– اتفضلي..
– انت امبارح بليل سمعت صوت صريخ؟؟
-قال وهو يفكر بذهول: فين؟؟؟هنا
– ايوة….صريخ كبير وبعيدها شفت عمي ومرته من خرم الباب متوترين .
– طب ما طلعتيش ليه تشوفي مين الي بيصرخ عشان انا ما سمعتش حاجة
– حاولت بس كان حد من برة قافل عليي الباب…
– ضحك بإستهزاء وقال: انتي بتهزري…او بيتهيألك او حاجة…اه…ممكن يكون حلم مثلاً…
-قلت بإصرار: انا متأكدة ان ده الي حصل..
-بس اساسا بابا جيه الصبح من امبارح بايت في العزبة بيحضر فرح وفضلت حتى ماما واختى هناك …يعني الي بتقولي عليه ده ما حصلش وبتقولي شفتيهم..ومدحدت خرج يسهر مع صحابو….يعني ما فيش حد..غير انا وانتي هنا امبارح في الوقت الي بتقولي عليه…انا شربت فنجان الشي بتاعي في قودتي ونمت….
– مش يمكن جم وانت في قودتك ما شفتهمش….
– مش عارف بس ما اعتقدش….
قطع كلامنا مدحت …..وتقدم وجلس نحوي ملاصقاً…
-ايه يا لوزة واخيرا ظهرتي على الشاشة….ازيك وايه الاكياس دي…جايبة بقالة..
-وقفت قائلة: عن اذنك عاوزة اطلع قودتي..
-منتي كنتي كويسة…حصلك ايه…ولا عمر نتكلم معاه بس وانها العفريت الي نهرب منه. لم ارد عليه بل صعدت الى غرفتي وكاد رأسي ان ينفجر… …………………………
مرت الايام بعدها طبيعية جدا…لا جديد…ابقى لساعات وحدي في غرفتي اطالع الكتب التي اشتريتها…يعجبني جدا باولو كويلو…لديه نظرة للامور ابعد ممنا نعيش…يجعل الواقع بسيطاً وواقعياً….كنت اشعر انني بحاجة الى هذه الاجواء المفعمة بالتفاؤل والامل ولم اتنشقها الا من القراءة…سلوتي في هذه الايام المريرة التي اعيشها….
كنت ارى عمي قليلا واتجنب الحديث معه….واتحمل كلام مدحت واتهرب منه وهو يصر على دعوتي للعشاء في الخارج….وزوجة عمي اراها بين الحين والاخر وهي لا تحب اساسا الحديث معي ….اما هناء فهي الوحيدة التي ام اكن اراها منذ اخر مرة جلسنا انا وهي في الصالة…اسأل عنها يقولون لي انها في العزبة…ولم تعد…
خرجت خلالها مرتين….اشتريت بعض الامور اصطحبني العم حسين…ولم الاحظ اي شيىء غريب بعدها…. عمر………اراقبه دائما من بعيد….دون ان ينتبه الي…قلبي يطرق بشدة عندما اراه…لا اعلم لماذا..احب الحزن الذي يعتريه….اشعر انه الشيىء الوحيد المشترك بيني وبينه….كنت ابقى لساعات اراقبه من الشرفة وهو يشرب قهوته الصباحية في الحديقة….كنت اتمنى ان انزل واحتسيها معه…لكن كنت اخاف من صده لي…فكلامه معي كان دائما قليلا ومقتضباً….كان يحب القراءة مثلي….لمحته مرة يقرأ لنجيب محفوظ….ولكن الكتاب سقط منه في المسبح عن دون قصد وابتل بالماء….شعرت بأنه تضايق,,,,لعله كان يحب هذا الكتاب….
استغليت فرصة ذهابي الى المكتبة وجلبته معي….واتجهت نحوه …..
– ازيك يا عمر..
-اهلا رويدا اخبارك ايه…
– انا المرة الي فاتت شفتك هنا…ولقيت الكتاب وقع منك واتبل,….فانا جية من المكتبة بجيب شوية كتب…جبتهولك معايىة…
– لأول مرة يبتسم في وجهي واشعر بالفرح في عينيه لا اعلم هل سبب ذلك لأنني اهتممت به او لأنه حقا يريد الكتاب وقال: شكرا ليكي ….عذبتي نفسك ليه..
– مش مشكلة…انا بردو بحب القراية وبعرف قيمة الكتب كويس….(ابتسمت)
– ارتبك وقال: بتقري لمين..
– بحب زيك نجيب محفوظ…..ويوسف السباعي…بقرا كتير لباولو كويلو..نزار قباني بحب شعره هو ومحود درويش….يعني…
– تقيربا زيي….انا بميل بردو للروايات الاجنبية زي شكسبير,,,وبقرا لفولتير …
– للاسف انا لغتي ضعيفة شوي عشان كنت في مدرسة حكومي بس كنت اتمنى اني اقرالهم حاجة..
– انتي اتعلمتي لا سنة؟
-ثانويىة العامة وبس…بابا الله يرحمه كان معترض اكمل جامعة…
ساد الصمت للحظات بيني وبينه ثم تابعت قائلة..
-وانت اتعلمت ايه؟؟
– انا محامي….كنت ماسك كل شركات بابا….بس دلوقتي…وضعي يعني …
– قلت: كانت حـ,ـادثة؟؟
– ادار وجهه وقد تغيرت ملامحه: ما حبش الكلام في الموضوع ارجوكي…
-قلت بحزن: انا اسفة…عن اذنك..
عدت الى غرفتي …..
شعرت بشيىء غريب………
شعور لم اشعر به في حياتي……
شيىء ما جعلني اتعلق بهذا المنزل الغريب…لا اعلم مصدره… وحدها النجوم كنت اتحدث معها وانا راقدة في سريري…..هناك حلقة غامضة في كل ما حدث لي …كان لا بد ان تكشف…..منذ وفــ,,ـاة والدي …الى مجيئي الى هذا المنزل….الى ما حدث مؤخراً…
الى ان وصلتني في يوم رسالة بالبريد……
– انسة ميرفت…جتلك الرسالة دي بالبريد عليها اسمك
-فتحت الظرف وانا لا اعلم مصدرها وليس عليها اسم لم اجد فيها سوى صورة….
صورة ابي….والى جانبه امرأة شعرها اسود طويل ووجها جميل …تحمل طفلة رضيعة ….
خلف الصورة كتب( رأفت رشدان وايمان وابنتهما رويدا …..1992) امي؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ؟؟؟!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!! الفصل الرابع لم أكن اعرف شكلها….
والدي اخفى صورها جمعيها….لم يكن يتحدث عنها…لم يكن يريد ان اراها….لا اعلم سوى اسمها…(منى سيلمان)….من بطاقة الهوية الخاصة بي…فقط لا غير…لا اعرف عائلتها ولا احد…لا أحد…
كم نظرت في وجوه النساء في الطرقات….علها تكون واحدة منهن….علي لمحتها في يوم من الايام حتى لو لم تعرفني….ولكن كنت كمن يبحث عن روح فقدها وسط مقــ,,ـبرة جماعية… ما تراها الأن تفعل؟؟
هل هي على قيد الحياة ام ….؟؟؟
هل تزوجت….هل لديها ابناء؟؟؟
هل هي قريبة مني….تسكن في نفس البلد الذي اسكن فيه ام لا…..
الشيىء الوحيد الأن الذي بت اعرفه..هو شكلها….لديها نفس لون عيوني العسلية…والشعر الاسود الطويل…وسمرة الوجه…
اين انت يا امي؟؟
لماذ تركتني وانا طفلة؟؟؟
لماذا نكرك ابي لهذه الدرجة؟؟؟ما الذنب الذي اقترفته ليتخلى حتى عن ذكرك او الحنين اليك؟؟؟
ماذا فعل هو لتتركيني وحيدة ولم تسألي عني في يوم مهما حاول هو ابعادك…. ولكن…هناك نقطة ضوء….الذي ارسل الصورة الي يعرف حتماً طريقك….يريد ان يعلمني بوجودك…يريدني ان ابحث عنك….وانا سأبحث عنك…سأبدأ من الصفر…لم يعد لدي شيىء اخسره او اخاف عليه….علي اجدك….
نزلت الدموع من عيوني حــ,,ـرقة وشوقاً…..الى ان دخلت ابنة عمي هنا التي لم اراها منذ فترة في المنزل…وجهها شاحب جدا….وعلى عيونها علامات المرض…
– هنا…انتي فين..بقالي كم يوم ما شفتكيش..
– قالت بتلعثم: كنت تعبانة….فضلت في العزبة…
– مالك ؟..انتي عيانة.؟؟
-اه اصلي شوية يعني….بس الحمدالله بتحسن…واخدة دور برد جامد..
-سلامتك الف سلامة…
-جيت بس اطلب منك طلب..لو سمحتي..
-اتفضلي..
– بس يبقى سر بيني وبينك ولا بابا ولا حد يعرف في,,
– قلت بحماس: قولي تحت امرك…
– الظرف ده عاوزاكي تاخدي للعنوان ده…وهما حيدوكي حاجة تجبيها وتيجي فورا…..
-قلت بخوف وتردد…: في ايه ده..
– انتي حتساعديني ارجوكي(بدأت بالبكاء) ارجوكي….ماليش غيرك هنا بجد..
-قلت عندها فوراً:: خلاص ماشي….حروح حالاً…..العم حسين يوصلني
– قالت بغضــ,,ـب: لق اوعي…تاكسي..مش عاوزة حد يعرف انتي رحتي فين
-هززت رأسي..وامسكت يدها وقلت: ماشي…..
………………………………. لبست معطفي…وامسكت المظلة….وذهبت الى العنوان الذي أعطتني اياه…..تسللت كي لا يراني احد…زخرجت من البوابة الخلفية…..كنت بحاجة الى السير لوحدي…من دون سيارات ومن دون العم حسين ومن دون ان ارى او ان اتحدث مع احد…فقط مع نفسي..وانا ومظلتي والمطر..كنت شاردة…شعرت انني وحيدة…لم افكر في هناء ولا في الذي الذي اعطتني اياه ولا بما تريده مني….فقط في نفسي..في وضعي..وفي امي…وفي ما يحدث لي…..كنت اعشــ,,ـق المطر..ابكي لوحدي…فتختلط دموعي به ولا يعلم احد بها…مشيت ومشيت لساعة تقريباً…الى ان وصلت…كان الشارع من الطبقة الراقية جداً….اتجهت الى المبنى المقصود والى الطابق السادس… الشقة رقم 12…
رننت الجرس….فتح لي الباب شاب….(كان في الداخل صوت موسيقى صاخب جداً).نظر الي وقال بإستغراب….
– نعم…؟؟؟؟؟
-في واحدة اسمها هنا بعتالك الظرف ده اخذه من يدي وفتحه وراء الباب…..لم اعلم ما رأه داخله….وانا اساسا لم افتحه….
اقفل الباب في وجهي قائلاً..استني هنا…
ثم عاد الي بعد دقائق وفي يده ظرف اكبر ومقفول…..اعطاني اياه واقفل الباب بسرعة….
اخذته عائدة……كان الليل قد رمى غطائه على الارجاء….لم اخف….رغم انني لوحدي…من ماذا اخاف؟؟
فأي مكان حتى الشارع اشعر فيه باالأمان اكثر من بيت عمي الذي اعيش فيه…..
شعرت ان المياه ملأت معطفي…..وشعري….ففتحت المظلة….ومشت تحتها…..الى ان هبت ريح قوية…ا…عتها من يدي…ركضت لألحق بها….لكنها جاءت على زجاج سيارة اجرة…أعمت من يقودها فوقف فجأة وصدمني قليلاً….. وقعت على الارض…ووقع ما احمله في يدي على الارض وابتل….. خرج من السيارة شاباً واتجه نحوي برعب وهو يقول كالمجنون…
-انا مش قصدي…حصلك حاجة حصلك حاجة….
وقفت على قدمي بسرعة وقد ملأء الوحل جسدي وثيابي….نظرت اليه وهززت برأسي.. -كويسة…ما حصلش حاجة بس اصل الشمسية وقعت مني…
– وضع قلبه على يده قائلاً: الحمد الله….(ثم نظر الي)..بس انتي وقعتي…وضعك صعب…اوصلك لو سمحتي..
-قلت له وانا امسك بقدمي التي بدأت تؤلمني: رجلي بتوجعني….بس في حاجة وقعت مني استنى اجيبها..
اتجهت الى الظرف الذي وقع مني وابتل….لكني لم استطع انتشاله….فلقد افسد بالكامل…اخرجت ما بداخله كان كيساً في داخله مادة بيضاء…تنفست بقوة …وشعرت في داخلي بخوف كبير….وصدمة…وذهول…بقيت منحية الظهر لا استطيع ان ارفع رأسي…والشاب ينتظرني واقفاً وينظر الي ايضاً وهو يرى ما احمله في يدي…الى ان سققط من يدي هو الاخر وتتطاريت هذه المادة البيضاء على الارض …ومياه الامطار تمتصها وتأخذها معها ….
ابتلعت ريقي….كيف ابرر له ما حصل…وما في يدي…..لكنه التزم الصمت…واتجه نحوي..امسك بيدي وقال لي..
-حساعدك…اتضفلي اوصلك…
لم اجرؤ على الكلام….والمشهد الاخير يرمي بظلاله عليي….وعلى السائق…
– قال: تحبي اوصلك فين واكررلك اسفي بجد…هي رجلك كويسة..
– هززت رأسي ايجابا وقلت له: شارع الجامعة الالمانية…(خلعت معطفي الذب امتلأ بالوحول والمياه ووضعته بجانبي)
– ضحك وقال عندها: هو انتي الي كنتي جايباه ده والي وقع منك …بتجيبي منين؟؟
– قلت برعب: قصدك ايه؟؟؟
– لا بس يعني مش باين عليكي بتاعت الحجات دي….وهو اساسا الحجات دي بتتباع من المكان الي كنتي فيه…ده مزاج الناس بقا عالي اوي هناك….
– لق انت مجنون بجد…نزلني هنا فورا…
– ايه مالك…اتعصبتي ليه…محسوبك محمود…وانا كنت بسألك وبس..وطمني مش حجيب سير …صحيح انا سواق تاكس بس بردك جدع….مش بس الاكابر هما الي جدعان…..
– وضعت يدي على وجهي وبدأت بالبكاء بشكل هستيري: لق…لق.. مش انا والله مش انا…ربنا يسامحك يا هنا…..
-قال بخوف: بتعيطي يا انسة…والله ما كنش قصدي اضايقك…هو بس انا استغربت..شكلك مش بنت مــ,,ـدمنة …يعني بجد…
-قالت والدموع تنهمر من وجهي: مش انا…والله مش انا….انا تعبانة بجد..اعمل ايه ياربي,…اروح فين…
– اوقف سيارته جانباً ونزل واشترى لي من محال صغير زجاجة ماء واتى الي قائلاً: انا اسف والله..اشربي واهدي ….ارجوكي… شربت الماء واستغفرت الله وهدأت…وقلت…