Uncategorized

من قلب الواقع بقلم نورا سعد

– قبل أي حاجة أنا بعتذرلك عن اللي صلاح عمله، هو طبعًا غلطان، وحقيقي حقك عليا على اللي هو قاله. كلامه هادي وبسيط ومُنمق، غصب عني العصبية اللي كانت جوايا اختفت، ابتسمت بهدوء وقولتله: – اللي حضرتك عملته ده فوق راسي…بس حقيقي هو شخص غير محترم، أنا آه غلطت لما خبطت فيه واتسببتله في أذى الورق اللي كان في أيده؛ بس أنا برضه أتسفتله، ولو كان طلب مني أصلحله الورق ده أو أعيد صياغته تاني بنفسي مكنتش هعترض..لكن هو اللي سوقّي وقليل الأدب.

اتنحنح وابتسم وهو بيقول: – ليكِ حق في كل حاجة بتقوليها، بس مفيش داعي الكلام يوصل لمستر سيف، وأتمنى تقبلي آسفي . خلص كلامه واستأذن وخرج من المكتب، أستاذ يوسف…مسؤل الحسابات للشركة، دايمًا بشوفه أنه هادي ومش بتاع مشاكل، والنهاردة عرفت أنه جدع! ******** – تفطري معايا؟ ابتسمت أنا وبحُط أيدي على خدّي وبقوله: – وهتفطر إيه بقى؟ يمكن فطارك يعجبني فعلًا. – اللي يعجبك. قربنا من بعض بسرعة، كان لطيف جدًا، كنت مستغربة نفسي أنا أزاي عمري ما خدت بالي منه قبل كده! يمكن عشان مكنتش واخدة بالي من أي حاجة في حياتي أصلًا!

******** – بقولك إيه يا نور. كانت ماما، دخلت عليا الأوضة وقعدت جمبي على السرير المكركب اللي كله ورق يخص الشغل، ابتسمت لها أنا وبقولها برواقة: – قولي يا ست الكل. وبابتسامة هادية كانت بتقولي اللي مكنتش متوقعه أنه يتقال دلوقت بالتحديد: – هتفضلي كده لحد أمتى يا حببتي؟ أنا خايفة قطر الجواز يفوتك يا نور؛ أنتِ بقيتي ٢٧ سنة يا قلب أمك. ضميت كفوفي على بعضها أنا وبحاول أدور على أجابة، مكنش عندي كلام، لما لقت سكوتي طال رفعت وشّي بأيديها، ثبتت عيونها على عيوني اللي تشبه عيونها تمام وقالت:

– أنا خايفة عليكِ، ونفسي أفرح بيكِ، خايفة يكون تفكير أبوكِ غلط، وبرضه صعبان عليا أن بعد كل ده بنوتي الدكتورة متاخدش شخص في مستوى تعليمها. سكتت وبعدين كملت: – بكرا هيجي عريس ليكِ، عايزاكِ تديله فرصة، فرصة يا نور بدل ما الفرص كلها تروح. عيني دمعِت غصب عني، وبصوت مهزوز كنت ببوح وبقول اللي كتماه في قلبي من ٧ سنين؛ من يوم ما دخلت كلية الطب وبدأت العرسان تدُق على بابي:

– وليه يا أمي؟ ليه الدكتورة لازم تتحبس في رُكن أنها تتجوز دكتور! ليه وكل الدكاترة اللي أتقدموا ليا مش كويسين! مش جايز الناس التانية كانت كويسة وأنتوا ضيعتوا عليا فرصة كويسة منغير ما تحسوا؟ مش يمكن أنتوا كده بتظلومني! عيونها خانتها قدامي، وكان ردها على كلامي هو حُضـ,ـن..حُضـ,ـن دافي حاولت تخفف بيه حمولي اللي حسيت بيها في لحظة وحدة، كنت ببكي بحُرقة وألف سؤال بيدور في دماغي، معرفِتش تسكِت دماغي، طبطبت على راسي بهدوء ومسحت دموعي بأيديها، ابتسمت ليا وهي بتقولي:

– اللي في الخير هيقدمه ربنا. خلصت كلامها وسابتني ومشيت، كنت حاسه أن دماغي فيها نار مولعة مش راضية تهدى! كلامها بيتردد في دماغي، القطر هيفوتني! طب ما يمكن يفوتني بجد! مش ممكن بعد كل ده ملقيش حد مناسب من وجهة نظرهم ويكون نصيبي مع واحد مطلق ولا أرمل عشان خلاص قطر الجواز فاتني؟ كنت متأكدة أني لو وصلت للمرحلة دي هيوافقوه؛ هيندموا شوية…ويزعلوا شويتين…وحياتي أنا اللي هتدمر! ويمكن ملقيش حد يبقى عايزني أصلًا؛ وفي النهاية أعيش طول حياتي لوحدي! وتكون بداية حياتي تسلُط ونهايتها تعاسة ووحدة!

ووسط كل الدوشة دي تليفوني رن، كان بقاله كتير أوي بيرن وأنا مش وخدة بالي، خدت التليفون أنا وبمسح دموعي ورديت، والمصيبة أنه كان يوسف! – يا بنتي عمال أرن عليكِ فينك؟؟ الميتنج زوم هيبدأ كمان ربع ساعة وأنتٍ قافلة. الميتنج! أنا أزاي نسيته، بصّيت بسرعة على الساعة وفعلًا كان فاضل ربع ساعة بس، حاولت أظبط نبرة صوتي عشان أثر البُكى ميظهرش عليا أنا وبقوله: – شكرًا يا يوسف، أنا…أنا خلاص فتحت أهو.

قدر يكشفني، وبنبرة مترددة كان بيسألني: – أنتِ بتعيطي؟ – لا لا. نفيت بسرعة أنا وبمسح دموعي اللي هتبدأ تخونّي من تاني، ولكن هو كان عارف أني بكدب، سكت شوية وبعدين قالي: – طب نخلص الميتينج ونشوف الموضوع ده، أتفقنا؟ ابتسمت أنا وبهِز راسي وكأنه شايفني، قفلت معاه ومسكت اللابتوب عشان أفتح الميتنج؛ والحقيقة كان في وقته! قالولنا في الميتنج أن في سفرية تبع الشركة هتكون لمدة ٣ أيام، والتحرك بكرا بليل وأن لازم التيم كله يكون موجود، خلصنا الميتنج ولقيته بيرن عليا، ابتسمت جوايا تلقائيًا ورديت، وكان أول حاجة يقولها ليا:

– الشركة حست بيكِ وأديتك ٣ أيام تغير جو أبسط يا عم. ضحكت على طريقته الطفولية اللي كان بيتكلم بيها عشان يضحكني، مدخلش في أي تفاصيل، ولا سألني كنتِ بتبكي ليه، محبش يتطفل عليا أبدًا، الحقيقة أنه نساني حُزني، حتى لو كان نسيان مؤقت. ******** – بابا أنا عندي سفرية مهمة تبع الشغل النهاردة بليل. – قابلي بس العريس وربنا يقدم اللي فيه الخير.

قالها ببرود وكأنه بيقولي لو وافقتي هتروحي السفرية! مهتمتش عشان معكرّش مزاجي، كنت في أوضتي بجهز قبل ما العريس يوصل، لبست أي لبس قدامي، كنت بحاول أفتكر أي مواصفات ماما قالتهالي على العريس لكني مفتكرتش أي شيء غير أنه دكتور وعنده عيادة! هه؛ وكأن تفكيري أتحول من أني أفكر العريس هيعجبني ولا لاء؛ العريس اللي جاي دكتور ولا هيترفض منهم هما؟! تفكير غريب من عيلة معتقداتها أغرب والغريب أني كنت مؤمنة بفكرهم ده لحد ما زهقت مش أكتر! ويمكن هو ده أكتر شيء مضايقني، أني مش معترضة على فكرتهم؛ ولكني زهقت من تحكماتهم وأنهم بياخدولي قراراتي بعيدًا عن رأي الشخصي أصلًا!

حاسه أن أنا كمان سطحية وساذجة ومختلفش كتير عنهم، وعشان كده قررت أني هدي فرصة للعريس اللي وصل دلوقت على الباب. – تعالي يا نور سلمي على عريسك. كان شاب صُغير، مُهندم ولابس بدلة ونضارة وشعره مُرتب، كان …كان شكله دكتور! سلمت عليه وماما وبابا سابونا نقعد سوا لوحدنا، كان مستنيني أسأل لكني كنت ساكته، عشان كده أتنحنح هو وسأل: – ساكتة ليه؟ مش عندك اسئلة؟ – بفكر. قولتها بهدوء وهو ابتسم، وبنفس النظرة كان بيقولي:

– طب خليني اسألك أنا لحد ما تفكري، أنتِ بتشتغلي يا دكتورة؟ – آه. – فين بقى صيدلية مش كده؟ كان رد طبيعي بما أني خريجة صيدلة، لكني صدمته لما قولتله: – لا شركة أدوية كبيرة. – شركة إيه؟ عرفته اسمها وسألته ليه مستغرب كده، والحقيقة أن رده كان غريب! غريب لأبعد الحدود بجد: – بس الشركة دي أنا عارفها، دي فيها شغل كتير وتعب ومجهود، حتى اسمع أن فيها سفر كتير.

مكنتش فاهمة هو عايز إيه، ورغم كده رديت عليه ببساطة: – آه دي حقيقة، حتى عندي سفرية بليل تبع الشركة. ملامحه اللي كانت هادية بدأت تتشنج! ضغط على كفوف أيده وهو بيحاول يختار كلامه وقال: – بصي النقطة دي هيكون لينا فيها كلام كتير، بس بلاش دلوقت مش وقته، عندك اسئلة ليا؟ مهتمتش للي قاله ولا لأي شيء، كان شخص عادي ولكني مكنتش مرتاحة، حاسه وراه حاجة بيحاول يداريها، وعشان السفرية مكنش قدامها كتير قررت أفضّي دماغي لحد ما اسافر وأرجع، وعشان السفرية تتم كان لازم أقول لبابا أني مبدائيًا موافقة على العريس؛ وبكده تمت السفرية فعلًا!

******** – بس متخيلتش أن المكان هنا خيال بالشكل ده! قولتها أنا وبلِف في المكان، كان التيم بتاعنا نازل في فندق في شرم الشيخ، وأول لما استلمنا مفاتيح الأوض المدير بتاعنا قالنا عندكم دلوقت جولة حرة وهتيجوا نبدأ شغل، كنا بنتمشى في دهب وهو بيفرجني على كل جزء فيها، كانت قطعة من أرض الأحلام زي ما بيقوله! كنت موهومه بالمكان وبيه هو كمان! كان بيحاول يفرحني بأي شكل، وأحنا ماشين وقفنا عند ست عجوزة بتعمل عقد بالأحجار، قرب منها وقالها بصوت مسموع:

– عايزك تعمليلي عقد بحجر يدُل على الأشتياق، ألاقي عندك؟ -ويطلع إيه الحجر ده يا وَلَدي؟ الست العجوزة مكنتش فهماه، ولا أنا! وعشان كده بدأ يشرحلها بكل بساطة: – ده حجر صغير عايزه يتعلق في العقد، عشان لما أدي العقد للمحبوبة كل ما تبُص للعقد تحس إني وحشها، زي ما هي بتكون وحشاني دايمًا يا ست! فهمِت وضحكت وهي بتبصلي! هما يقصدوا إيه دول! وهي وبتضحك مسكت أحجارها وقالت: – عرفت طلبك يا وَلَدي.

بدات تقلب في الأحجار لحد ما خرجت من وسطهم حجر ازرق لكنه مقسوم نصين وفي أرسبة بسيطة أوي هي اللي ماسكة الطرفين عشان ميتفرقوش! كان حجر غريب ولكنه شكله يجنن! مسكت الحجر وبدأت تصنع العقد وهي بتقول: – الحجر ده للُقا الأحبه الصعاب يا وَالَدي، اللتنين مشتاقين لبعض ورايدين بعض، لكن الدنيا مش مجمعاهم على خير، وعشان كده دايمًا بيكونوا مُشتقين لبعضهم. خلصت كلامها وهي بتنهي العُقد وبتقدمه ليوسف، ورغم أعجوبة كلامها لكنه قبض قلبي! كلامها لمس حاجة غريبة جوايا، رغم أن يوسف ضحك على كلامها وخد منها العُقد وهو بيقولها:

– بقى بقولك عايزها تفتكرني دايمًا تقوليلي الدنيا عايزة تفرقنا! بقى ده فال تقوليه في وشي برضه! خلص كلامه وهو بيضحك وبيديها الفلوس، لكن هي خدت منه الفلوس وهي بتنفي براسها وبتقول: – كل شيء نصيب ومكتوب. خدنا العُقد منها وودعناها ومشينا، كنت بنتكلم طول الطريق في أي شيء وأي شيء غير اللي حصل عند الست! وأول لما وصلنا عند الفندق، وقبل ما نتفرق وكل واحد يروح على أوضته؛ خرّج العقد من جيبه وهو بيديهولي وبيقولي بابتسامة بسيطة:

– العقد ده عشان تفتكريني بيه. كمل كلامه وهو بيضحك وبيقول: – وبالنسبة لكلام الست فنفسي أنك تنسيه لأنه هدم كل احلامي بجد. ضحكت معاه أنا وبضُم العُقد في كف أيدي وبشكره؛ وفي نفس الوقت كلام الست كان بيتردد في ودني! ******** – حقيقي أنتوا تعبتوا أوي يا شباب الفترة دي، وعشان خلاص هتتحرك بعد الفجر؛ فأنا قولت لازم اكافأكم قبل ما نمشي من هنا؛ وعشان كده عايزكم كلكم تجهزوا الساعة ١١ عشان عندنا حفلة سفاري الليلة هنودع بيها دهب.

كانت ألطف مكافأة بجد، كلنا فرحنا بيها، وكلنا طلعنا على الأوض بسرعة عشان نرتاح شوية عشان نقدر نكمل اليوم، ريحت جسمي شوية وصحيت قبل معاد التحرك بساعة، خرجت فستان كنت وخداه احتياطي معايا لونه موڤ طويل وتلت كم، لبسته وفردت شعري وكملت الأجواء بميكاب هادي، خلصت ولبست الجذمة الكعب بتاعتي اللي كنت جيباها عشان لو لبست الفستان ده! كنت بلبسها وهو كان بيخبط، خلصت اللي في أيدي بسرعة وخرجتله، كان …كان مبهور بيا! أول مرة يشوفني بفستان، وعشان كده مقدرش يسيطر على لسانه لما قال:

– هو أنتِ أزاي بتعرفي تكوني حلوة أوي كده رغم أنك زي الألف في الشغل! ضحكت على كلامه، مشيت جمبه أنا وبقوله بدلال: – أنا كده، وقت الشغل بكون بميت رجل، ووقت الدلع بكون أحسن ledy ! – ده أنتِ هتدوسيهم كلهم يا بنتي!

ضحكت وبدأنا نتحرك مع التيم، نص ساعة وكنا في المكان، مكان رائع وسط الصحرا، خيم، ونار، وأكل بيتشوي، وشاي على الفحم! كانت أجواء تجنن بجد! قعدنا أنا وهو في ركن جمب النار، مسك البراد وسألني على الشاي بتاعي، بدأ يعمله وأنا بدأت اتأمل فيه، أو…أو بمعنى أصح في الأيام اللي بدأت أقرب فيها منه، كنت كل يوم بكتشف فيه حاجة جديدة حلوة، حاجة جديدة بتشدني ليه! شعور غريب لكنه مرعب ولذيذ! خرجت من كل الأفكار دي على صوته وأيده الممدودة وهو بيقولي:

– بتفكر في إيه يا جميل؟ – فيك. قولتها بتلقائية لدرجة أني مخدتش بالي غير لما لقيته بيضحك عليا! ده..ده اتكسف مني! أروح فين أنا دلوقت؟ أقوم أجري؟ وقبل ما أنفذ الفكرة وأجري بجد لقيته هو بيقولي: – يعني بتفكري فيا زي ما بفكر فيكِ يا نور؟ – إيه؟ حضـ,ـن كوباية الشاي وابتسم، كان مركز في عيوني وساكت، لحد ما خدت نَفَس في لحظة ظهور القمر وقال: – أصل أنا كمان بفكر فيكِ، من يوم ما بدأت أقرب منك وأنا..وأنا تفكيري كله فيكِ…أنا معجب بيكِ يا نور وحابب يكون في بنا حاجة تربطنا ببعض.

انت في الصفحة 2 من 5 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى