى كل يوم الصبح على صوتك و هشوفك قدامى كل ثانية ، بس فى نفس الوقت دهب تبقا أم أبنى و مش حابب الولد يتأثر بالإنفصال ، ده كل اللى مضايقنى و حازز فيا ، و متنسيش برضو أن أنا و دهب كان فى بينا عشرة لسنين طويلة و أنها كانت مراتى
فردت نادين بحدة:
كانت مراتك بس أنت مابتحباش ، أنت بتحبنى أنا ، مش ده كلامك ليا
فأوما يونس برأسه مسرعا قائلاً بتأكيد و هو يمسك بيديها الموضوعة أعلى الطاولة: أكيد يا حبيبتى ، أنا بحبك أوى يا نادين و معاكى حسيت بمشاعر و احاسيس عمرى ما حسيتها قبل كده ، أنا كل زعلى عشان خاطر أبنى بس مش أكتر
فنطقت نادين بهدوء: صدقنى يا حبيبى ، إبنك كده هيبقا أحسن له ، تخيل كده لما طفل فى عمره يعيش بين أب و أم بينهم
مشاكل و مفيش حب بينهم ، الطفل ده ممكن يحصله إيه ، لكن دلوقتى إبنك هيتربى بين أب و أم محترمين بعض ، و مفيش بينهم أى مشاكل فأكيد إبنك كده هيكون سوى نفسيا و أحسن ١٠٠ مرة من قبل كده
فأوما يونس برأسه ثم أبتسم بحب فهو يحاول أن يقنع حاله بحديثها هذا ، هو يريدها و يريد سعادة قلبه و هذا يكفى و كلامها هذا صحيح ، فالطفل عندما يتربى فى جو ملئ بالمشحنات و المشاكل سيؤثر هذا بالسلب عليه ، لكن ما حدث الآن من المؤكد أنه فى صالح الصغير ، فرفع يديها ملثما إياها برقة و
حنان و تابع بحب: عندك حق يا حبيبتى ، كده أحسن فعلاً ، ثم تابع بنبرة حانية؛ المهم أنك معايا
فضغطت هى بيديها على كفه الممسك بيديها و أردفت بحب: أنا بحبك أوى
فنطق هو الأخر بحب: و أنا بم\وت فيكى
و بعد مرور أسبوع …..
اليوم هو يوم زفاف يونس ، اليوم سيزف زوجها ، حبيبها على إمرأة أخرى غيرها ، اليوم ستكتب على إسمة زوجة أخرى له، ستحمل إسمه إمرأة أخرى ، و من المؤكد أن تلك المرة ستحمل بأحشائها ذات يوم قطعة صغيرة منه
كيف لها أن تتحمل هذا الوجع بالله ؟
كيف لها أن تتخطى هذه الحسرة الكامنة بداخلها ؟
هبت واقفة من مكانها ثم سارت بأتجاه التسريحة خاصتها ، و نظرت إلى حالها بالمرآه
نظرت إلى حالها و لكنها لم تتعرف على نفسها
أين ملامحها البريئة ؟
من أين لها هذا الحزن الساكن ملامحها ؟
فهذه ليست ملامحها ، فهى لم تشعر يوماً بهذا الكم من الحزن الذى يسكن قلبها و ملامحها الآن ، حتى عندما تخلى عنها والديها و عاشت بداخل هذا الملجأ الذى عانت بداخله الويلات ، لم تشعر بكل هذا الحزن
مألت برأسها قليلاً ثم رفعت يديها على المرآه و بدءت تسير بأناملها أعلى ملامحها و بدءت دموعها فى الهطول ، تبكى و تبكى ….
تبكى على مرارة هذه اللحظة ، تبكى على حب ظنته يوماً أمانها ، تبكى على الرجل الوحيد الذى أحبته بل عشقته بكل ما لديها من مشاعر ، تبكى بحرقة ، تبكى على عمر ضاع منه الكثير من السنوات تحت مسمى الحب الخادع أو بما يسمى بخدعة الحب ، ظلت تبكى و هى شاردة الملامح تنظر إلى حالها لما يقرب من الخمس دقائق ، ثم بدءت شهقاته تعلى و تعلى إلى أن تحولت إلى صرخات مكتومة لا يسمعها إلا القريب منها فقط ، ظلت تصرخ إلى أن شعرت بأن أحبالها الصوتية لم تسعها على الصراخ ، فهبطت على الأرض تبكى بحرقة و
قهرة على حالها ، و على ما فعله بها حبيب عمرها ، تبكى على ما جنته من هذا الحب أو على ما ظننته يوماً أنه حب ، تبكى و تبكى إلى أن علت شهقاتها ، و هنا أنفتح الباب بعـ,ـنف و دلفت منه دينا جالسة على الأرض بجانبها قائله بلهفة و حزن: دهب ، دهب مالك فيكى إيه
فنظرت لها دهب و نطقت بوجع:
أنا بمو\ت يا ديناااا ، بم\ت أنا مش قادرة أتنفس حاسة أنى روحى بتطلع ، أنا عاملة زى المدبوحة يا ديناااا و مش عارفة حتى أفرفس
فأجتذبتها دينا إلى داخل أحضانها رابته عليها مردده بحزن على حالها: بعد الشر عليكى يا نور عينى ، أنتى قوية يا دهب ، أنتى مش ضعيفة عشان تعملى فى نفسك كده
فخرجت دهب من بين أحضانها مردده بوجع: عاوزانى أعمل إيه يا دينا ، عوزانى أتحزم و أروح أرقصله فى فرحه عشان أبقا قوية ، عاوزانى أكتم قهرتى و حسرتى و أم\وت بقهرتى و وجعى عشان أبقا قوية ، و هو ينبسط و يحب و يتجوز و يعيش حياته
فقاطعتها دينا بقوة:
ما أهو عشان هو بيحب و بيتجوز و مبسوط فى حياته ، لازم أنتى كمان تنبسطى و تعيشى زيه و أن مكانش أحسن منه كمان ، لازم تثبتى للدنيا كلها أنك قوية ، و أنك دهب اللى ب١٠٠ راجل ، لازم ترجعى تقفى على رجلك من تانى و تشوفى نفسك و حياتك و إبنك ، لازم تشوفى مستقبلك اللى ضيعتيه من سنين بسبب كدبه و وهم عشتيه ، أنا مش بقسى عليكى يا دهب ، بس أنا بحبك و عوزاكى تفوقى لنفسك و تشوفى مصلحتك و مصلحة إبنك لأن محدش هينفعك ، يا حبيبتى أنا خايفة عليكى و مش عوزاكى تعيشى
عمرك كله فى قهرة و زعل ، أنا عوزاكى تبنى نفسك من جديد و تبنى دهب جديدة غير دهب اللى الوجع و القهرة كسروها
فنظرت لها دهب و كأنها تفكر فيما تتفوه به دينا ، ثم هتفت بتسهيم: يعنى أعمل إيه ثم أكملت بدموع و هى تمسك بيد دينا بلهفة؛ قوليلى أعمل إيه يا دينا بالله عليكى ، قوليلى أخرج من الوجع اللى جوايا ده أزاى
فأبتسمت لها دينا و تفوهت بحب:
أنك تهتمى بنفسك ، و تغيرى أستايلك ، و ترجعى تانى لدراستك اللى سبتيها من سنين ، و تشتغلى و تبنى نفسك و تعملى كارير و تثبتى ليونس و لكل اللى حواليكى أنك تقدرى ، أنا لو مكانك هنزل من بكرا أقدم ورقى فى الجامعة و أكمل دراستى و أشوف مستقبلى و أثبت ذاتى
فقالت دهب بشرود و هى لاتزال تفكر بهذا الحديث: طب أزاى هعمل كل ده ، و أزاى هرجع بعد السنين دى كلها أدرس و
أدخل وسط الطلاب دول كلهم و أنا أكبر منهم بكتير
فتابعت دينا بحماس: بسيطة أوى ، من ناحية الكلية تقدرى تقدمى إنتساب و تروحى على الأمتحانات بس ، و من ناحية الشغل ، الشركة اللى أنا بشتغل فيها طالبين محاميين تحت التدريب و بعد ما يخلصوا تدريب بيتثبته فى الشركة و بيكون مرتبهم عالى أوى ، ثم أكملت و هى تغمز لها بعينها؛ أما بقا شكلك و أستايلك فده سبيه عليا أنا ، و أنا هروقك و أنتى طبعاً عارفانى فى الحتة دى بالذات معنديش ياما أرحمينى
فأبتسمت لها دهب بحماس متناسيه وجعها هذا:
ايوه يعنى هتعملى فيا إيه
فوكزتها دينا فى كتفها بمرح ثم أكملت بحماس: هروقك ، مبدءيا كده هأخدك لبيوتى سنتر أغيرلك لون شعرك و نقصره شوية ، و هنروح لدكتور تغذية نتابع معاه أحنا الأتنين عشان نخسلنا كام كيلو كده ، و بعدين هننزل نشترى أحلى لبس فى الدنيا لأحلى و أجمل بنت ، و هروح معاكى لحد الجامعة و هنقدم الورق و هتنزلى و هتكملى دراستك ، و أنا من بكرا هكلم مستر عزيز و أقوله أنك هتنزلى معانا تدريب
فهتفت دهب بتخوف و أرتباك:
دينا أنا خايفة أوى من كل الحاجات دى و هتكسف أنا عارفة نفسى ، أنا بغرق فى شبر ميه
فأجابتها دينا بحب و حماس: ما عشان كده كمان قررت أروح أنا و أنتى لمعالج نفسى ، لأن فى حاجات كتير أوى فى شخصيتنا و أسلوب حياتنا محتاجة تتعدل عشان نقدر نتكيف مع الظروف اللى حوالينا ، يعنى هو أنا مبسوطة بقفلتى على نفسى دى و أنى مش عارفة أعيش حياتى زى أى حد طبيعى
ردت دهب بحزن: عندك حق أحنا فى حاجات كتير أوى فى حياتنا لازم تتغير
فأبتسمت لها دينا أبتسامة ذات مغزى و استطردت بحماس: يبقا أتفقنا يا دهوب ، و من بكرا هنبدء ننفذ كل اللى أتفقنا عليه
يتبع….رواية ولد الهلالي الفصل الثالث 3 بقلم نور بشير البارت الثالث: فى منزل يونس بالطابق الثالث ، حيث أن والديه يمكثان بالطابق الأول ، و دهب و صغيره بالطابق الثانى ، و هو و نادين عروسة الجديدة سيقيمان بهذا الطابق ….
بمجرد ما أن دلف أثنانهم من باب المنزل ، حتى توجهوا سريعًا إلى غرفة النوم خاصتهم ، و ما أن خطت نادين بقدماها إلى داخل الغرفة حتى ألتفتت إلى يونس مردده بسعادة: أنا مبسوطة أوى أخيراً يا يونس ، أخيراً حلمنا أتحقق و بقينا مع بعض
فأبتسم لها يونس و تابع بحب و هو يقبل إياها:
أنا اللى أسعد إنسان فى الدنيا دلوقتى ، أنا مش مصدق أنك بقيتى على أسمى و فى حضنك و أنى هصحى كل يوم الأقيكى جمبى ، ثم أقترب منها ساحقا إياها داخل أحضانه قائلاً بهيام: بحبك
و بعد مرور عدة أيام قليلة ، لم تظهر دهب خلالهم ، و لم يلمح لها طيف حتى ، فهى تخرج فى الصباح الباكر و لا تعود إلا مساءاً تاركه صغيرها مع جدته ، و بمجرد ما أن تعود إلى المنزل حتى تهاتف صغيرها طالبه منه الصعود إليها ، و فى المساء تستمع إلى صوت ضحكات زوجها الرنانة برفقه زوجته ، فهو منذ زواجه لم يراه أحد قط و لم يخرج من باب منزله ، فهو مكتفى بمجبوبته حتى والديه لم يطل عليهم أو يسأل على صغيره منذ ذلك اليوم ، فهو و كأنه مكتفى بتلك النادين عن البشر جميعاً حتى
أعزهم إلى قلبه
و ها هى دهب تجلس إلى جوار دينا فى أحد مراكز التجميل ، و هى لم تصدق ما أصبحت عليه ، فهيئتها قد أختلفت أختلاف كلى ، بدءا من خصلاتها التى قامت بتغيرها إلى اللون الأشقر و تقصيرها أيضاً و أهدابها التى زادت كثافتها وصولاً إلى أظافرها المطلية بطلاء الأظافر الأسود الليلى ، و فستانها الأسود المرتسم بدقة على معالم جسدها ، و حذاءها المرتفع ، كل هذا لم يضيفها إلا جمالاً و نعومة ، فشكلها أختلف قلبا و قالبا ، من يراها منذ عدة ساعات مضت لم يصدق إطلاقا أن هذه هى دهب بشحمها و لحمها
….. فنظرت إلى حالها بإنبهار ، و كأنها تتعرف على نفسها من جديد ، و كأن هذه الماثلة أمام عيونها عبر الزجاج ما هى إلا فتاة أخرى غيرها ، فتاة لم يعرف للحزن طريقا لها من قبل ، فمظهرها القوى الناعم بالوقت نفسه يجعلها تشعر بالقوة و كأنها أصبحت فتاة أخرى غير تلك التى جرحت من قبل ، ظلت تنظر إلى حالها بالمرآه لما يقرب من السبع دقائق ، ثم نطقت بذهول و هى لا تصدق ما أصبحت عليه للتو: مش معقول ، أكيد أنا بحلم ثم رفعت يديها إلى فمها و فلتت من بين شفتيها ضحكة طفولية سعيدة؛
مش معقول أكون أنا دى ، و تابعت و هى توجهه حديثها إلى دينا بفرحه ممزوجه بعدم تصديق؛ دينا قوليلى أن دى أنا بجد
فأومات لها دينا برأسها عدة مرات و أبتسمت لها أبتسامة حب و تحدثت بنبرة حانية: لا صدقى يا دهب ، دى أنتى فعلاً ، أنتى جمالك كان موجود من زمان بس أنتى اللى مكنتيش بتظهريه ، و أوعى تفكرى أن اللى حصل ده هو اللى حلاكى كده ، أنتى أصلاً جميلة ، جميلة من بره زى ما أنتى جميلة من جوه ، و تأكدى يا دهب أن اللى جوه ده أهم بكتير أوى من اللى بره
فضيقت دهب عيناها ثم نطقت بمرح:
يا شيخة حرام عليك ، ده أنا أتغيرت تغير جذرى ، و أنتى تقوليلى أنتى كنتى جميلة ، أنتى مكنتيش بتشوفى قبل كده ولا إيه
فردت دينا بمرح هى الأخرى: هو أكيد شكلك أختلف كتير ، و زدتى حلاوة و جمال فوق حلاوتك و جمالك ، بس أنا طول عمرى شيفاكى حلوة ، طول عمرى شايفة جمال قلبك و روحك يا دهب ، و لا مرة شوفتك وحشة
فهبطت دمعة هاربة من عيون دهب و أردفت بحب و هى تهم بأحتضانها:
أنا بحبك أوى ، أنا بجد مش عارفة أشكرك أزاى ، و مش عارفة من غير وجودك فى حياتى أنا كان ممكن يحصل ليا إيه
فردت دينا بمرح: كنتى هتفضلى هبلة زى ما أنتى ، و بتقولى كلام أهبل زيك ، ثم شددت على أحتضانها و أضافت بحب؛ يا عبيطة أنتى أختى مش صحبتى ، و أنا ماليش فى الدنيا دى غيرك أنتى و إبنك المقروض الصغير حبيب خالتو ، و أنا واثقة و متأكده أنى لو كنت أنا اللى مكانك كنتى أنتى هتعملى معايا أكتر من كده
و فى المساء صعدت زينب إلى شقة يونس محملة بالطعام له و لزوجته ، و ما أن فتح لها الباب حتى أبتسم و هتف لها بلهفة و سعادة: ماما ، تعالى يا حبيبتى ، نورتى
فأجابته زينب بأقتضاب: البيت منور بصحابه ، ثم أضافت على مضض؛ ده أكل ليك و لعروستك ، مينفعش تكونوا فى بيت عيلة و محدش يطلع ليكم أكل ، عيب أهل السنيورة يقولوا علينا إيه
فهم يونس أنا يرد إلا أن زينب لم تعطى له الفرصة للرد و هتفت بحنق و هى تعطى له ظهرها للإنصراف:
أنا نزلة عن إذنك
فأوقفها يونس قائلاً بخجل من والدته: ماما ، أنتى رايحة فين ، تعالى أدخلى أشربى حاجة و أتعرفى على نادين
فنظرت له زينب بقرف و نطقت بسخرية: وقت تانى يا عريس ، أنا لازم أنزل عشان أعشى مالك
فتجاهل يونس سخريه والدته هذه و أكمل بتساؤل: و هو مالك إيه اللى مقعدة عندك للوقت ده ، و ليه مش تحت مع دهب
فأجابته والدته على مضض: عشان دهب مش موجوده و هو بقاله كام يوم معايا و لما أمه بترجع بالليل بتكلمه يطلع لها
فقال يونس بتساؤل و غضب:
و دى بتروح فين كده كل يوم و راميه إبنها ليكى
فردت عليه والدته بغيظ منه: والله بتروح فين أو بتيجى منين دى حاجة ولا تخصك دلوقتى ولا تخصنى ، أنا اللى يخصنى حفيدى و أنى أشوفه مبسوط و مرتاح و الحمدلله أمه مراعياه و واخده بالها منه كويس ، ثم فرت من أمامه هاربة قبل أن
تستمع إلى رده ، تاركه خلفها يونس يم\وت غيظا من أفعال زوجته أو من كانت يوماً زوجته ، و ردود والدته عليه المستفزة هذه ، فاق من شروده و قام بغلق الباب و عاد إلى الداخل حيث تجلس زوجته واضعا الطعام أعلى المنضدة ، فهتفت نادين بغنج: حبيبى ، مين اللى كان على الباب
فأجابها يونس بتوهان: دى ماما كانت بتجيب لينا العشا
فهبت نادين واقفة و نطقت بلهفة:
إيه ده بجد ، ده أنا جعانة أوى
ثم أقتربت من الطعام رافعه الغطاء من فوقه ، و لكن رد فعلها كان صدمة بالنسبة ليونس ، فهى بمجرد ما أن رفعت الغطاء حتى شهقت بتقزز؛ إيه ده يا يونس اللى مامتك بعتاه
فنظر يونس إلى الطعام ثم وجهه نظره لها قائلاً بأستغراب: ده محشى يا حبيبتى و بط ، هو فى حد ميعرفش المحشى
فنطقت نادين بتقزز: أنا إستحالة أكل الكلام ده ، الأكل ده مليان Fats و أنا مقدرش أكله ، ثم أقتربت منه واضعه يديها أعلى كتفه بدلال؛
أنت عاوزنى أتخن و جسمى يبوظ يا يونس ، و بعدين الأكل ده غلط جداً عشان cholesterol يا بيبى
فرد يونس بحيرة من أمرها: يا حبيبى الأكل ده ماما هى اللى عملاه بأيديها ، و هتبقا بايخة أوى لو رجعنا الأكل تانى ليها
فاستطردت نادين بغنج: حبيبى أنا مقولتش نرجع الأكل لأنطى ، أنا قولت نطلب أكل من بره يناسبنا
فرد يونس بتساؤل: و الأكل ده هنوديه فين
إجابته نادين بلامبالاه:
بسيطة يا حبيبى ، كلم البواب و أديله الأكل ده يتعشى بيه هو و مراته و ولاده ، و نطلب أحنا بيتزا
فنظر لها يونس بتردد ، فأكملت نادين بأصرار: يلاااا يا بيبى بقا ، أنا هم\وت من الجوع
فأطاعها يونس بالفعل ، و قام بمهاتفه أحد المطاعم الشهيرة بعمل البيتزا و طلب لهم الطعام ، و بعد مرور نصف ساعة جاء عامل التوصيل الخاص بالمطعم و أحضر معه البيتزا كما طلبها منه يونس ، فهاتف يونس البواب طالبا منه الصعود إليه ، و بعد
مرور دقائق هبط حارس العقار و معه الطعام المغطى الذى أرسلته زينب ليونس و عروسه ، و فى هذه الأثناء كانت دهب تصعد الدرجات برفقه دينا ، و فتحت زينب باب شقتها بالصدفة لتوضع القمامة بجانب الباب ، و إذا بها تتفاجأ بنزول الحارس محملا بالطعام الذى أرسلته منذ قليل لولدها ، فأوقفته زينب قائله بأستغراب و تساؤل: إيه ده يا عم رجب اللى أنت شايله ده
فأجابها عم رجب بسعادة: ده يونس بيه الله يكرمه ، ندالى و عطانى محشى و بطاية أتعشى بيهم أنا و العيال
فأومات له زينب برأسهم بتسهيم و توهان و أردفت بحزن:
بألف هنا عليكم يا عم رجب
فأجابها عم رجب بحب: الله يهنيكى يا ست الكل
و ما أن هم عم رجب بالذهاب إلا أنه أوقفه ظهور إمرأة شقراء ، يخيل له أنه قد رأها من قبل ، فنظرت لها زينب هى الأخرى بصدمة و تفوهت بذهول: دهب ، يخرب عقلك ده أنا معرفتكيش غير لما شوفت دينا طالعه معاكى ، إيه يا بت الحلاوة دى كلها ، كان مستخبى الجمال ده كله فين
فنظرت لها دهب بخجل ثم نطقت بحب: ده جمال عيونك يا ماما قصدى يا طنط
فنظرت لها زينب و أردفت بحزن:
كده برضو يا دهب ، يعنى هو اللى كان رابطنى بيكى يونس بس ، أخس عليكى يا دهب
فنطقت دهب بحزن و لهفة: أبداً والله يا ماما ، أنا اللى خوفت حضرتك اللى تحطى الحدود دى و كنت متردده أوى و أنا بقول لحضرتك كده و خوفت أكتر لتكسفينى
فنهرتها زينب بحب: أخس عليكى يا دهب ، بقا كده تظنى فيا كده ، يا بنتى أنتى بنتى مش مرات إبنى و أم حفيدى بس ، و مفيش أم يا حبيبتى بتستغنى عن ضناها مهما عمل أو حصل
فأقتربت منها دهب محتضنه إياها بحب و تابعت بخجل:
أنا أسفة يا ماما والله ما كان قصدى أضايق حضرتك ، ثم وضعت قبلة حانية أعلى رأسها
فنظرت لها زينب و أبتسمت بحب: لو أنتى عاوزه تصلحيتى بجد يبقا تقعدى أنتى و دينا تتعشوا معانا إنهارده
فأجابتها دهب بتردد: بس….
فقاطعتها زينب بحماس: مابسش أنا قولت هتتعشوا معانا يعنى هتتعشوا معانا ، ده أنا عمله ليكم شوية محشى إنما إيه ، و عمللكم كمان بط يستاهل بقكم
فأقتربت منها دينا و نطقت بحماس: ايوه بقا يا زوزو يا عسل هو ده الكلام ، خشى عليا بالمحشى
فنظرت لها دهب مضيقه عيناها و أكملت بمرح: و بالنسبة للدايت و الكلام اللى الدكتور قاله ، و أن مفيش عشا ، إيه كل ده أتبخر
فأبتسمت دينا و أضافت بمرح:
لا ما هو بصراحة محشى زوزو مايتقاومش ، و بعدين إحنا نعتبر إنهارده اليوم ال Free و من بكرا نبدء دايت جامد أوى
و بالفعل دخلوا جميعاً إلى الداخل و بمجرد ما أن دلفوا حتى هب كريم واقفا فى مكانه مركزا نظراته على دينا قائلاً بهيام:
ده يا ألف أهلاً وسهلاً يا مرحبا ، دينا هانم بنفسها عندنا هنا و منورانا
فنظرت له دينا و أبتسمت بمرح فهى تتفهم نظرات كريم لها جيداً و لكنها لا تريد أخذ الموضوع على محمل الجد حتى لا تتسبب فى جرحه أو جرح حالها فهى أيضاً تشعر بالراحة تجاهه و لكنها تحاول أن تتجاهل هذا الشعور دوماً فقالت بمزاحها المعتاد: يا نهار أبيض كريم بجلالة قدره موجود ، و أنا أقول الدنيا مضلمة ليه
فنظر لها كريم بثقوب و تابع بمرح: أنتى قد كلامك ده
فأكملت دينا بتأكيد: أومااااااال
و هنا هتفت دهب بمرح: إيه يا سى كريم هو أنا هوى قدامك ، ثم تابعت بنبرة ذات مغزى و هى توكزه فى كتفه بمزاح؛ ولا عينك مش بتشوف غير ناس ناس
فنظر لها كريم و أنصـ,ـدم من جمالها هذا و أردف بذهول: يا نهار أبيض على الحلاوة يا جدعان ، و أنا أقول القمر كان غايب ليه إنهارده ، أتاريه كان مختفى عشان أنتى ظهرتى
فنظرت له دهب و رفعت يديها تعبث فى خصلاتها بغرور مصتنع و مزاح: ايوه أتفضل كل بعقلى حلاوة
فنظر لها كريم بإعجاب و نطق بحب:
كان فين الحاجات دى من زمان ، إيه يا بت الحلاوة دى كلها
فتابعت دهب بغرور مصتنع ممزوج ببعض المرح: كنت بخاف على مشاعركم و مكنتش برضى أظهر جمالى عشان ما أتعبكوش
فسقف كريم بيديه و نطق مرح و سعادة: ايوه بقا أدخلى عليهم يا دهب يا كيداهم
فجاء عبد القادر هنا و أردف بمزاح: أنت يا أبنى عامل دوشة دايما كده و محدش عارف يرتاح من ساعة ما وصلت بسبب صوتك و جنانك ده
فأجابه كريم بمرح:
تعالى كده و أشوف اللى أنا شايفة يا حجوج و قولى رائيك
و بالفعل حضر عبد القادر و نظر إلى دهب بإنبهار و تمتم بحب: بسم الله ما شاء الله ، الله أكبر ، إيه يا بت يا دهب الحلاوة دى
فنطقت دهب بخجل: الله بقا يا بابا ، متكسفنيش الله
و هنا أردفت دينا بحماس: متنسوش تباركه ليها كمان يا جماعة مرتين ، مرة عشان هتنزل الجامعة و هترجع تانى تكمل دراستها ، و المرة الثانية عشان هتبدء كمان أسبوع شغل جديد
ففرح الجميع كثيرا بهذا الخبر و تابع عبد القادر بحب: و هتشتغلى إيه بقا يا دهوب
فنظرت له دهب بأبتسامة و ردت بحب: هنزل تدريب لمدة شهر كمحامية فى الشركة اللى بتشتغل فيها دينا ، و بمجرد ما هخلص التدريب هتثبت بمرتب حلو أوى
فأبتسم لها عبد القادر بفخر و واصل بسعادة: مبروك يا حبيبتى ، أنا واثق أنك هتشرفينا ، ربنا يجعل ليكى فى كل خطوة سلامة و يسعدك و يوفقك يا بنتى يارب
فأبتسمت له دهب بأمتنان و أكملت بحب:
الله يبارك فى حضرتك يا بابا يارب
فأنصرف البنات بعد ذلك ذاهبين إلى المطبخ لمساعدة زينب ، و بالفعل جلسوا سويا يتناولون العشاء ، و بعد ذلك جلسوا جميعاً فى غرفة المعيشة و ذهبت دهب لعمل كيك الشكولاتة الذى يحبه عبد القادر ، و ظلوا يلعبون و يشاهدون التلفاز و يمرحون بصوتا مرتفع ، يصل إلى مسامع يونس و زوجته ، فهو كان يجلس محتضنا نادين ، يشاهدون التلفاز سويا ، إلى أن جاء إلى مسامعهم صوت دهب و كريم و دينا الضاحكون بشدة فسمع كريم يقول بمرح:
الله عليك يا دهوب ، خشى عليا بالكيكة بتاعتك اللى تفتح النفس
فأجابته دهب بمرح هى الأخرى: و مين قالك أنى عملها ليك أصلاً ، دى لعبودى حبيب قلبى
فقهقه عبد القادر بشدة و أردف من بين ضحكاته: يااااا عالكبسة اللى أنت فيها يا كيمو
فقهقهت زينب هى الأخرى و تابعت بمزاح: أهى دهب الوحيدة اللى بتخلص تار الكل منك
فصاحت دينا بمرح:
القوى فى الأقوى منه يا زوزو ، و ربنا كبير ثم أنخرط الجميع فى الضحك ، و كل هذا يصل إلى مسامع نادين و يونس الذى تشتعل النيران بداخله من فرط الغيرة و الضيق ، فهو لا يعلم ما الذى أصابة ، فهتفت نادين بغيظ: مش معقول يا يونس اللى بيحصل ده ، إيه صوتهم إلى واصل لحد هنا ده كمان ، هما مش المفروض يعملوا حساب أن فى ناس معاهم فى البيت و يوطوا صوتهم شوية ، هو أحنا قعدين فى سوق ولا إيه
فنظر لها يونس و أردف بضيق: أعمل ليهم إيه يعنى يا نادين ، كل واحد حر فى بيته و أنا مقدرش أقول لبابا و ماما يعملوا إيه و ميعملوش إيه فى بيتهم هما حرين
فتابعت نادين بغنج و هى تعبت فى تلابيب سترته:
بس برضو يا بيبى لازم يراعو أننا دلوقتى عرسان جداد و أننا مش عاوزين أى إزعاج ، بس مش مهم يا بيبى متزعلش نفسك ، أحنا برضو مينفعش نكلمهم ده مهما كان باباك و مامتك ، الدور و الباقى على الهانم اللى سايبه بيتها فى وقت زى ده و نازله بيت فى شاب أعزب و سهرانة فى لحد دلوقتى
فشعر يونس بالدماء تغلى بداخل عروقة ، ثم جز على يديه بغضب شديد يحاول أن يسيطر على حاله:
هى مش فى بيت حد غريب يا نادين ، ده مهما كان بيت جد أبنها و جدته و الشاب ده يبقا عم إبنها و فى مقام أخوها
فأستطردت نادين بأستنكار: و لو برضو مينفعش ، هى خلاص مبقاش فى حاجة تربطها بيهم غير أبنها و ميصحش تفضل تحت
للوقت ده
فنظر لها يونس و أكمل بنفاذ صبر و ضيق: نادين ، هى حرة فى تصرفاتها و بابا و ماما بيعتبروها بنتهم ، ثم نظر لها نظرة ثاقبة و تابع بحسم؛ أنتهينا بقا ، مش هنقضى الليلة كلها نتكلم عن دهب و تصرفاتها
فأبتسمت نادين بدلال و نطقت بغنج: عندك حق يا بيبى ، أنا مفيش حاجة فى الدنيا دى تهمنى غير راحتك ، ثم أكملت و هى تقبل وجنته بدلال؛
و المهم أنى معاك و فى حضنك
فأبتسم لها يونس بتوهان ، و أدخلها إلى أحضانه ، و هو فى عالم أخر بعيد كل البعد تلك القابعة بداخل أحضانه ، يحاول أن يهدء من حاله ، فهو يشعر بأن هناك نيران كامنة بداخله لا يعلم سببها حتى الآن يتبع….رواية ولد الهلالي الفصل الرابع 4 بقلم نور بشير رواية ولد الهلالي الحلقة الرابعة
و بعد مرور ٣ شهور ….
كانت خلالهم دهب تعمل بكل حماس و طاقة ، فهى تريد أن تثبت حالها ، تريد أن تحقق ما ظننته فى الماضى مستحيلا ، تريد أن تنجح بعملها و دراستها و حياتها كأم و ربة منزل ، فكانت تعمل و تجتهد بكل طاقتها لتثبت للجميع بأنها لم و لن تنحنى أبداً ، و خلال هذه الفترة كانت تتابع مع طبيب التغذية الخاص بها و بالفعل خسرت وزنا كبيراً و أصبح جسدها يحاكى عارضات الأزياء ، و لاتزال تتابع أيضاً مع معالجتها النفسية بصحبة دينا و أصبحت الأمور تسير على ما يرام ، فها هى قد أكتسبت الكثير من الثقة بالنفس ،
أصبحت قادرة على رفض أى شئ غير موافق لرغبتها ، أصبحت قادرة على قول كلمة ( لا ) التى دوماً كانت تخشى قولها ، أصبحت دهب أخرى جديدة مليئة بالحماس و القوة و العـ,ـنفوان ، أصبحت ناعمة أكثر و أجمل كثيرا من ذى قبل ، أصبحت إمرأة قوية مستقلة ، من يراها يكاد يجزم بأنها فتاة أخرى غير تلك الفتاة الضعيفة الهاشة التى كانت تبكى و تعول منذ بضعة أشهر فقط …..
و كل هذه الفترة لم ترى فيها يونس قط ، و لم تلمح خياله حتى ، فهى تخرج منذ الصباح لعملها و تعود بالمساء تذاكر لها و لصغيرها و ليس لديها وقتا لفعل أى شيئاً أخر ، حتى ترتيب المنزل أحضرت فتاة تأتى يوم بعد يوم إلى المنزل لترتيبه و تنظيمه ، و دينا تقوم بمهمة الطهى أو يتناولون العشاء سويا بمنزل عبد القادر فى جوا ملئ بالمرح و البهجة الذى تفتعله دينا و كريم و دهب فهم عندما يجتمعوا ثلاثتهم ينقلب أى مجلس إلى حالة من المرح و التهريج بحسهم الفكاهى اللذيذ ، و هكذا تسير حياتها على هذا المنوال
، فهى فى خلال وقتا قصير أثبتت كفائتها بالعمل و أصبح لها وضعها فهى سريعة الفهم و الذكاء مما ساعدها على التفوق فى العمل رغم معرفتها القليلة به …..
على الجانب الآخر ، لم يرى يونس دهب فى خلال الأشهر القليلة الماضية ، و لكنه دوماً يستمع إلى صوت ضحكاتها الرنانة برفقة كريم و دينا مما يجعله يشتغل غيظا و غضبا فى آنا واحد ، يحاوا كثيرا رؤيتها أو معرفة أى شئ عنها ، و لكنه لا يستطيع رؤيتها ، ولا يستطيع أن يسأل عنها والدته أو والده ، فهما يتجنبان الحديث عن دهب أمامه ، و عندما يذكر الصغير أمام والده سيرة والدته تقوم زينب و عبد القادر بتغير الموضوع على الفور و كأنهم لا يريدون له أن يعرف عنها شيئاً
حياته مع نادين تسير على نمط ممل للغاية ، فهى تنام طوال اليوم و تستيقظ مساءاً عندما يعود هو إلى المنزل ، لا تفعل شيئاً بالمنزل ولا حتى تطهى الطعام فوالدتها تبعث لها الخادمة يومياً ترتب لها المنزل و تطهى لها الطعام أو تقوم هى بطلب الطعام إلى المنزل من أحد المطاعم الشهيرة ، و لا تتيح له الفرصة بأن يجلس معها أو يتحدث إليها ، فهى عندما تستيقظ يكون وقت عودته من العمل قد حان ، فيتناول العشاء و يخلد إلى النوم على الفور ، لا يشعر بأنه رجل متزوج و هناك إمرأة بحياته ، يشعر بأنه يشبه حياة العزاب
كثيرا ، و لكنه لا يستطيع أن يتكلم أو يشكى لأحد ، فهذا بالأول و الأخر كان قراره هو و ليس أحدا من فرض عليه هذا ، الآن قد أمن بأن الحب ينطفئ بعد الزواج ، فهو لم يعد يشعر تجاهها بهذا الشغف الذى كان دوماً يشعر به قبل الزواج قبالها ، يشعر و كأنه غريب يعيش بحياته و ليس هو ، لكنه بالوقت نفسه يحاوا أن يتجاهل هذا الشعور مقنعا حاله بأن يحدث طبيعى بين أى زوجين بعد الزواج ، فهذا حقا ما حدث له عندما تزوج بدهب و إلا ما طلقها و تزوج بنادين ، يحاوا مرارًا و تكرارا
أن يقنع حاله بهذا
يحاول إقناع حاله بأن حياته بدهب مختلفة تماماً عن حياته بنادين ، فنادين بالتأكيد ذات أصل و عائلة مرموقة لم تتربى يوماً على تحمل المسؤلية ، فهى قد ولدت و فى فمها معلقة من الذهب كما يقال ، فلا يصح له بأن يقارن نادين البنت ذات أصل الأرستقراطى التى عاشت طيلة عمرها بالقصور ، بتلك الدهب التى تربت و عاشت حياتها بالميتم ، فهذا ليس عادل ، و هذا ما يجعله يلتمس العذر لتلك النادين ، فهى رقيقة هاشة لا تتحمل ما تحملته دهب و لهذا يحاول أن يكون لطيف دوماً معها فهو يقدر هذا جيداً
و لا يريد الضغط عليها ، و لكن الغريب بأنه يشعر طوال الوقت بالحنين و الإشتياق و لا يعلم لماذا هذا الشعور ؟ و إلى من ؟ فحبيبته من المفترض أنها بجانبه و قد حظى بها بعد معاناة ، فلماذا هذا الشعور الآن …..
حسنا فاليوم يوم ميلاد والدته و ذكرى زواجها هى و والده ، و يجب عليه الآن أن يهاتف زوجته ليؤكد عليها هذا الموعد ، فهى منذ زواجهم لم تتقابل مع عائلته سوى مرات قليلة تعد على أصابع اليد ، و اليوم مهم للغاية ، و يجب عليه أن يحاول أن يقرب زوجته من والدته على الأقل عسى أن تستطيع الأنخراط بحياتهم و التعامل معهم ، على أمل أن تتغير حياتهم للأفضل ، و تستطيع والدته فعل ما هو فشل به مع زوجته ، فرفع يديه المحملة بالهاتف إلى أذنه منتظرا رد زوجته عليه ، إلى أن أتاه صوتها الناعس مرددا على
مضض: الو
فتحدث يونس بنبرة حانية: صباح الخير يا روحى
فنطقت نادين بحنق: صباح النور يا يونس ، ثم تابعت بضيق؛ فى حاجة ولا إيه أنت مش عارف أنى نايمة
فأتاها صوت يونس قائلاً بتردد: لا يا حبيبتى أنا عارف أنك نايمة بس حبيت أكد عليكى أن إنهارده عيد ميلاد ماما و عيد جوزها كمان هى و بابا ، و كريم كلمنى إمبارح و قالى أنه عامل ليها حفلة و لازم نحضر
فقالت نادين بضيق: طب ما تحضر يا يونس هو أنا همنعك يا حبيبى فهتف يونس بضيق: يعنى إيه أحضر أنا ، هو مش أنتى مراتى و المفروض فى حاجات مشتركة بينا ، و أن دى مناسبة عائلية المفروض نحضرها أحنا الأتنين سوا ، أنا بجد بقيت حاسس أنى مش متجوز ، أنا حاسس أنى عايش لوحدى و فى عالم تانى مختلف عن العالم بتاعك ، أحنا بقالنا ٣ شهور متجوزين و أنا مش عارف أتلم عليكى ولا أقعد أتكلم معاكى على طول يا نايمة يا عند مامتك ، و أنا مش موجود فى حياتك
فزفرت نادين بضيق:
خلاص يا يونس ، خلاص أنا هجهز و هتيجى تلاقينى جاهزة سلام ، ثم أغلقت الخط دون أن تستمع إلى رده ، مما أشعل النيران و الغضب بداخله ، فرمى بالهاتف بعيداً ثم هب واقفا ذاهبا بأتجاه الشرفة ليشتم بعض الهواء النقى ، لعله يهدء من حاله قليلاً و يقلل من غضبه هذا