ابتسم لها باستحقار، وكأن انتصاره جاء على حساب كرامتها، وقال بتهكم: “لا، صدقتك فعلاً إنك مش بتحبي فلوسي! انتي مفكرة نفسك إيه؟ أوعى تكوني فاكرة إنك واحدة وأنا هُموـ,ـت عليكي! أنتي بالنسبالي كنتي مجرد نزوة. كنت همـ,ـوت على جسـ,ـمك. ولما لاقيتك رافضة تسلّمينى نفسك، اتجوزتك، امتع نفسي يومين تلاته، وبعدين كنت ناوي أرميكي رميّة الكلاب. على العموم، كويس إنها جات منك، أنتي طالق يا راما، طالق وبالتلاتة!” ثم أخرج لها نقودًا وألقاها بوجهها، وكأنها بقايا ذكرياته، وقال باستحقار:
“خدي دول نهاية الخدمة، وكمان تذكرة رجوعك لمصر على حسابي! وكل الهدوم اللي أنتي اشترتيها بفلوسي خديها معاكي!” نظرت إلى النقود باستحقار، وكأنها ورقة ممزقة تعكس اللامبالاة التي أحاطت بها، وتكلمت بصوت مختنق: “خلي فلوسك معاك، مش محتاجة حاجة منك، احجزلي بس تذكرة رجوعي لمصر.”
ثم تحركت إلى الخارج، وعادت إلى المنزل. أغلقت الباب خلفها، ودلفت غرفتها، وارتمت على السرير، وظلت تبكي بألم شديد حتى تقطعت أنفاسها. في النهاية، اعتدلت على السرير، تنظر أمامها بروح منكسرة وفاقدة للحياة. أوجعت تلك الذكريات قلبها ومضت بخيالها لتعود إلى اللحظات السعيدة التي كانت تملأ حياتها. نهضت بجسد متأرجح، أخذت الأشياء التي تخصها وضعتها في الحقيبة، وكأنها تتخلص من كل ما يعيد لها أوجاع الماضي. وفي هذه الأثناء، أعلن هاتفها عن وجود اتصال. أجابت بصوت حزين، وكأن العواطف تغلبت عليها، وقالت:”نعم.”أتاها صوت رجولي يقول لها:
“تقدري تغوري كمان ساعة، حجزتلك الطيارة.” فقط وأغلق الخط في وجهها، تاركًا إياها في دوامة من المشاعر المضطربة.نظرت إلى الهاتف بدموع، وشاركت وحدة قلبها مع تلك اللحظة، ثم أخذت الحقيبة وغادرت الفيلا متجهة إلى المطار، حيث كانت تأمل أن تجد بداية جديدة بعيدًا عن آلام ماضيها. …………………………………………………. باااااك… أنهت كلامها وارتمت داخل أحضان زوجة أخيها مي، وتكلمت من بين شهقاتها، قائلة: “ده مفكرني أن اتجوزته علشان فلوسه، بس ربنا يعلم أن أنا حبيته بجد، متوقعتش أن هو بالقذارة دي.”
ربت مي على ظهرها بحنو، وتكلمت بنبرة هادئة تشبه نسمات الفجر: “بطلي هبل وبلاش عياط، هو ميستهلش دمعه واحده من عيونك، أنا من الأول مكنتش مرتاحة ليه مغرور كده، وشايف نفسه، معرفش على أيه.” أضافت والدتها بحزن يملأ قلبها: “طيب نخلي أبوكي يكلمه ويصلح ما بينكم مدام لسه بتحبيه.” انتفضت مكانها، وحركت رأسها برفض شديد، وقالت بغضب يكسو صوتها: “أوعي يا ماما تعملوا كده، بلاش نرخص نفسنا ليه، هو شايفنا أننا عايشين بفلوسه، وذلني بكلامه ده.”
رد أبوها عليها بحنو وعطف، وتكلم بنبرة حزينة مؤثرة: “لا عاش ولا كان اللي يذلك يا قلب أبوكي، حقك عليا أنا يا ضنايا.” نهضت سريعًا وجلست بجواره، وارتمت في حـ,ـضنه وتمسكت به بقوة، وقالت: “طول ما أنت في ضهري هفضل قوية وراسي مرفوع لفوق، ربنا يخليك ليا.” رد رامي عليها بغضب: “يغور في داهيه، تشيلوا بكرة يجيلك سيد سيده.” نظرت له بدموع تحجب رؤيتها، وقالت بصوت مختنق: “لا سيد سيده ولا سيد الناس، أنا خلاص جربت حظي مرة، ومستحيل أكررها تاني، أنا هعيش لوحدي أحسن مليون مرة من اتجوز واحد يكون عينه على جسمي وبس.”
نظرت والدتها إليها بحزن، وقالت بصوت مفعم بالحنان: “قومي يا بنتي ريحي جسمك في أوضك، وربك قادر يريح قلبك.” نهض ياسين ابن أخيها، وتمسك بها ببراءة، قائلاً: “أنا هنام مع عمته راما.” حملته على ذراعها وقبلته بحب غامر، وقالت: “قلب عمته أنت يا ياسين، يلا بينا يا بطل.” ثم نظرت لهم بابتسامة دافئة، قائلة: “تصبحوا على خير.”
تحركت إلى غرفتها، ونظرت إليها بشوق شديد، إذ أنزلت ابن أخيها وتحركت ببطء، ومررت أصابع يدها على المكتب الخاص بها، ثم أمسكت بلعبة خاصة بها. انهمرت دموعها عندما تذكرت حياتها السابقة، وكيف كانت فتاة مفعمة بالحيوية. جلست على السرير، وضعت يدها على وجهها، لكنها تفاجأت بسؤال ابن أخيها، وهو يقول لها: “هو انتي ليه مش معاكي أطفال زي ماما وبابا يا عمته؟”
نظرت له بحزن يملأ عينيها، حيث تجددت في ذهنها ذكريات شهور زواجها القصيرة، حين وضعت آمالها وأحلامها ورغباتها الشخصية جانبًا. تذكرت تلك اللحظة التي أشترط فيها زوجها تأجيل الإنجاب، وهي التي كانت تعتقد أنه يريد أن يستمتع بفرحة العيش سويا. لم يكن الأمر مجرد قرار عابر، فقد كانت تحمل موانع الحمل بتلك النية، وابتسمت بوجع في قلبها، وقالت: “علشان ربنا مرزقش عمته بطفل قمر زيك، وبعدين أنت ابن قلبي أول ما عيني شافت.”
أدخل ياسين سعادتها المفقودة في تلك اللحظة، فاحتضنته ووضعته على السرير، وتمدت بجواره، كما لو كانت تتطلع للمشاركة في براعم الحياة والبراءة التي تملأ قلبه. كما لو أن عودتها للطفولة بين أحضانه قد تذكرها بجوانب من نفسها التي فقدتها. قالت: “يلا بقى ننام علشان أنا تعبانه أوي من السفر.” رد عليها الطفل ببراءة، وقال بتساؤل: “هو انتي هتسافري تاني يا عمته؟” حركت رأسها بالرفض، وانتابها شعور من الراحة في وجوده، بينما كانت تشعر بشيء من الخوف من فكرة مغادرة المنزل مرة أخرى. قالت بنبرة مختنقة تعكس تداخل المشاعر:
“لا يا حبيبي، قاعده معاكم هنا على طول، ويلا بقى نام بلاش أسأله كتير.”