Uncategorized

بقلم نور باشير

و بعد مرور عدة ساعات ، عاد يونس إلى المنزل و بالفعل وجد نادين مرتديه ملابسها و مستعدة لحضور الحفل كما قالت له بالهاتف ، و ما أن دخل حتى هبت واقفة و ركضت بأتجاهه محتضنه إياه بشدة قائله بحب: حبيبى ، حمدالله على سلامتك ، ثم تابعت بأسف؛

أنا أسفة على اللى حصل الصبح ، بس أنا عوزاك تعذرنى يا يونس ، أنا حياتى كانت مختلفة تماماً عن الحياة اللى أنا عيشاها دلوقتى ، أنا كل اللى طلباه منك أنك تدينى شوية وقت و أنا هتعود صدقنى ، و مش هخليك تحس بالأحساس ده تانى ، ثم أكملت بأستعطاف لا يخلو من دلالها؛ بليز يا بيبى تسامحنى ، و أنا هوعدك أنى هتغير
فشدد يونس من أحتضانه لها و هتف بحنان:

أنا مقدر ده كله ، و اللى بيحب حد بيستحمله بس أرجوكى يا نادين تحاولى لأنى عاوز مراتى حبيبتى جمبى تشاركنى كل حاجة فى حياتى الصغيرة قبل الكبيرة
فوضعت نادين قبلة رقيقة أعلى وجنته مليئة بالغنج و الدلال: و أنا من إنهارده هشارك حبيبى فى كل حاجة تخصه و مش هسيبك لوحدك ثانية بعد كده
فأبتسم لها يونس ثم مد لها يديه ، فبادلته هى الأخرى الأبتسامة و مدت يديها مشبكة أناملها بيديه ، و أنطلقوا سويا إلى الأسفل حيث شقة والدته و والده

و فى الأسفل ، تجلس زينب برفقه زوجها فى الصالون ، و كريم و دهب و دينا يرتبون الطاولة و يجهزون الحلوى ، و كانت دهب فى كامل زينتها ، حيث ترتدى فستان قصير من اللون الأسود يصل ما قبل ركبتيها بقليل ، يبين رشاقة جسدها الذى أصبح يحاكى جسد العارضات ، ترتدى حذاء ذو كعب أسود ، و تترك خصلاتها الشقراء الذى قامت بتقصيرها قليلاً منسدله بنعومة شديدة أعلى كتفيها ، مع القليل من مساحيق التجميل الذى أبرزت جمالها ، و تلك الأهداب الطويلة الكثيفة التى ترتديها منذ عدة أشهر ، الذى أضافت لعيونها سحرا خاص بها ، و يديها

البيضاء الذى تزينها أظافرها الطويلة المنمقة المطلية بطلاء الأظافر الأسود الليلى الجميل ، تتحرك بليونة و خفة و تعمل بكل حب هى و دينا فهما يريدون إسعاد قلب زينب و عبد القادر و لا يهمهم شيئاً أخر بعد ذلك ، و لا حتى دهب تفكر بمقابلتها مع يونس بل تاركها إياها تأتى كما دبر لها الله ، فهى أعتزمت على إسعاد زينب و عبد القادر الذى أعتبرتهم دوماً فى مقام والديها و أنتهى الأمر ….

الجميع بالداخل يجهز الحلوى ، و كريم بالخارج يرتب الطاولة فدق جرس الباب و أنطلق كريم لفتحه ، و رحب كثيرا بأخيه و زوجته ، و دلفوا إلى الريسيبشن حيث غرفة الصالون و السفرة معا ، و بمجرد ما رأى يونس والدته حتى جثى أمامها مقبلا يديها بحب مرددا بنبرة حانية محبه: كل سنة و أنتى طيبة يا ست الكل
فربتت زينب على يديه الممسكة بيديها و أردفت بحب: و أنت طيب يا نور عينى ، ثم أكملت بحزن؛ بقا كده يا يونس بقالك أسبوع مسألتش عليا ولا أنا ولا أبوك
فشعر يونس بالخجل كثيرا و تابع بلطف:

غصب عنى يا أمى والله ، عندى ضغط شغل جامد و فى قضية مهمة ماسكها دلوقتى واخده كل وقتى
فتمتمت زينب بحب: ربنا ييسرلك أمورك يا يونس و يعلى مراتبك كمان و كمان
فنظرت لها نادين بضيق على ما تتفوه به تلك المرأة ثم تصنعت الحب و أقتربت منها مصافحه إياها ببرود و تابعت بغرور: كل سنة و حضرتك طيبة يا أنطى
فمسمست زينب شفاها و نطقت بأبتسامة بارده لا تصل إلى عيناه:

و أنتى طيبة يا حبيبتى
فأقترب يونس من والده وحياه بحب و فعلت نادين معه مثلما فعلت مع زينب و جلست بتعالى و برود و جلس يونس بجانبها يحاوا أن يلطف الجو ، يتساءل فى سره عن دهب و لماذا لم تحضر …
أيعقل أنها لم تحضر لأنها علمت بوجوده هو و نادين ؟
أم أنها ستنزل لوالدته لاحقا ؟
و لكنه تمنى من الله و بشدة أن يراها لا يعلم لماذا و لكنه يريد رؤيتها …..

فاق من شروده على صوت يسمعه جيداً و كأن الله قد تقبل دعوته الذى تمناها منذ قليل ، سمع صوتها و هى تقول بصوتا عالى لصغيرها: هات يا مالك الولاعة من عند جدو ، عشان نولع الشمع ، فأقترب الصغير من جده و أخذ منه ما طلبت والدته و لكن عندما لم تتلقى دهب رداً من ولدها ، ذهبت هى بنفسها لجلبها ، و ما أن دلفت إلى الصالون ، حتى أقترب منها الصغير متفوها بحب:

أتفضلى يا مامى ، الولاعة أهى
فأبتسمت دهب بحب و ذهبت بأتجاه السفرة لأشعال الشموع ، كل هذا تحت نظرات يونس المنصدمة ، بل المذهولة مما رأى
فهو لم يعرفها عندما وقعت عيناه عليها أول مرة ، و كأنها ذهبت و جاءت إمرأة أخرى غير زوجته الذى طلقها منذ شهور قليلة ، فبمجرد ما وقعت عيناه عليها و أستشف من حديث الصغير معها بأنه والدته حتى نطق ببلاهه و بدون وعى بأسمها ، فهى تبدو بكامل زينتها و جمالها ، فهى الأن إمرأة طاغية الأنوثة ، كل شئ بها قد تغير ، بدءا من لون خصلاتها الأشقر الجميل و

أختلاف طوله ، و جسدها النحيف هذا فعلى ما يبدو أنها خسرت وزنا كبيراً خلال الفترة الماضية ، وصولاً إلى ملابسها الجميلة المهندمة التى تزيدها قوة و وقارا و أنوثة طاغية ، شعر بهذه اللحظة بأنقطاع أنفاسه لبرهة من الزمن ، و لكن عاد يتنفس من جديد مسرعا فى عدم تصديق لما رأه بأعيونه الآن …..
محدثا حاله فى صدمة:

مش معقول ، بقا هى دى دهب اللى كانت طول الوقت بالأسدال ، لاااااا لاااا ، أحلوت أوى كده أزاى ، ثم هز رأسه بعـ,ـنف عندما تذكر وجود نادين بجانبه ، فهى الأخرى تقف منصدمة و بشدة ، لم تتوقع يوماً بأن طليقه زوجها إمرأة شديدة الجمال هكذا ، لم تتوقع من الأساس أنها سترى أمامها إمرأة شديدة الرقى هكذا ، فيونس دائماً ما كان يتحدث عن أهمالها بحالها ، و أنها تظل معظم الوقت مرتدية جلباب الصلاه ، كان يتحدث دوماً عن أهمالها الشديد بكل شئ إلا صغيرها ، فعلى ما يبدو أن يونس يكذب عليها ، أو أفتعل هذا

للإيقاع بها ، فجاء إلى تفكيرها أنها أفتعلت هذا خصيصاً للإيقاع بطليقها من جديد ، فأبتسمت بغرور ، ثم رفعت يديها مرجعه خصلاتها إلى الخلف ثم هتفت بغنج إلى يونس فى محاولة منها لإشعال نيران دهب و إغضابها: حبيبى مش هتورى أنطى الهدية اللى أحنا جبناها ليها

فحاد يونس ببصره عن دهب بصعوبة ، نطق دون وعى: هااااا بتقولى إيه ثم أستغرق ثوانى ليجمع ما قالته و أردف بتوهان؛ آااااه آه ، و مد يديه بداخل سترته مخرجا منها علبة قطيفة ذات اللون الكحلى ، و جثى على ركبتيه أمام والدته و سحب يديها و فتح هذه العلبة ، و أخرج منها هذا الخاتم المصنوع من الألماس ، واضعا إياه بداخل أصبع والدته ثم قبل يديها بحب مرددا بنبرة حانية: كل سنة و أنتى طيبة يا أمى
فنظرت زينب إلى هذا الخاتم الذى يحتل أصبعها و رددت بأسف:

ليه كده يا حبيبى ، ده شكله غالى أوى ، أنا كفاية عليا أنك جمبى أنت و أخوك ، مكانش له لازمه تكلف نفسك كده
فأبتسم لها يونس و تابع بحب وهو لايزال شارد الذهن بمن خطفت لبه: مفيش حاجة تكتر عليكى يا ست الكل ، و على فكرة ده ذوق نادين
فنظرت لها زينب و أبتمست ببرود و نطقت بسماجه:

شكراً يا حبيبتى ، مردودالك فى الأفراح أن شاء الله
فأبتسمت لها نادين أبتسامة تبدو مليئة بالحب و لكنها قاصدة بها الأستهزاء و السخرية من حديث تلك السيدة الغالب عليه الطابع الشعبى
و هنا هتف كريم بحماس: يلاااا يا جماعة ، أحنا جهزنا كل حاجة خلاص يتبع….رواية ولد الهلالي الفصل الخامس 5 بقلم نور بشير

أقترب الجميع من السفرة و يونس عيونه لاتزال معلقة بدهب لا يستطيع أن يحيد بعيونه بعيداً عنها ، و لكنها لم تنظر له نظرة واحدة حتى منذ أن رأها حتى الآن ، و هذا كان يسبب له علامة إستفهام ، لا يعرف لماذا لم تريدين أن تنظر له ؟

هل هى لا تريد النظر له قصدا ولا لأنه لم يوجهه لها كلمة منذ أن رأها ، فاق من شروده على صوت الجميع المدندن بسعادة تلك الغنوة الشهيرة الذى يتغنون بها فى مثل هذه الحفلات ، إلى أن فتح الصغير الضوء ، و أقترب الجميع من زينب مقبلا إياها بحب ، مقدمين لها الهدايا البسيطة التى فرحة بها زينب كثيرا ، حتى لاحظ يونس أن فرحتها بهداياهم هذه أكثر بكثير من فرحتها بهذا الخاتم الذى أشتراه خصيصاً لها ، فهو الذى قام بشراءه و ليس زوجته ، و لكنه قال هكذا ليحسن العلاقة قليلا بين والدته و زوجته ، و لكن

فرحة والدته باديه بشدة على ملامحها من هدايا الجميع ، ظل يتأمل والدته إلى أن جاء دور دهب ، فنطقت دهب بحب و هى تحتضن والدته بمرح: كل سنة و أنتى طيبة يا زوزه و عقبال مليون سنة ، ثم أمسكت بحقيبة الهدايا الخاصة بها ، و مدت يديها بداخلها و أخرجت منها جلباب أبيض جميل ، الذى يلبسه المعتمرون فى العمرة ، و تابعت بحب و هى تمسك الجلباب بيديها عارضة إياه بسعادة: إيه رأئيك يا زوزو فى هديتى

فنظرت لها زينب بحب و نطقت بسعادة بالغة: جميلة أوى يا دهب ، أنتى عارفة أن كان نفسى فى واحدة من زمان ، تسلم إيدك يا حبيبتى ثم أكملت و هى ترفع يديها إلى أعلى داعيه الله سبحان و تعالى؛ يارب أوعدنا يارب

فردت دهب بحماس: دى أول هدية لسه فى مفاجأة تانية ليكى أنتى و عبودى
فتفوه عبد القادر بمرح: طلاما فيها مفاجأة و عبودى ، أنا مستنى على نار
فأبتسم كريم و نطق بمرح: عبودى أصلاً راشق فى أى مفاجأة و خلاص
فهتف عبد القادر بمزاح: أخرس خالص
فوضع كريم يديه على فمه فى حركة كوميدية و أردف بمرح: أدينى سكت ، ثم تابع بهمس؛ قال يعنى أنا صوتى هو اللى بيعمل مشاكل
فاستطرد عبد القادر بمرح:

سمعتك يا كلب
فقهقه الجميع على حديثهم المضحك هذا ، و تابعت دهب و هى تخرج من حقيبتها عدة أوراق و ترفع يديها بهم أمام الجميع قائله بحب: و دى المفاجأة التانية ، ثم أعطت الأوراق لزينب ، فأخذت زينب منها الأوراق و نظرت لها و ما لبثت أن علت الصدمة ملامحها و بدءت عيونها بذرف الدموع و هى تنطق من بين عبراتها بعدم تصديق و نبرة متقطعة: مش ….. م … عقول …. مش معقول يا دهب ، …. يعنى العباية دى مش صدفة صح ، ثم هزت رأسها بعدم تصديق و دموعها تهطل بغزارة:

يعنى أنا هعتمر يا دهب ، يعنى أنا هروح عند النبى أنا و عبد القادر ، أنتى بتتكلمى بجد
فتحدث عبد القادر بصدمة و هو يأخذ الأوراق من يد زوجته متصفحا إياها و هو يردف بذهول: إيه ده ، ده بجد ، دى تذاكر حجز طيران ، و تأشيره للسعودية ، أنتى بجد عملتى كده يا دهب ، أنتى بجد هتخلينا نعتمر ، ففرت دمعة هاربة من عيونه و هو يردد بسعادة؛

أنا طول عمرى كان نفسى أخلف بنت و ربنا ما أردش ليا بكده ، بس دلوقتى ربنا عوضنى بيكى يا دهب ، و أنا لو كان عندى بنت من صلبى عمرها ما كانت هتعمل معايا اللى أنتى بتعمليه ده ، شكراً يا دهب ، شكراً يا بنتى

فأرتمت دهب بداخل أحضانه و بكت هى الأخرى و تابعت بحب: أنا اللى شكراً على وجودك فى حياتى أنت و ماما ، أنا مش عارفة من غيركم كنت هعمل إيه ، أنتم عوضتونى عن حاجات كتير أوى ، ثم أبتعدت عن أحضانه و رفعت يديها ماسحه دمعاته بحنان و هتفت بحب؛ مفيش أب بيشكر بنته يا عبودى
و هنا أقتربت منها زينب ، و سحبتها إلى داخل أحضانها ، واضعة عدة قبلات متلهفة بسعادة أعلى كتفها ، مردده بحب:

يا فرحة قلبى بيكى يا دهب ، يا عوضى الحلو فى الدنيا يا حبيبتى ، ثم أبعدتها عن أحضانها ، و رفعت يديها محيطه بيها وجهها بحب؛ أحنا أكيد عملنا حاجة حلوة فى حياتنا عشان كده ربنا عوضنا بيكى يا دهب ، ثم عادت بأحتضانها من جديد بحب شديد ، و لكنها تذكرت شيئاً للتو فأخرجتها من أحضانها بسرعة و أردفت و كأنها تذكرت شيئاً هام: أنتى صحيح عملتى الإجراءات دى كلها أزاى و أمته و جبتى الباسبورات بتاعتنا و أوراقنا منين ، ثم أكملت و هى تنظر إلى كريم بتساؤل؛ أكيد كريم هو اللى ساعدك

فرفع كريم يديه بحركة كوميدية و تابع بمرح: و لا أعرف أى حاجة عن الموضوع ده والله ، أنا لسه عارف معاكم ، زيه زيكم
كل هذا يحدث تحت نظرات يونس المذهولة و المصدومة من أفعال تلك الدهب ، فهى حتى بعد أن أنفصل عنها و أصبح ليس هناك علاقة تجمعهم إلا أنها لاتزال قريبة من عائلته ، و فكرت فى إسعادهم على عكسه تماماً الذى فكر بأن الهدايا السمينة و الأموال هى التى ستكون حكاية هذا اليوم ، و لكنه كان هناك بداخله شيئاً سعيد ، لا يعرف لماذا ؟ أو ما سبب هذا الشعور الذى أحتله فجأة ؟

و لكنه حقا سعيد ….. و ها هى زوجته المصون ، تقف على نيران ، فتلك الفتاة يبدو أنها تحتل مكانة كبيرها بهذا المنزل ، و يبدو أن الجميع على أتصال بها و يحبها كثيرا ، و هذا أشعل النيران بداخل صدرها ، فهى أخذت الجو كاملاً منها ، فهى فى أى حفل تكون هى الملكة المتوجة بداخله بملابسها و وضعها و هداياها السمينة ، و لكن تلك الفتاة فعلت ما لم يستطع أحد فعله معها من قبل
ففاق كل منهم على صوت دهب المحب و هى تردف بسعادة:

لما كنت برتب الدولاب بتاعك يا زوزو من أسبوعين لقيت الورق ، و فى الشغل عندنا بيعملوا رحلات من دى دايما ، فجت فى بالى الفكرة أول ما شوفت الورق و نفذتها على طول من غير ما اتردد

فأحتضنتها زينب بشدة و تحدث بحب: أنا مش عارفة أقولك إيه و لا أعبر عن فرحتى بيكى أزاى ، بس أنا بجد مبسوطة أوى ، و مبسوطة أكتر أن عندى بنت زيك
فشددت دهب من أحتضانها و تابعت بحب: ربنا يخليكى ليا زوزه
و هنا نطقت دينا بمرح: ما تخلصونا بقا من حوار العشق الممنوع ده ، أنا عاوزه حتة تورتة مش قادرة أستنى أكتر من كده
فتفوه كريم بمرح: و بالنسبة للدايت هتبوظيه إنهارده كمان
فتابعت دينا بمرح:

كله رايح مش باقى حاجة غير الستر و الصحة ، و أنا خلاص أقتنعت أنى قمر زى ما أنا كده ، ثم وجهت حديثها إلى دهب قائله بأستعجال: شهلى يا دهوب ، عصافير بطنى بتصوصو فقهقه الجميع على حديثها هذا و رد كريم بمرح: طب يا جماعة ألحقوها بسرعة عشان دى لما بتفتح مش بتقفل
فوكزته دينا فى كتفه و صاحت بغيظ: يا سلام قصدك إيه بقا يا سى كريم ، قصدك أنتى طفسة صح
و أضافت دهب بمرح موجهه حديثها إلى كريم:

لا بقولك إيه أنت تحترم نفسك معاها و تعاملها كويس ، لأحسن هى اللى بتأكلنا ، و زوزو مسافرة يعنى مش هنلاقى حد يطبخ لنا
فرفع كريم يديه ماسحا أعلى رأسه بتفكير ثم تحدث بلهفة و هو يتجه نحو الطاولة يأخذ من عليها صحن و قام بأعطاه لدهب و هتف مسرعا: طب أبوس إيدك بسرعة ، أحنا لازم نصلح علاقتنا معاها
فقهق الجميع ضاحكا على حديثهم هذا ، و يونس يقف لم يفهم شيئاً مما يحدث ، فهى متى عملت و ماذا تعمل ؟ و ما هذا التغيير الكلى الذى طرأ عليها فجأة هكذا ؟

ظلت يقف مكانة كالتائه لا يعلم ما الذى يجب عليه فعله ، لكنه يشعر بالغربة وسطهم ، يشعر و كأنه غريب عن هذا المنزل و من به …. و على الجانب الآخر تقف نادين على مضض تستمع إلى حديثهم المستفز من وجهه نظرها ، فتلك الفتاة تلعب دور المثالية بطريقة باهرة ، فهى أكيد قاصدة إغاظتها ، قاصدة إشعال النار بداخلها ، و إشعارها بالغضب
فاقت من تفكيرها هذا على زينب و هى تمد يديها بالصحن إلى يونس قائله بحب:

أنا عارفة أنك مش بتحب التورتة الجاهزة ، فطلبت من دهب تعملك كيك الفراولة اللى بتحبه فأبتسم يونس و نظر بأتجاه دهب ليتشكرها ، و لكنها لم تنظر له أبداً و ظلت مندمجة فيما تفعل ، فأخذ يونس الصحن من يد والدته و أبتسم أبتسامة مكسورة لم يلاحظها أحد ، و لكن شعرت بها والدته جيداً ، فتجاهلت حزن ولدها هذا عن قصد و مدت يديها إلى نادين بالصحن و لكنها أبتسمت ببرود و أردفت بغرور:

سورى يا أنطى ، أنا مش بأكل sweets كتير عشان بتوطى ضغطى
فنظر لها يونس يحسها على أن تأخذ الصحن من يد والدته و لكنها تجاهلت نظراته هذه و هتفت بغنج: حبيبى أنا تعبانة أوى و عاوزه أطلع ارتاح شوية يلا بيناااا
فاستطردت زينب بغرابة: ما أنتم قعدين يا بنتى شوية ، و بعدين يونس لسه مأكلش حاجة و أنتى كمان أشربى عصير حتى
فأبتسمت لها نادين أبتسامة سمجة و ردت ببرود:

سورى يا أنطى بس أنا مرهقة أوى و مش هقدر
فنظرت زينب إلى يونس وجدته مرتبك للغاية ، و كأنه لا يعلم ما الذى يجب عليه فعله فنطقت بحنان: طب خليك أنت يا حبيبى كمل أكلك و بعدين حصلها
فأبتسم لها يونس بحب و تابع بنبرة حانية: معلش يا ماما أنا كمان جاى من الشغل تعبان و عاوز أرتاح شوية
فقالت زينب بحزن على حال صغيرها: على راحتك يا حبيبى ، و أنا شوية و هبعت ليكم نايبكم مع مالك أو عم رجب
فوضع يونس قبلة حانية أعلى جبهه والدته و أردف بحب:

تصبحى على خير يا حبيبتى و عقبال مليون سنة
فأبتسمت له والدته بحنان و نطقت بحب مخلوط بحزن شديد: و أنت من أهله يا حبيبى ، و بالفعل أنصرف هو و زوجته إلى شقتهم ، و ما أن دلف يونس إلى داخل منزله حتى هتف بغضب: عجبك اللى أنتى عملتيه ده تحت ، هو مش أنتى قولتى هتشاركينى كل تفاصيل حياتى ، إيه اللى حصل بقا تحت ، إيه تعبتى فجأة كده
فصاحت نادين بانفعال:

و هو إيه اللى حصل يعنى ، و لا أنت زعلان عشان طلعنا و سبت حبيبه القلب تحت
فنظر لها يونس و تحدث بانفعال و عصبية: نادين إلزمى حدودك ، و أعرفى أنتى بتقولى إيه كويس ، أنا دهب سبتها بأرادتى و لو كنت عاوزها كنت كملت معاها و متجوزتكيش ، لكن أنا أختارتك أنتى و أخترت أكمل حياتى معاكى ، أنتى اللى مش قادرة تفهمينى ولا قادرة حتى تتعايشى مع وضعى و حياتى و أهلى
فنطقت نادين بتعالى:

أهلك دول ناس بلدى أوى و أنا بجد مش عارفة أتعامل معاهم ، و مش عارفة هما أزاى فرحانين باللى أسمها دهب دى ، و أزاى يفرحوا بحتة سفرية و أنت اللى جايب ليها خاتم بألفات معجبهاش
فصرخ يونس بوجهها بعصبية شديدة: أخرسى ، اللى أنتى بتتكلمى عنهم دول أهلى و عيلتى و لما تتكلمى عنهم تتكلمى عنهم بأحترام أنتى فاهمة
فصاحت نادين هى الأخرى بانفعال: و أنا كده و مش هتغير و إستحالة حد يجبرنى أعمل حاجة أنا مش حباها حتى لو أنت يا يونس و لو أنا روحى فيك ، ثم رفعت سبابتها أمام وجهه قائله بتأكيد؛

أنت فاهمنى ، ثم تركته و ذهبت إلى غرفتها بعد أن أستمع الجميع إلى صوت صراخهم و حديثها هذا عنهم ، فجلس الجميع و كأن على رؤسهم الطير ، يعم الحزن ملامح وجههم ، فستأذنت دهب منهم جميعاً و صعدت إلى بأتجاه الباب تركض ، فهى إلى الآن متماسكة و لكنها لم تقدر على المكوث أكثر من هذا ، فأذا ظلت هنا لثانية واحدة سيشهد الجميع على أقوى لحظات ضعفها ، فهى تريد البكاء ، تريد الصراخ ، لم تتحمل رؤيتهم معا و لم تتحمل ما أستمعت له منذ قليل ، وقفت على باب المصعد ، تنتظر هبوطه ، و ما

أن توقف و همت بفتح الباب حتى تفاجأت بيونس بداخله ، فتلاقت عيونهم لثوان و لكنها حادت بعيونها سريعًا عنه واضعة عيونه بالأرض مردده بهدوء: أنا أسفة معرفكش أن فى ، ثم همت بغلق الباب إلا أن يونس أوقفها قائلاً بلطف: دهب أستنى ، أنا عاوز أتكلم معاكى ممكن
فنظرت له دهب بحدة و نطقت بتساؤل: تتكلم معايا فى إيه يا يونس ، معتقدش أن فى حاجة بينا نتكلم فيها
فوضع يونس وجهه بالأرض و نطق بخجل: أنا بس كنت حابب أطمن عليكى

فوقفت دهب بجمود و ضمت يديها إلى صدرها و هتفت بقوة و كبرياء: متقلقش يا يونس أنا كويسة ، و كويسة اوى كمان ، أنا عمرى ما كنت فى حياتى كويسة زى دلوقتى ، ثم نظرت له بلامبالاه و تركته و صعدت على الدرجات ، تاركة يونس يقف منكسا رأسه لأسفل ، يشعر بأستحقار حاله ، يشعر بالتوهان ، يشعر و كأنه أفتعل مصيبة للتو و لم يعرف كيف له أن يخرج منها ، و كيف له أن يخبر والديه بها …..

و بمجرد ما أن فتحت باب الشقة خاصتها و دلفت إلى غرفتها ، حتى رمت بحذائها و أرتمت على الأرض و أجهشت فى بكاء مرير ، تلك الجملة التى تفوه بها ( أنا دهب سبتها بأرادتى و لو كنت عاوزها كنت كملت معاها و متجوزتكيش ، لكن أنا أختارتك أنتى و أخترت أكمل حياتى معاكى ) تتكرر على مسامعها فرفعت يديها واضعة إياها أعلى أذنيها و رجعت بجسدها إلى الوراء و أستندت بظهرها على حافة الفراش ، و أجهشت فى بكاء مرير ، فهى كانت ترتسم القوة و تتصتنع الجمود و لكنها كانت تم\وت بداخلها كلما نظرت له بطرف عيناها و

وجدته قابع إلى جوار تلك النادين ممسكا بيديها ، كانت تنهار بداخلها و لكن من الخارج متصنعه للامبالاه و ممثلة للقوة ، و الآن بعدما سمعت ما تفوه به منذ قليل و هى تشعر بأن روحها أنسحبت من جسدها ، فهى كانت تعتقد بأنها تخطته و مضت فى حياتها و لكن الآن هى تجزم بأنها لم و لن تتخطاه أو حتى تنسى عشقها له و لكن الأكيدة هى منه أنها لن تنسى طيلة حياتها ما سمعته منه منذ قليل ، ظلت تبكى و تبكى إلى أن تعبت بشدة من كثرة البكاء و غفت فى مكانها حتى الصباح

يتبع….رواية ولد الهلالي الفصل السادس 6 بقلم نور بشير
و بعد مرور ٥ سنوات على تلك الواقعة …..
أستمر خلالهم الوضع كالأتى:

أجتهدت دهب أثناهم كثيرا و عملت على حالها حتى تخرجت من جامعتها و أحضرت ما يسمى بالماچستير و الدكتوراة ، و أصبح لها محل عملها الخاص بها ، و أصبح لها أسما فى عالم المحاماة ، فهى أجتهدت كثيرا و عانت أكثر فى حياتها ، و ها هو المولى عز وجل قد عوضها عن كل ما عاشته منذ صغرها ، و لكنها تعرفت على زميل لها بالجامعة يسمى ( أكمل ) كان يحضر الماچستير خاصته ، و دامت بينهم صداقة قوية على مدار السنوات الخمس الماضية ، حتى عند تخرجهم جمعتهم أكثر من قضية فى العمل معاً فهو دعم دهب كثيرا

فى حياتها المهنية إلى أن أصبحت دهب فؤاد ذات السيط و الإسم الرنان ، و أصبح قريب جداً من عائلتها ( زينب ، عبد القادر ، كريم ، دينا ، صغيرها ) ، و أصبحت علاقتهم ببعض شديدة الوطأة ، و لكنه يراوده مشاعر حب كثيرة إلى دهب ، فهو عشقها منذ أول وهلة و حاول كثيرا أن يصرح بمشاعره هذه إلا أن دهب كانت تتجاهل هذه التلمحات ، حتى أنه أصبح يزورهم بمنزل السيد عبد القادر كثيرا و فى أغلب الأحيان يجلس لتناول العشاء معهم بكل حب و ود من الجميع
و مع ذلك لم ترى دهب يونس و

لو لمرة واحدة على مدار تلك السنوات ، و لا حتى كانت تريد معرفة عنه أى شئ كانت دوماً تستمع إلى شجارة مع زوجته ، كانت تعلم بأنه غير مستريح بحياته و لكنه هو من أختار ذلك و عليه تحمل نتيجة ما أقترفه

أصبح لها إسمها الخاص بها فى عالم المحاماة ، و خصصت يوماً بالأسبوع لأستقبال العملاء ذو الطبقة الدنيا الذين لايستطيعون تحمل تكاليف المرافعات و القواضى دون مقابل مادى ، حتى أنها قامت بشراء سيارة فخمة ذات لون أسود جميل ، و اصبحت مستقلة ذو وضع مالى جيد بعد أن أفتتحت مكتبها الخاص
أصبح صغيرها فى عمر الحادى عشر و لكنه برغم صغر سنه هذا إلا أنه يتمتع بحكمة و رزانة لم يحظى بها الكثير من البالغيين ، فهو شديد الحنان على والدته يقوم بدور الرجل فى حياتها ، يعوضها كثيرا عن ما فعله والده بها ، فهو قد كبر و

إدرك كل ما حدث من حوله إدرك وجع والدته و قهرتها مما فعله والده معها ….
إدرك أن والدته تغيرت حياتها للأفضل كثيرا منذ رحيل والده ….

و إدرك أيضاً بأن كلاهما أصبحوا بحال أفضل مما كانوا عليه ، أصبحت حياتهم أكثر نظاما عن ذى قبل ، أصبح هناك أدوار يقوم كل منهم بأدائها فى حياة الأخر ، فدهب تقوم بدور الأم و الأب و تعمل و تجتهد من أجل طفلها ، و تقوم أيضاً بتعويضه عن خذلان والده له فى الماضى عندما تركه و تركها منذ خمس سنوات من أجل أخرى ، و هو الأخر أصبح يخدق عليها من فيض حنانه و عطفه ، فهو يدرك أن والدته هى الضلع الدائم و الثابت بحياته لن و لم تتغير مهما عانت من ويلات و ظلمات فى الحياة و

من والده على وجة الخصوص ، فهى حريصة كل الحرص على أن تجنب صغيرها ما تعرضت له فى طفولتها أصبحت علاقتها أكثر قوة و متانة بعائلة طليقها و صغيرها ، و فعلتها الماضية عندما أسفرتهم ليعتمرون أزادت من مكانتها بقلوبهم و بالمنزل ، و أن كانت هى بالماضى بمثابة الأبنة لهم فهى بعد فعلتها هذه أصبحت اكثر من الأبنة أن وجد ….

أهتمت بحالها كثيرا و أصبحت أكثر أناقة و الرقى ، من يراها يعتقد بأنها أبنة لأحد العائلات الأرستقراطية و ليست فتاة عاشت و تربت بداخل أحد دور الأيتام ، من يراها يعتقد بأنها عاشت حياة مليئة بالرفاهية و الرغد ، لكنهم لا يعلمون شيئاً عن ما عانته بحياتها و عاشته طيلة سنوات حياتها ، ظلت تتابع مع معالجتها النفسية بصحبة دينا إلى أن تغيرت شخصياتهم تغير جذريا ، أصبح من يراهم يكاد يجزم بأنهم ذهبوا و جاءوا أناسا أخرى لم يتعرفوا عليهم من قبل

على الجانب الآخر
تطورت علاقة كريم بدينا كثيرا ، و أصبح عشقهم ظاهرا أمام العيان ، يلاحظة الصغير قبل الكبير ، إلى أن تمت خطبتهم منذ عدة أشهر و من المفترض أن زفافهم بعد شهران من الآن ، فكريم كان صبورا جداً معها ، تفهم وضعها كثيرا ، و أحترم خوفها الشديد من الناس جميعاً و خصوصاً بعدما حدث من أخيه تجاه دهب ، فهذا أزداذ من تخوفها ، لكنه أحتواءها و تفهم وضعها و حاول معها كثيرا على مدار هذه السنوات ، فهو تحمل كثيرا من أجل أن يظفر بها

و بالنسبة إلى يونس ، فمن يراه يكاد يم\وت من حسرته على ما إصابة ، فهو يتأكله الندم فى كل لحظة بسبب ما بدر منه تجاه محبوبته و معشوقته ( دهب ) ، فهو الآن يقسم بأنه لم و لن يحب إمرأة بحياته سواها
كان يعتقد بأنه يحب نادين كثيرا و لكنه تأكد خلال هذه السنوات القليلة التى كانت بمثابة خمسمائة عام و ليست خمس سنوات بأن حبه لنادين كان مجرد إعجاب و ليس أكثر ، فنادين جاءت له بوقتا كان هو شديد التألق به ، كان يرى حاله كثيرا خلال هذه الفترة و على الطرف الآخر كانت زوجته دهب

منطفأه تماماً فى أعينه ، فهى كانت تتحمل مسؤلية كل شئ بحياته حتى عمله كانت هى من تنظم له و تخطط له ، كانت تحمل مسؤلية والديه و صغيرهم و لم يكن لديها وقتا حتى لتهتم بحالها ….

الآن فقط شعر بأن هو من أنطفء و ليس دهب
و لكنه شعر بهذا الشعور متأخرا ، يشعر بأنه يحترق بداخله من فرط إشتياقه و حنينه لها ، يشعر و كأنه على حافة الجنون يريدها و بشدة و لكنه لا يستطيع الحصول على طرف أصبعها حتى ، حياته مع نادين أصبحت مملة ، لا يطيقها ، مليئة بالتوتر و المشاحنات ، فهو طوال الوقت فى مشاجرات معها

تأكد بأن إهتماماتهم مختلفة تماماً
فهم مختلفان حقا
و كأن هناك شيئاً من الشرق يريد الأتصال بشيئاً أخر من الغرب
شمس و قمر لا يستطعان الألتقاء
صبح و ليل لا يتقابلان معا مهما حدث
طوال السنوات الماضية و هو يشعر بأنه يعيش مع نادين أخرى غير تلك التى كان شديد الإنبهار بها عندما ألتقى بها أول مرة و عزم على الزواج منها راميا بحبه لزوجته و حياته معاها و حياة صغيرهم فى عرض الحائط ، فهو خلال هذه السنوات تعرف على نادين أخرى أو بمعنى أصح قد تعرف على نادين الحقيقية لااااا نادين المزيفة التى كانت

ترتدى طوال الوقت قناع الحب و البراءة و المثالية
أكتشف نادين المزيفة العاشقة للأموال بالمرتبة الأولى و حالها بالمرتبة الثانية و ليس شيئاً آخر ، فهى تزوجت بيونس عندما علمت بوضع والدها المالى و أن وضعهم الأقتصادى أصبح بالأرض كما يقال ، ففرت هاربة من براثين عائلتها إلى يونس أو بالأدق إلى أمواله الطائلة ، و لكنه لم يعرف هذا إلا عندما عاشرها و عاش معها هذه السنوات ، فهى لم تصرح بهذا بشكل مباشر و لكنه أستشف هذا من وضعهم و حياتهم التى يعايشونها سويا ، بالأضافة إلى أنها تتعامل مع والد يونس و والدته بتعالى شديد ، يكاد

يجزم بأنها لم تراهم طوال هذه السنوات ألا مرات قليلة و فى مناسبات خاصة جداً ، حتى عندما تمرض والدته لم تكن بجانبها و كان يونس يشاجرها كثيرا لهذا السبب ، و لكنها كانت تتعامل مع الأمر بمنتهى البرود و اللامبالاه ، حتى عندما طلب منها أن ينجبوا طفلاً صغيراً لعلة يقربهم إلى بعض و يتلاشى هذا البرود و تلك الحواجز بينهم ، إلا أنها كانت ترفض و بشدة متعللة بصغر سنها و أنها تريد أن تعيش الحياة و تتمتع بها دون وجود أطفال تقيد حياتها و تحركاتها ، فهى تحب أن تحيا بحرية ، تحيا دون قيود و دون مسؤليات

تربطها ، أصبحت حياته معها تشبه الجحيم و لكنه غير قادر على البوح بكل هذا فهو من أختار و عليه تحمل نتيجة أختياراته هذه ، و لولا أنه يخشى والده كثيرا لكان طلقها منذ أول عام مر على زواجهم
أصبحت تطارده دهب كثيرا فى مخيلته ، تسيطر على أفكاره ، عندما يدخل من باب المنزل يتخيلها تقترب منه و تبتسم له أبتسامتها المحببة إلى قلبه و هى تحتضن إياه فى عناق حار ملئ بالإشتياق و اللهفة ، و لكنه يفيق من تخيله هذا على منظر منزله الغير مرتب الفوضوى على العكس عندما كان يرجع بيته قديما أيام زواجه من دهب

، فنادين لم تفعل أى شئ بالمنزل و لا حتى تطهو له طعاما فهى حياتها عبارة عن نوم و سهر و خروجات ، و المنزل و زوجها هما أخر إهتماماتها ، حتى أن الخادمة قد تزوجت و لم تعد تأتى لترتيب المنزل و تنظيمه ، و أصبح المنزل على هذه الحالة من بعد رحيلها ، و لكنه من الوقت للأخر يتابع أخبار دهب بشكل غير مباشر عن طريق ما يسمى بحالات الواتساب الخاصة بأخيه و صغيره ، فهم دائماً ما يتشاركون الصور معها و يقومون بنشرها على مواقع التواصل الإجتماعي ، و كلما رأى صوراً لها كان يقوم بالإحتفاظ بها على

ذاكرة هاتفة الخاصة و عندما يشعر بالحنين إليها يخرج هذه الصور و يظل بالساعات متأملا إياها فى محاولة منه لإشباع قلبه من إشتياقه لها و لكنه كان يفشل فى كل مرة يفعل بها هذا ، فهو يشعر بأن إشتياقه لها يزداد الضعف و لكن ما باليد حيلة ، فهذا ما جناه هو لا غيره ….

و فى منزل دهب
حيث تجلس برفقة دينا يتحدثون حول أمور عدة ، فتحدثت دينا و هى توكز دهب فى يديها بحنان حين لاحظت شرودها المفأجى هذا و الغير مبرر: إيه يا دكتور ، روحتى فين
نظرت لها دهب بتوهان و أردفت بنبرة منخفضة: بكرا هقف قصاد يونس فى أول قضية تجمعنا

فتنهدت دينا و تابعت بنبرة مراوغة: و أنتى بقا سرحانة عشان هتشوفى يونس بكرا لأول مرة بعد سنين كتير ، و لا قلقانة عشان أول مرة تقفى قصاده فى شغل
رددت دهب بنبرة مذبذبة: مش عارفة ، مش عارفة يا دينا ، بس حاسة أنى مش على بعضى كده و خايفة أوى من بكرا مش عارفة ليه
فسألتها دينا بهدوء: و هو يعرف أنك أنتى اللى ماسكه القضية قصاده
هتفت دهب بجدية: مش عارفة بس فى الغالب لا
فردت دينا بنبرة مستفهمة:

خوفك ده سببه القضية و أنك خايفة تخسرى قصاده ، و لا خوف من التانى اللى أنا و أنتى فاهمينه كويس
نظرت لها دهب بوجوم و قالت بشرود: بصى هو فى كل الأحوال فى خوف ، خايفة أشوفه و مش عارفة رد فعلى هيكون إيه بعد السنين دى كلها ، و خايفة لأخسر القضية و إبان أنى ضعيفة و مش ناجحة قصاده ، ثم أكملت و هى تعتدل فى جلستها بنبرة قوية لا يتخللها ذرة ضعف واحدة؛

أنا إستحالة أخسر القضية دى يا دينا ، أنا حياتى و مستقبلى المهنى فى كفة و القضية دى فى كفة تانية خالص ، أنا لو أكسب القضية دى بس و أعيش عمرى كله أشحت هعمل كده و مش هتردد لحظة ، المهم أنتصر عليه و أثبتله أن بنت الملجأ اللى مكانتش لايقه بي دلوقتى هى اللى هتعلم عليه
أقتربت دينا بجسدها إليها و تابعت بنبرة حانية:

دهب أنا عارفة أنه وجعك و داس عليكى جامد و حقك تعملى اللى أنتى عايزاه بس ده شغل و لازم تفصليه عن حياتك الشخصية ، أكيد هتبقا حاجة حلوة أوى لو كسبتى القضية بكرا ، بس لو لقدر الله خسرتيها ده عمره ما هيكون مقياس لفشلك قصاده يا دهب ، أنتى زمان و أنتى معاه كنتى ضعيفة و حبك له كان حب بغباء ، لكن أنتى دلوقتى قوية من غيره و عملتى اللى مفيش ست تقدر تعمله فى عز ضعفها ، لو كان قربة منك ضعف ليكى ، فبعده عنك كان قوة و عزة لنفسك و الكل شاهد على ده و

اللى وصلتيله كان على عينك يا تاجر و محدش يقدر يشكك فى نجاحك و لو للحظة واحدة
فأبتسمت لها دهب أبتسامة رضا و إقتناع و أقتربت منها محتضنه إياها بحب: أنا مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه ربنا يخليكى ليا يارب
فشددت دينا من إحتضانها هى الأخرى و نطقت بحب: و يخليكى ليا يا حبيبتى يارب

و فى صباح اليوم التالى فى تمام الساعة الثامنة صباحا بداخل دار القضاء العالى ، يقف يونس حاملاً على يديه ذلك الروب الخاص بمهنة المحاماة و إلى جواره يقف العميل ( معتز الباجورى أحد رجال الأعمال ) الذى سيترافع عنه فى إنتظار دخولهم إلى قاعة المرافعة ، و وصول الطرف الأخر و المحامى خاصته
فألتفت يونس إلى العميل و أردف بنبرة جادة: أنا مش عارف إيه التأخير ده كله
فنطق معتز بسخرية: تلاقيهم بيدوروا على توكتوك يوصلهم
فنظر له يونس و تابع بهدوء: متعرفش مين اللى ماسك القضية لسالم

فضحك معتز بأستهزاء: تلاقيه محامى بير سلم ، ثم أكمل بسخرية؛ هو اللى زى سالم ده لاقى يأكل أساساً عشان يروح لمحامى له إسمه يمسكله قضيته ، ثم واصل بغرور و كبر؛

أدينا أهو مستنينهم يشرفوا و ساعتها هنعرف مين هيحاسب على المشاريب
و بعد مرور عشر دقائق ، كان يونس يدخن و يعبث بهاتفه فألتفت برأسه على فاجأة و لكنه شعر و كأن صاعق كهربائى ضرب به ، شعر بأنه عاجز عن الحركة و كأن جميع أعضاء جسده أصيبت بشلل و توقفت عن أداء وظائفها لبضع ثوان ،
و سقطت سيجارته من يديه فى صدمة ، و ظلت عيونه معلقه عليها …..

نعم فهى دهب
من سرقت عقله و لبه ، تقترب منه الآن ، يفصله عنها خطوات قليلة
يريد أن يتوقف به الزمان على عند هذه اللحظة ، يريد النظر لها و إشباع عيونه من رؤيتها
رؤيتها ، و آااااه من رؤيتها
فهى خطفت أنفاسه بطلتها هذه ، و خصلاتها الشقراء التى ترفرف على أكتافها ، يشعر و كأن السنوات لا تزيدها إلا جمالاً
فهى تبدو فى كامل أناقتها و وقارها ، يريد الآن أن يقضم أصابعه من فرط ندمه
و لكن بما يجدى الندم الآن …..

فهو قد جرحها جرحا غائرا و هو يعلم ذلك جيداً ، جرحها دون أن يكترث بمشاعرها أو حتى يلتفت لها ، لم يراعى يوماً إحساسها أو ما فعلت لأجله و لأجل عائلته ، فهى فعلت الكثير و الكثير من أجله و من أجل إستمرار علاقتهم سويا ، و لكنه لم يفعل لها شيئاً بالمقابل غير الغدر و العذاب و الآسية ، فهو يعلم مقدار ما سببه لها من آلم و وجع

يرأها الآن أمام أعينه تسير بكل قوة و عنفوان ، ترتدى ملابس أنيقة للغاية حامله على ذراعها الروب خاصتها ، و إلى جوارها العميل ( سالم ) الذى ستترافع عنه أمام المدعو ( معتز الباجورى ) فهو من المفترض أنه رب عمله و هو موظف بسيط يعمل لديه ، أكتشف أن رب عمله يعمل بالكثير من الأعمال المشبوها و كان سيورطه معه إلا أن الله أراد له أن يكتشف نوايا و حقيقته بالوقت المناسب
أخذت تقترب منه بخطوات واثقة ، ثابتة ، مليئة بالكثير من الثقة و القليل من الغرور ، تتهادى بخطواتها إلى أن …..

يتبع….رواية ولد الهلالي الفصل السابع 7 بقلم نور بشير

أخذت تقترب منه بخطوات واثقة ، ثابتة ، مليئة بالكثير من الثقة و القليل من الغرور ، تتهاد بخطواتها إلى أن مرت من أمامه دون أن تلتفت له حتى
نعم فهى قد مرت من أمامه بكل عنفوان و عدم أكتراث لما هو به الآن ، فهى تتابعه من خلف نظارتها السوداء الأنيقة ، تتابعه دون ملاحظته لها ، مرت بكل صمود و قوة لم تعهدها من قبل من أمامه هى و ذلك المدعى سالم ، و ظلت تسير باتجاه غرفة المحاكمة بكل ثبات تحت نظرات يونس المنصدمة و المتابعة إياها بلهفة شديدة و إشتياق ، ينظر لها كالمحروم الذى حرم

من لذة الحياة ، كالتائه المتعطش للأرتواء ، كالسجين الذى يريد الحرية و لو للحظة واحدة ، فهى الآن أمانه و حبه و كل شئ قد سلب منه فى الماضى بسبب أنانيته و عجرفته هذه ، فهو يتأكله الندم من فرط إشتياقه و ألمه على فراقها ، و إذا كان الندم يتأكله بالماضى شبرا واحداً فهو الآن يتأكله أضعافا مضاعفة ، أغمض عيونه فى ألم معتصرا إياها عندما تسللت إلى أنفه رائحه عطرها الناعمة كطلتها هذه التى أسكرته للحظات ، ثم فاق من هيامه هذا على صوت صفير المدعو معتز المردف بنبرة لاعوب مقززه:

ليك حق تسرح كده دى فرسة جامدة أوى فنظر له يونس بشرر من عيناه و نطق و هو يجز على أسنانه بغضب: هى مين دى اللى فرسة

ردد معتز بنبرة مقززة: الفرسة اللى عدت من قدامنا دلوقتى مع اللى إسمه سالم و أنت سرحت فيها ، فبقولك ليك حق ما هى فرسة و تستاهل
فجذبه يونس من تلابيبه ثم نطق بغضب و غيره شديدة: هى مين دى اللى فرسة يا ……
فأبتعد معتز عن يونس بذهول و نطق بحدة: أنت مجنون يا يونس ، إيه اللى أنت بتعمله ده و بعدين أنت محموق عليها أوى كده ليه هى كانت من بقيه عيلتك

فرد يونس بغضب و عيون يطق منها الشرر: اللى أنت بتتكلم عنها دى مراتى و أم أبنى يا حيوان
فوضع معتز وجه بالأرض و نطق بأسف: أنا أسف يا يونس مكنتش أعرف والله إنها مراتك ، بس غريبة يعنى أنها تكون مراتك و أنت متعرفش أنها هى اللى ماسكه القضية قصادك
فنظر له يونس نظرة ثاقبة و أبتعد عنه و أخرج سيجاره و أخذ ينفث فها لعله ينفث بها عن غضبه و النيران الكامنه بداخل صدره ، فهى لا يكفى بأنها أشعلت نيران إشتياقه و حنينه إليها إلا أنها لم تكتفى بذلك و عمدت إلى إشعال غيرته أيضاً

و بعد مرور ساعتان بالتمام و الكمال ، قضاها أثنانهم فى المرافعة عن المدعيين و الدفاع عنهم ، أثبتت دهب خلالهم جدارتها و دهائها الشديد و أنها شخص لا يستهان به و جديرة بكل ما وصلت إليه ، تحت إنبهار يونس الشديد بها ، فالماكثه أمامه الآن دهب أخرى غير تلك التى سبق و تزوجها فى الماضى
فهى مليئة بالثقة و العنفوان و الثبات ، و لم تهتز بها شعره واحدة خلال مرافعتها إمامه ، فعلى الرغم من شهرة يونس و ذكاءه هو الآخر إلا أنها أستغلت كل ثغرات و جمعت الأدلة و عرضتها بطريقة ذكية لا تخلو من الإحترافية

و التمكن ، فهى لها ٥ سنوات تمارس هذه المهنة و قد أكتسبت منها الكثير و الكثير الذ تؤهلها بأن تقف اليوم أمام من أعتقدت يوماً بأنها لم و لن تصل لثلث ما وصل إليه ، فهى قد تفوقت عليه شكلا و مضمونا ، فهى الآن حاصلة على الدكتوراة و تقف أمامه متساوية الرأس ، و كلما تفوه بكلمة تتفوه هى بأثنان ، و عندما يعطى برهان تعطى هى الأخرى أثنان و أستمر هذا الحال على مدار الساعتان إلى أن أنتهت الجلسة ببراءة المدعو سالم الذى كانت تنوب عنه دهب ، و غرامة المدعو معتز ٤ ملايين جنيه الذى ينوب عنه

يونس ، فهو كان من المفترض سجنه إلا أن دهاء يونس هو الآخر قد جنبه هذا و أكتفى الحاكم فقط بتغريمه هذا المبلغ …..

و بمجرد ما أن خرجت دهب من مبنى دار القضاء حتى هم يونس بألحاق بها تاركا خلفه معتز و الإجراءات و كل شئ ، و أخذ يركض خلفها ، و لكن دهب لم تعطى له الفرصة و لم تلاحظ حتى ركوضه خلفها ، و صعدت بسيارتها و أنطلقت بها فى طريقها للعودة إلى المنزل ، تاركه خلفها يونس يقف ينظر لأثارها بإنكسار و حزن دفين ، و لكنه ليس حزنا على خسارته للقضية تلك ، و لكن حزنه على ضياع حب حياته من بين يديه

و فى المساء يجتمع الجميع بمنزل السيد عبد القادر ( زينب و دهب و دينا و كريم و الصغير مالك ….

) يجتمع الجميع على شرف نجاح دهب اليوم بقضيتها تلك ، و على رأسهم يوجد أكمل الصديق المقرب لدهب و للعائلة أيضاً ، يجلس الجميع فى سعادة و حب خالص ، يحتفلون بتلك الحدث السعيد بالنسبة لهم و لدهب على وجه الخصوص ، فهى لم تشعر بنجاحها الكبير على مدار السنوات القليلة الماضية ، إلا فى تلك اللحظة ، الآن فقط أكتملت سعادتها ، شعرت بالرضا ، و أنه غرورها قد تم إشباعه بعدما حدث اليوم ، شعرت بأنها الأن تملك الدنيا جميعاً ، فما حدث اليوم كان رداً بسيطا لكرامتها التى أهدرها منذ سنوات ، كان رداً لكبريائها الذى دعس

به الأرض و لم يكثرت لها أو لحبها له و لتضحياتها من أجلة
أخذت نفسا عميقا و أغمضت عيونها بنشوة و سعادة حقيقية ثم عادت تتنفس بهدوء من جديد ، و لكنها فاقت من كل هذا على صوت الصغير القائل بحب: مامى أنا هطلع أجيب التابلت بتاعى من شقتنا لأن نسيته فوق
فأومات له دهب و أردفت بحب: تمام يا حبيبى بس أوعى تنسى المفتاح
فأبتسم لها الصغير و ركض إلى الخارج تاركا الباب مفتوح من خلفه ، فقابله والده عند باب المصعد ، فتفوه الصغير بأشتياق: بابى حضرتك عامل إيه أنت وحشنى أوى

فأقترب منه يونس محتضنا إياه بحب واضعا قبلة حانية أعلى جبهته و هتف بأشتياق: أنت اللى وحشنى أوى يا مالك و حضنك وحشنى أوى يا حبيبى ، ثم أبعده عن أحضانه قائلاً بمرح: رايح فين و أنت بتجرى كده
فنطق الصغير بسعادة: نسيت التابلت بتاعى فوق و طالع أجيبه و نازل على طول عشان ألحق أكل الكيك اللى مامى عملاها
فردد يونس بحنين و نبرة حانية متساءله: هى مامى عاملة كيك
فأوما الصغير برأسه بسعادة و تابع بحماس: ايوه يا بيبى عاملة كيك الفراولة اللى بحبه و كمان أونكل أكمل بيحبه
فردد يونس بصدمة:

أونكل أكمل ، ثم أضاف بتساؤل و أستغراب؛ مين أونكل أكمل ده يا مالك
فنطق الصغير بتلقائية: ده صاحب مامى يا بابى و دايما بيجى يتعشى معانا و تيتة بتعمل له ممبار عشان بيحبه و مامى بتعمل كيك الفراولة
فهز يونس رأسه بتوهان و صدمة ، فنظر له الصغير بعدم فهم ثم رحل صاعدا إلى منزلهم لجلب التابلت الخاص به ، و ما أن هم يونس بالأقتراب صوب باب منزل والدته حتى أستمع إلى صوت المدعو أكمل و هو يردف بحماس:

طيب يا جماعة بما أن إنهارده كلنا مجتمعين و فرحانين بأن دهب كسبت القضية إيه رائيكم لو نخلى الفرحة دى فرحتين ، و أطلب منكم أيد دهب بما أنكم عيلتها و فى مقام باباها و ماماتها
فتجمد يونس بمكانه على أثر سماعه لهذا الحديث الذى يتفوه به تلك الأبله ، شعر و كأن الأرض تدور به ، و أن توازنه قد أنعدم ، و كأن العالم أسود أمام أعينه فجأة ، يشعر و كأن أحدهم قد ضرب برأسه فى عرض الحائط عدة مرات حتى أفقده توازنه و قدرته على الإستيعاب و إدراك الموقف
نيرررررران
نيررررررررران تحرقه أن لم

تكن تحرق العالم بأكمله على أثر غيرته و وجعه و حسرته الكامنة بداخل صدره على الجانب الآخر ….

شعرت دهب و كأن دلو من الماء البارد قد سكب عليها فى هذه اللحظة ، شعرت و كأن أحدهم قد ضربها بأداة حدة أعلى رأسها ، فهى لم تتخيل يوماً أن أكمل سيقول هذا الكلام ، لم يخطر ببالها قط ما حدث للتو ، فهى كانت دوماً تشعر بأنجذابه لها و أنه يكن بداخله مشاعر تجاهها إلا أنها لم تتوقع بأنه سيبوح بكل هذا الآن
أمام الجميع ……
فهمت أن تنطق و تبوح برفضها التام إلا أن أكمل نظر إليها موقفا إياها قائلاً بصوتا رحيم:

أرجوكى يا دهب متقوليش حاجة ، أنا مش عاوز أسمع منك أى رد دلوقتى خدى وقتك و فكرى براحتك و تأكدى أنك لو وافقتى أنا هكون أسعد إنسان فى الدنيا أنك هتقبلى تشاركينى حياتى و تكونى نصى الحلو و مالك هيكون فى عينى و هعوضكم أنتم الأتنين عن أى حاجة ، فكرى يا دهب و أنا هنتظر ردك على أحمر من الجمر
فهمت دهب بالرد مرة أخرى إلا أن هذه المرة لم يترك لها يونس مجالا للرد قائلاً بحدة؛

و هو حضرتك هتعوضهم بصفتك إيه و لا مين قالك أساساً أنى هسمح لك بحاجة زى كده
فهب أكمل واقفا بمكانة ثم نطق بتساؤل و حدة: مين حضرتك و أزاى تتكلم معايا بالأسلوب ده
استطرد يونس بغضب:

أنا طليق الست اللى أنت بتطلب أيدها دلوقتى و أبو الولد اللى أنت عاوز تعوضه هو و أمه عن أى حاجة حصلت لهم
فوضعت دهب وجهها بالأرض تشعر بتوقف دقاتها ، فهى لم تخطط لهذا كله ، و لم تضع بالحسبان وجود يونس الآن و بهذه الثانية بالذات ، لا تريد أن تضع بهذا الموقف ، و لا تحب أن تعرض صغيرها أو أكمل لإستماع مثل هذا الحديث الذى هى تعرفه جيداً و تعلم بأن يونس سيتفوه به فهى أكثر شخص يعلمه جيداً
فتجاهله أكمل عن قصد ثم وجه حديثه إلى هبد القادر قائلاً بتهذب:

عن إذنك يا عمى و أن شاء الله هستنا حضرتك تفكر و ترد عليا
فقاطعه يونس بحدة و غضب شديد: عرضك مرفوض يا أستاذ من غير ما يفكر
فنظر له أكمل و نطق بقوة و برود: و أنا موجهتش لحضرتك كلام ، و لا حتى كان كلامى معاك من البداية عشان أسمع ردك ، ثم وجه حديثه إلى دهب قائلاً بحنان؛

أشوفك بكرا أن شاء الله ، و وضع قبلة حانية على رأس الصغير و أنصرف فى هدوء و إحترام ، تاركا يونس يقف و كأنه يقف على موقد ، تشتعل النيران بداخله و لا يعلم كيف له أن يخمدها ، فنظر إلى دهب الواضعة وجهها بالأرض و صاح بحدة: ممكن أعرف إيه ده يا هانم اللى أنا سمعته ده ، و أزاى تسمحى لنفسك أن يكون ليكى علاقة براجل غريب و تدخليه البيت ثم أضاف بأستهزاء؛

لاااا و كمان طالب إيدك و من مين من أبو طليقك و حفيد إبنك ، ده إيه البجاحة دى يا شيخة
فصاح عبد القادر قائلاً بانفعال و غضب: يووووووونس
فأسكتته دهب بتهذب و نطقت بجمود: سيبه يا بابا ، سيبه يكمل ، ثم أقتربت من يونس و وقفت قباله و أردفت بصمود و قوة لم تعهدها معه من قبله؛

البجاحة يا أستاذ هى اللى أنت بتعمله دلوقتى و أنت واقف قصادى و عينك فى عنيا ، البجاحة اللى أنت عملته برضو من سنين فيا و أنت واقف قصادى و عينك فى عنيا ، البجاحة أنك تروح تحب و تتجوز و أنت أصلاً متجوز و ترمى مراتك و إبنك ، البجاحة هى أنك تقف قصادى دلوقتى تحاسبنى على حياتى اللى أنت مالكش وجود فيها ، البجاحة لو ليها إسم فهى أنت يا يونس ، ثم أضافت بجبروت و لامبالاه و هى تؤكد على كل حرف تنطق به؛

عمرك شوفت بجاحة كده
فوضع يونس عيناه بالأرض لبرهة ثم عاود النظر لها من جديد مستطردا بحدة: على جـ,ـثتى يا دهب الجوازة دى تتم على جثـ,ـتى
فرفعت عهد يديها مشيره بها إلى الحائط مردده فى ثبات: أدى واحد و أدى أتنين و أدى تلاتة و أدى أربعة ، عندك أربع حيطان يا يونس أختار واحدة و أضرب رأسك فيهم ، ثم نظرت له بأحتقار و همت بالرحيل و ما أن مرت من جانبه حتى أمسكها يونس من يديها معتصرا إياها بين كفه متفوها بغضب أعمى و نيران حارقة:

صدقينى يا دهب لو أخر يوم فى عمرى مش هخليكى تتجوزيه ولا إسمك هيتحط جمب إسم أى راجل تانى غيرى و ده وعد منى يا دهب
فسحبت دهب يديها بعنف من بين يديه و نطقت بفحيح أفعى و هى تؤكد على كل كلمة:

صدقنى يا يونس أنا هتجوزه ، و حيات ربى لهتجوزه ، و أبقى ورينى هتمنعنى أزاى ، ثم سحبت يديها من بين يديه و أنطلقت إلى شقتها بخطوات ثابتة واثقة تحت نظرات يونس الحارقة الموجه لها ، فنظر إليهم يونس جميعاً ثم تركهم و صعد إلى شقته هو و تلك النادين ، تاركا والده ينظر فى أثره نظرات مبهمة لا يعلم أحد الهدف منها سواه ، فنظرت له زينب بحيرة تحاول أن تعرف بماذا يفكر إلا أنها فشلت فى فهم ما يفكر به زوجها

انت في الصفحة 3 من 6 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى