Uncategorized

خذلان الماضي دودو محمد

بعد ذلك، تركته وتحركت بسرعة من أمامه. شعر عمر بالدهشة عندما رأى ملامح القلق تجتاح وجه راما، وكأنها تغرق في دوامة من الذكريات المحرجة. نظر عمر إلى أثرها بتعجب، ثم توجه إلى الداخل.بعد لحظات، جلست راما تتابع ياسين خلال التمرين، وتفاجأت عندما اكتشفت أن هذا الشاب هو من يمرن ابن أخيها. كان ياسين يتنقل بخفة بين الحواجز، كل حركة تملؤها الطاقة والحماس. ظلت تبتسم بسعادة هي ترى ياسين سعيداً وهو يتمرن، ولوح لها بيده لتقترب منه. حركت رأسها بالرفض، لكنه، أصر على ذلك. نهضت من مقعدها واقتربت منه، وتحدثت بتساؤل:

“عايز أيه يا ياسين؟” أجابها ببراءة الأطفال، وقال بسعادة: “أيه رأيك فيا النهاردة، كنت شاطر؟” مالت بجسدها وقبلته بابتسامة دافئة، وقالت: “ابن قلبي شطور ومافيش منه اتنين، لسه بدري؟” حرك كتفيه بعدم معرفة، وقال: “مش عارف، اسألي كابتن عمر.” أومأت برأسها، وتحركت نحو المدرب، وسألته بتردد: “لو سمحت، ياسين خلص ولا لسه؟” أجابها بتوضيح: “أيوه خلاص كده، ممكن يروح يغير هدومه. ولو كده، استنوا أوصلكم على سكتي، وبالمرة أشوف الواطي رامي، بقاله فترة مش بيسأل عليا.”

تنهدت بضيق، لكنها ابتسمت له برفق، وقالت: “أنا آسفة، حضرتك مش بركب عربيات مع حد غريب، تقدر تتواصل مع صاحبك براحتك، عن إذنك.” ثم تركته، وأمسكت يد ياسين، وتحركت به نحو غرفة تبديل الملابس. انتظرت بالخارج حتى انتهى، وخرج لها، ثم انطلقوا إلى خارج النادي. أوقفوا سيارة أجرة، وعادوا إلى المنزل. …………………………………………………. في المساء تجمعت العائلة حول طاولة الطعام، حيث خيم الصمت على المكان كما لو كان يحيطهم بسحابة من الكأبه. كسر رامي هذا الصمت بنظرة تجاه راما وسأل بفضول:

“هو انتي قابلتي عمر صاحبي النهاردة؟” أومأت راما برأسها بالإيجاب، رغم أن عينيها حملتا بعض الضيــق، ثم أجابت: “اممم، روحت النهارده تمرين السباحة مع ياسين، وخبط فيه، بس أنا معرفتهوش الصراحة، هو اللي عرفني على نفسه. وقالي إنه صاحبك، وكمان أتفاجئت إنه المدرب بتاع ابنك. ولما خلص، عرض عليا يوصلنا، بس أنا رفضت.” ابتسمت مي، زوجة رامي، وقالت بحماسة: “عمر ده ما شاء الله عليه، أدب إيه وأخلاق ميختلفش عليه اتنين، وشاطر أوي في شغله الصبح وفي شغلة بليل في النادي.”

نظرت إليها راما بعدم اهتمام، مما خلق جواً من التوتر، وردت بتهكم: “مالك يا أختي، كأنك بتخطبي ليه؟ اهدي شويه على نفسك، وانتي بقيتي شبه القنبلة كده.” ردت مي بضيق، محاولة الدفاع عنه: “تصدقي إنك مش وش نعمة! ده شاب طول بعرض رياضي وقمور وذكي، والبنات كلها هتمـ,ـوت عليه. طيب، ده أنا جبتله عرايس أشكال وألوان، وهو اللي رافض فكرة الجواز.” زفرت راما بضيق وتحدثت بصوت مختنق: “اديكي قولتي بنات يا مي، مش واحدة مطلقة. وأنا أصلاً عمري ما هفكر أكرر التجربة دي تاني. ياريت تهدي شويه أنتي وماما، وبلاش شغل رايا وسكينة ده، علشان مش هينفع معايا…”

ثم استقامت بجسدها وقالت بضيق: “الحمدلله، شبعت. تصبحوا على خير.” تحدث رامي باستغراب: “ايه ده هتنامي من دلوقتي يا راما، لسه بدري. خليكي قاعدة معانا شويه.” حركت رأسها بالرفض وأجابت بوجع: “لا يا رامي، مصدعة شوية وعايزة أنام.” تركتهم وتوجهت إلى غرفتها، بينما نظر رامي إلى أثرها بحزن، وعاد بنظره إلى زوجته بضيق. ثم قال بصوت غاضب: “عجبك كده؟ فيها ايه لو تحطي لسانك في بوقك شوية، هي كانت قاعدة على قلبك، ما تسبيها براحتها. وبعدين انتي بتتكلمي نيابة عن عمر ليه، هو قالك إنه معجب بيها؟”

رفضت مي ذلك، وبتوضيح قالت: “آه يا رامي، قاعدة على قلبي ومتربعة كمان. راما أختي وبحبها، ونفسي ربنا يرزقها براجل بجد يعوضها عن اللي شافته مع زفت الطين ده، وكمان عمر شاب ميتعوضش. قولت أجس نبضها هي الأول، لو وافقت، قولت أكلمه عليها.” أغلق رامي عينيه حتى يهدأ قليلاً، ثم قال بغضب: “انتي عارفة لو مبطلتيش كلامك المستفز ده، هوديكي بيت أهلك لحد ما لسانك يعرف يفكر في الكلام قبل ما ينطقه.”

تحدث والده بنفاذ صبر: “كفاية خناق منك ليها، وكملوا أكلكم وانتوا ساكتين.” نظر رامي إلى مي بضيق، ثم نهض من مقعده، وقال بغضب: “شبعت، الحمدلله. عن إذنكم…” أنهى كلامه وتحرك تجاه غرفته. نظرت مي إلى سامية بتوتر، ثم نهضت وقالت: “الحمدلله، شبعت عن إذنكم.” وتركتهم، وتوجهت خلف رامي إلى الغرفة، دلفت إلى الداخل وجلست بجواره، وقالت بأسف: “أنا آسفة، مقصدش والله أزعل راما. أنا نفسي ربنا يرزقها براجل بجد يعوضها عن الحزن اللي شافته، بس والله العظيم هو ده اللي أقصده.”

نظر إليها بضيق، وقال: “فيه فرق بين أنك تتمني الخير لحد، وانك انتي تسمي بدنه طول الوقت. ده يدوب لسه مخلصه العدة بتاعتها من كام يوم، وخارجة من تجربة صعبة. نهدا عليها بقى شويه اللى فيها مكفيها. أنا عارف أنك عبيطة، واللي بتقوليه ده كلام ماما.”

انت في الصفحة 5 من 15 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى