Uncategorized

خذلان الماضي دودو محمد

أغلق الطفل عينيه، وبعد وقت ذهب في سبات عميق. عندما تأكدت أنه نام، نهضت من جواره، واتجهت إلى المرحاض، حيث أخذت حماماً دافئاً لتغسل عن نفسها تعب اليوم ومشاعرها المتناقضة. ثم خرجت، ارتدت ملابسها، وتمدت بجوار الطفل. ظلت تفكر فيما حدث لها حتى غلبها النعاس وذهبت في نوم عميق، في عالم من الأحلام التي تنسجها أفكارها وترتبط بأيام لم تكن تعرف فيها الألم، حيث كانت ترى الأمل في كل زاوية من زوايا حياتها.

“خذلان الماضي”2 “الجزء الثاني” بعد مضي عدة شهور على الأيام العصيبة التي عاشتها راما، استيقظت من نومها على صوت ياسين، ابن أخيها. كان ينادي باسمها بحماس يشبه شعلة من النور، محاولاً أن يجعل صباحها أكثر بهجة. فتحت عينيها بصعوبة، وتحسست الأحلام التي كانت تراوضها قبل أن تستيقظ، ثم قالت بنعاس متصل بالمشاعر: ‘فيه أيه يا ياسين على الصبح كدة؟’ تكلم بطفولية، وكأن قلبه مليء بالأمل، بينما كان وجهه مليئًا بالرجاء، فقال بترجي:

‘عندي تمرين سباحة في النادي، وبابا في الشغل مش هيعرف يوديني، وماما تعبانه من الحمل، ومش لاقي حد يوديني. بليز يا عمته قومي انتي وديني.’ هنا، شعرت راما بمزيج من التعاطف والتعب؛ ردت عليه بألم، إذ شعرت بالتعب يؤثر عليها: ‘معلش يا ياسين، مش قادرة والله تعبانه.”

أدرك ياسين ما تعانيه عمته، لكن براءته دفعت به لنظرة حزن مختلطة بغضب طفولي، ثم تركها وخرج من الغرفة. نظرته جعلتها تشعر بنبض القلق في قلبها. زفرت بضيق ونهضت بصعوبة من على السرير، وكأن كل خطوة تتطلب جهدًا كبيرًا، ثم دلفت إلى المرحاض لتجهيز نفسها لتحضير أيام كثيرة مليئة بالتحديات. وبعد لحظات، خرجت، مرتدية ملابسها وممشطة شعرها، متمنية أن تبدو قوية. خرجت من غرفتها، واتجهت إلى غرفة ياسين، حيث كان يجلس على سريره بوجه عابس، يحمل أحمال العالم على كاهله. تحركت نحوه وجلست بجواره، محاولة تنقله من عالم الحزن إلى عالم الفرح، وقالت بمزاح:

“ينفع كده يعني أجهز وحضرتك لسه مجهزتش؟” نظر لها بضيق، وتكلم بغضب طفولي: ‘مش رايح خلاص يا عمته، جهزتي نفسك على الفاضي.’ لم تستطع راما إلا أن تضحك على براءته، نظرت له بابتسامة مازحة، ثم بدأت تدغدغ فيه، وكأنها تعيد الحياة إلى روح الصغير، وتكلمت بمزاح: ‘ما هو لو مجهزتش نفسك حالا هفضل أزغزغ فيك كده لحد ما تقول حقي برقبتي.’ تعالت ضحكات الطفل بسعادة، وكأنها أكدت له أن الحياة تستحق العيش، وتكلم بصعوبة:

‘خلاااص يا عمته، هجهز والله، إحنا آسفين يا صلاح.’ احتضنته بحب، وكان ذلك الحـ,ـضن يحمل معاني كثيرة، وقالت بابتسامة حنونة: ‘حبيب قلب عمته، يلا يا بطل، ربع ساعة والاقيك جاهز فاهم.’ ثم خرجت من الغرفة وأغلقت الباب خلفها، وجدت والدتها تجلس على الأريكة تنظر إلى الفراغ بركنية ملامحها. جلست بجوارها، وكأنها ترغب في العودة إلى تلك الأوقات البسيطة، وقالت بابتسامة: ‘قاعدة كده ليه يا سمسمه بس؟’ ابتسمت لها بحزن، وكأن حياتها حقيبة مثقلة بالأفكار، وقالت:

‘قاعدة يا بنتي هعمل إيه بس، مافيش حاجة ورايا.’ وضعت رأسها على كتف والدتها، وكأنها تبحث عن الأمان، وقالت: ‘يا ستي فرفشي كده وسبيها على ربنا.’ ربتت والدتها على يدها، وتكلمت بنبرة حنونة: ‘ونعم بالله يا حبيبتي، ربنا يسعد قلبك ويرزقك بأبن الحلال اللي يعوض صبرك خير.’ زفرت راما بضيق، وكأنها تتوسل، وتكلمت بصوت مختنق بترجي: ‘أبـ,ـوس إيدك يا ماما، بلاش كلام في الموضوع ده، مش كل يوم تتكلمي فيه. شيلي الفكرة دي من دماغك علشان أنا عمري ما هفكر في الجواز تاني.’

وفى ذلك الوقت، خرج ياسين من الغرفة كنسمة بهجة، وقال: ‘خلصت يا عمته، يلا بينا.’ استقامت راما بجسدها، وأمسكت بيد ياسين، وكأنها تتمسك بأمل جديد، وقالت بابتسامة حزينة: ‘يلا يا حبيب عمته.’ هبطوا إلى الأسفل، حيث أوقفت سيارة أجرة، كان السائق يتطلع إليهم بابتسامة لطيفة، واتجهوا إلى النادي. نظرت سامية إلى أثرهم وكأنها تخشى أن تفوتها لحظة من لحظات الحياة، وتكلمت بدعاء: ‘ربنا يرزقك بأبن الحلال اللي يسعدك ويفرح قلبك يا بنتي، يارب.’

…………………………………………………. بعد وقت، وصلت راما ومعها ياسين إلى النادي، ودلفوا إلى الداخل. ترك الطفل مكانه ليتجهز لتمرينه، بينما ظلت راما تتأمل حولها بتوتر، وكأن أعين الناس تخترقها. تراجعت إلى الوراء بعض الشيء، لكنها اصطدمت بشيء صلب، مما جعلها تنتفض في مكانها. استدارت سريعاً، وقالت بأسف: “ا ا انا اسفه مقصدش والله.” ابتسم الرجل الذي اصطدمت به، بهدوء، وقال بنبرة رجولية: “حصل خير يا مدام راما.” نظرت له باستغراب وسألته بتساؤل:

“هو حضرتك تعرفني!؟” أومأ برأسه بالتأكيد وقال بتوضيح: “أيوه، أنا عمر، صاحب رامي ومي من أيام الجامعة.” استمرت في تحديد النظر إليه بتمعن، ثم قالت بأسف: “سوري، مش فاكره حضرتك، عن إذنك.”

انت في الصفحة 4 من 15 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى