تنحنحت زينة محاولة اجلاء صوتها قائلة بصوت هامس متحشرج
= رائف بيه كان عاوزنى فى مكتبه
اتسعت عينى شاهى تسألها بصدمة
= عوزك انتى!
هزت زينة راسها بالايجاب
لتهمس شاهى بتعجب
= هو ايه حكايته بالظبط ؟
الاول يطلب ملفها ودلوقت يقابلها
ثم نهضت من مكانها تتقدم الى باب اخر مغلق لتضع يدها عليه وقبل ان تفتحه التفتت الى زينة قائلا باحتقار
=خليكى عندك واياكى تمدى ايدك على حاجة
وقبل ان تهم زينة بالرد عليها بما يليق بها فتحت الباب تدلف الى الداخل مغلقة اياه خلفها لتهتف زينة
= يا ساتر مشغل عقربة معاه عليها لسان عاوز …ولا بلاش
وقفت مكانها تنظر الى الباب المغلق امامها تشعر بالتوتر وبالعرق البارد يغرق جسدها من اثر خوفها ورهبة الانتظار ولكن لم تمضى ثوانى حتى خرجت اليها تلك العقربة مرة اخرى تشير اليها بالدخول وعينيها توضح
رايها فى هذا اللقاء لتبتسم لها زينة بطرف شفتيها ضحكة مصطنعة وهى تتجاوزها الى الباب وماان خطت الى الداخل حتى وصلت الى انفها رائحة عطره تملأ المكان فقاومت اغلاق عينيها استمتاعا بها تنهر نفسها تتذكرها بسبب حضورها وهى تتقدم بخطوات مترددة بطيئة تسمع صوت الباب تغلقه خلفها تلك العقربة لتبتلع ريقها رعبا ورهبة فقد اصبحت وحيدة معه داخل تلك الغرفة والتى تنطق بالفخامة والرقى تراه يجلس خلف مكتبه يرتدى قميصا اسود رافعا كميه حتى المنتصف كاشفا عن ساعدين قويين يمسك بقلم بين اصابعه يكتب به فوق عدة اوراق امامه متجاهلا اياها تماما
فظلت واقفة مكانها لدقائق تنقل بثقلها من قدم
الى اخرى بتوتر حتى قررت ان تنبه الى وجودها فتنحنحت بقوة تنظر اليه فلا تجد اى ردة فعل منه تدل على انتباهه لها لتفعلها مرة اخرى ولكن تلك المرة بصوت اقوى واقرب الى الصراخ ليوقفها صوته الاجش الهادىء قائلا دون ان ينظر باتجاهها
= سمعتك على فكرة ومن اول مرة فبلاش دوشة واقفى ساكتة
اشتعلت عينيها بغضب من كلماته الفظة تلك وتجاهله لها حتى كادت ان تلقى عليه ردا لاذعا يليق به ثم تغادر المكان مرفوعة الرأس ولكن ما ان فتحت فمها لتفعلها حتى رفع اليها رأسه فجاءة ينظر اليها بحدة كما لو كان ادرك ما تنتويه لتقف مكانها
متسمرة فمها مفتوح متسعة العينين برهبة تراه يشير اليها بسبابته حتى تقترب منه فاشارت الى صدرها بيدها تسأله بعينيها ايعنيها هى باشارته تلك فترك القلم من يديه يكتف ساعديه فوق صدره يسألها بهدوء
= شايفة حد غيرك هنا موجود ؟
تلفتت تنظر حولها حتى تتاكد قبل ان تهز رأسها بالنفى لترى زواية فمه ترتفع كما لو كان يقاوم الابتسام يحدثها برقة
= طيب يبقى انتى .تعالى اقعدى
تقدمت ببطء تجلس فوق احد المقاعد امامه تخفض راسها وهى تفرك قبضتها بقوة وعصبية فى انتظار حديثه لها
جلس رائف يريح ظهره فوق مقعده مراقبا لها تجلس بتوتر فوق مقعدها منحنية الراس لتسقط خصلات شعرها امامها تنعكس اشعة الشمس الاتية من النافذة فوقه ليصبح كالذهب الخالص فى بريقه يتدلى حاجبا وجهها عن عينيه
ظل يراقبها وهى تقوم بازاحته خلف اذنيها لكنه يعود بتمرد الى وضعه السابق رافضا الخضوع لها بينما
جلس هو يراقبها مستمتعا حتى انتبه على نفسه ليعتدل فورا فى جلسته يتنحنح يجلى صوته قائلا بحدة لم يقصدها
= شوفى يا زينة .اسمك زينة صح؟
رفعت زينة راسها تزيح خصلاتها خلف اذنيها تجيبه
= ايوه يا فندم زينة حسين السعدنى
رائف بهدوء وجدية
= تمام .شوفى انتى من بكرة هتتنقلى قسم الارشيف ومكتب الاستقبال ممنوع تقربى منه تانى مفهوم
اتسعت عينى زينة بسعادة تهتف
= يعنى مش هتتطردنى
زفر رائف بحدة قائلا
= اظن ان كلامى واضح ومفهوم بقول هتتنقلى مش هت….
هتفت زينة بفرحة مقاطعة حديثه
= وانا موافقة على اى حاجة حضرتك تقررها
رائف بنفاذ صبر
= وانا مش مستنى موافقتك اوامرى تتنفذ ولو مش عجبك تقدرى تمشى حالا
هتفت زينة سريعا
= لا لا حضرتك كل اوامرك هتتنفذ
لتكمل هامسة باستسلام
= ارشيف ارشيف اهو احسن من مفيش
انتبه رائف لهمسها يسألها
= بتقولى حاجة؟
اجابته زينة بتوتر
= لا مفيش حضرتك ومن بكرة ان شاء الله اوامرك هتتنفذ
امسك رائف بالقلم مرة اخرى يرجع بانتباهه للأوراق امامه مرة اخرى فى اشارة منه لها بالانصراف قائلا بلا اهتمام
= بكرة تروحى قسم الارشيف وهما عندهم علم بأوامرى
نهضت زينة من مقعدها تهم بالانصراف وما ان خطت خطوتين باتجاه الباب حتى استوقفها صوته مناديا لها فلتفتت اليه بتساؤل ليقول رائف بنبرة محذرة
= لو اللى حصل امبارح اتكرر تانى مش هيكون عندى وقتها غير تصرف واحد واظن انك عرفاه
هزت زينة راسها بالايجاب ليرفع يده يشير اليها بالانصراف فاتسرع بالمغادرة بخطوات
سريعة متوترة تحمد الله لمرور الامر على خير لا تعلم ما تخبئه لها الايام بعد هذا اللقاء
مرت بها الايام تستمر فى عملها فى قسم الارشيف نعم هو ليس عملا ممتعا كعملها السابق فى الاستقبال ولكنه يفى بالغرض فما يهم انه سوف يكون لديها مرتب تستطيع منه سداد الايحار المتراكم عليها فصاحب المنزل قام باعطاءها انزار اخير حتى اخر هذا الشهر لتستطيع السداد له لذلك هى تتحمل ان تعمل بهذا العمل الممل وتتحمل سماجة العاملين معها فى نفس القسم ترى استخفافهم بها وطريقتهم الساخرة معها بعد علمهم عن كيفية عملها فى هذا القسم فلا يخفى على احد كيف جاء عملها هنا تزامنا مع ماحدث امام مكتب الاستقبال وتعنيف مالك الشركة لها فى هذا اليوم ولذلك الموظف المسكين لتصبح
الان مادة للهمز و اللمز بعد نفيها هنا
ظلت تخفض راسها تشعر بدموعها تكاد تتساقط من عينيها وهى تستمع الى الحوار الدائرة بين الفتاتين العاملات معها كما هى العادة يوميا لكنها اليوم لا تشعر بقدرتها على تحمل سخريتهم بعد الان حين قالت احدهم بلؤم
= كويس اننا لما اتعينا جينا نشتغل فى مكاننا على طول مش زاى ناس اتحطت هنا علشان بتشاغل اللى رايح والجاى ووقت الجد يسيبوا غيرهم غير هو اللى تخصم له ويشيل الليلة
الفتاة الاخرى بوقاحة
= ومين قالك هيبطلوا عادتهم اللى فيه داء عمره ما يبطله ولا مش ملاحظة الداخلين و خارجين واللى رجليهم كترت على مكان من بعد ماكان زاى الصحرا ولا حد كان حاسس بينا
هناولم تستطع زينة تحمل كلماتهم ذات المعنى البغيض وما يقصدونه بها لتسرع فى المغادرة تاركة كل شيئ بيدها تسمع ضحكتهم الساخرة تدوى من خلفها
فاخذت تجرى فى الممر المؤدى الى بهو الاستقبال فى اتجاه باب الخروج نهائيا من الشركة تعميها دموع عن رؤية اى شيئ حتى ذلك الواقف فى منتصف بهو الاستقبال يتحدث الى احد الاشخاص ليتوقف عن الحديث هو يضيق ما بين عينيه يتابع خروجها بهذا
الحال خارج الشركة
ذهبت زينة بخطوات متعثرة ناحية احدى مقاعد لاستراحة داخل حديقة الشركة الصغيرة تسمح لدموعها اخيرا بالسقوط فاخذت تبكى وتبكى تخرج من داخلها كل ما تكبدته طوال تلك الايام من همز ومز لاتعلم فيما اخطأت حتى يظنوا بها هذا الظن وهل هذا هو رأى كل العاملين معها فى الشركة ايظنونها حقا انها تتعمد التساهل فى المعاملة بينها وبين زملائها من الرجال هل يعتقدونها فتاة سهلة تسعى لايقاع بيهم بين حبائلها
فجاء اتسعت عينيها بصدمة ورعب حين جال فى ذهنها خاطر اخر جعلها تشعر بالغثيان يموج بداخلها
ايعقل ان يكون هذا هو رأيه هو الاخر لذلك قام
بنفيها فى ذلك القسم بعيدا عن اعين العاملين بالشركة خوفا منها ومن اخلاقها عليهم
عند هذه الفكرة شعرت بالبرد يزحف الى داخل جسدها ينخر فى عظامها فتضم نفسها بقوة بين ذراعيها تحنى رأسها بألم ودموعها تتساقط دون محاولة منها لايقافها فتظل على حالها هذا غافلة عن كل شيئ حولها حتى تلك الاقدام التى اخذت بالاقتراب منها بهدوء وبطء حتى توقف صاحبها امامها تماما يسألها بصوت قوى
= سيبه شغلك وقاعدة عندك هنا بتعملى ايه
يا زينة
الفصل الثالث
ماان سمعت صوته القوى يهز المكان من حولها حتى نهضت واقفة فوق قدميها بسرعة ناسية تماما شكلها المشعث بانفها المحمر وعينيها المتورمة من اثر بكاءها تتحدث بتلعثم وارتباك
= ابدا… يا رائف بيه … انا….
اصل ….جالى شوية صداع قلت اخرج اشم هوا
اقترب منها رائف اكثر حتى اصبح لايفصله عنها سوى انشا واحدا تجول عينيه فوق وجهها ببطء وتركيز تصاعد معه ارتباكها من نظراته المتفحصة هذه فاخفضت راسها سريعا تنظر الى الارض يسود الصمت الشديد عدة لحظات كانت دقات قلبها المتسارعة هى المسموعة فيه لتتعالى اكثر حتى كادت ان تصم اذانها حين تحدث ببرود قائلا
= تعالى ورايا على مكتبى حالا
رفعت راسها اليه متسعة العينين بصدمة وخوف ناظرة اليه تحاول فهم وسؤاله لماذا لكنه كان قد غادر المكان بخطوات سريعة واثقة بينما وقفت هى تراقبه بتوجس دون ان تتحرك من مكانها
خطوة واحدة ليلتفت اليها هاتفا بقوة وحدة
= واقفة عندك ليه قلت ورايا على المكتب
افاقت على نفسها من صدمتها الشديدة تتبعه بخطوات متعثرة حتى دخلا البهو الخاص بالشركة فاتجهت انظار جميع الواقفين اليهم باهتمام وفضول حتى توقفا امام المصعد المخصص لكبار المسئولين يدلف اليه رائف بسلاسة بينما وقفت زينة بارتباك تتنقل بصرها بينه وبين المصعد الاخر الخاص بالعاملين لا تعلم كيفية التصرف حتى تقدم هو الى الخارج مرة اخرى يجذبها من يدها بقوة يدخل بها الى المصعد مرة اخرى متجاهلا تماما شهقتها المصدومة وبعض الشهقات الاخرى الصادرة من الجمع المتفرج
تمت رحلة الصعود بصمت وقف هو خلالها
ينظر اليها نظرات ثاقبة يتمهل بها فوق وجهها والذى اخذ بالاحمرار بشدة فاخفضته تهرب من تفحصه لها تتمنى الخروج الى مكان فسيح فوقفهم متقارين هكذا تكاد ان تلتصق بها جعلت من ض*ربات قلبها تتعالى بعنف وسرعة تدعو فى سرها ان تنهى محنتها هذا
لتأتى الاستجابة سريعة حين توقف المصعد بهم فاخذ يدها مرة اخرى يجرها خلفه باتجاه مكتبه تحت انظار شاهى المصدومة وهو يهتف بها
= أجلى اى حاجة دلوقت ومدخليش حد علينا نهائى
ثم فتح باب مكتبه يدلف الى الداخل وهو مازال يجذبها من يدها خلفه حتى توقف بها فى منتصف مكتبه يلتفت ناظرا لها عدة لحظات
وهى تقف امامه تحاول التقاط انفاسها بصعوبة لياتى سؤاله لها رقيقا دون ان يقصده بهذه الطريقة
= كنتى بتعيطى ليه بقى فهمينى
تلعثمت زينة تشعر بلسانها ثقيل وعقلها فارغا من كل الافكار الممكن اخباره اياها دون ان تضطر ان تعلمه السبب الحقيقى لبكاءها
=انا منتكش بعيط….اااا….انا اتخنقت من جو…ااااالمكتب فقلت ..يعنى ..اخرج اشم هو..
هدر صوته عاليا ينادي باسمها محذرالتجفل برعب من صراخه عليها
= زييينة انا سالتك سؤال وعاوز اجابة عليه وانا مابحبش اكرر كلامى تانى واظن انك عارفة ده كويس
حاولت زينة ابتلاع لعابها لكنها شعرت به جاف
لاتستطيع الحديث فكيف لها ان تخبره بكل مادار .
كيف تخبره ما تفوهت به تلك العقربتين فى حقها طوال عملها معهم اليس من الممكن ان يكون هذا رائه هو الاخر بها فتأكده له ان اخبرته بما حدث ورائ الاخرين بها
افاقت من دوامة افكار ها وهى تراه يترك مكانه متجها الى مكتبه جالسا فوق مقعده براحة يستند الى ظهره يراقبها باهتمام قبل ان يتحدث قائلا ببرود ولا مبالاة
= خلاص براحتك يا زينة اتفضلى على شغلك وانا بقى هعرف بطريقتى
وقفت مكانها مترددة لا تعلم كيفية التصرف لتهمس بتردد
= صدقنى يا رائف بيه مفيش حاجة حصلت
انا كنت بس …
صممت ما ان
راته يمسك بسامعة الهاتف وهو مازال ينظر اليها بنظراته الثاقبة يتحدث بحزم الى الجهة المقابلة
= كل اللى شغال فى قسم الارشيف يكونوا ادامى حالا
اسرعت زينة تهتف برعب فور سماعها لحديثه
= لااااا .لااا ارجوك كفاية اللى بتقال عليا..
وضعت زينة يديها فوق فمها بصدمة بعد ادراكها ما تفوهت به تهز راسها تنفى ماقيل فى محاولة بائسة منها للاصلاح لكنه لم يعيرها ادنى اهتمام وهو يضع سماعة الهاتف مرة اخرى بعد الغاء امره السابق ينهض مرة اخرى من مقعده متجها اليها عينيه لا تفارقها حتى توقف امامها عدة ثوانى تتابع عينيه ردة فعلها المرتعبة وملامحها الشاحبة ليمسك بكفها بين يديه يسير بها فى اتجاه اريكة موضوعة فى الجانب يجلسها فوقها بينما جلس هو فى مقعد مقابل لها ينحنى الى الامام يستند بمرفقيه فوق ركبته سائلا لها بهدوء
= كلام ايه يا زينة اللى بتقال عنك ومين اللى بيقوله ولاخر
مرة هسالك بعدها متلوميش غير نفسك لما اجيب القسم كله هنا ويتعمل تحقيق رسمى فى الوضوع
رفعت اليها وجهها ببطء تنظر اليه برعب بعد ان كانت تجلس منحية الراس تستمع الى حديثه حتى لاحظت نبرة التحذير و التهديد فى جملته الاخيرة تهمس بتلعثم ورعب
= ارجوك حضرتك انا هقولك كل حاجة بس بلاش موضوع التحقيق ده
تراجع رائف الى خلف فى مقعده قائلا بحزم هادئ
= موافق يا زينةاتكلمى