– بت ياحنة رمضان خلاص قرب، فاضله يومين ويهل هلاله..عايزاكي تمسكي الشقة تنضفيها وتخليها قشطة وبتلمع.. اغسلي الحيطان وفرش الأرض، والستاير والهدوم.. واوعي تنسي عشة الطيور اللي فوق نضفيها وافرشي حبة نشارة جديدة .. والسلم عايز دعك بفرشة البلاط.. انا خلاص يابنتي مابقيتش قادرة ولا عندي جهد عشان اعمل معاكي. يدوب بخلص لفة كل يوم على الزباين وابيع اللي فيه النصيب من الطيور وبرجع هلكانة، بس انتي الله يحميكي لسه صغيرة وشباب..!
وواصلت بحنان: خلاص يابت ده أخر رمضان هتكوني فيه وسطينا.. هتبقي ست وليكي بيت لوحدك.. بس ندر عليا أول جوازك وأول حمل.. هدلعك واخدمك برموش عنية.. وانا هبقى في ديك الساعة اما بنتي وأول فرحتي تكون أم وليها بيت وعيشة وراجل..! ربنا يسعدك يا قلب امك مع الواد ناصر.. المحروس حبيب القلب الفقري! بس خليه يشد حيله.. أخره سنة ويكون جاهز زي ما اتفق مع ابوكي! ارتخى جسدها بإعياء لتسقط فوق الأريكة العتيقة. خلفها بعد مغادرة والدتها..وكلماتها زادت من حزنها وندمها ..!
لما انزلقت معه لبئر الرغبة، وتركته يسرق فرحتها وفرحة والديها حين تغدو في بيته عروس.. بكر رشيد.. تتنعم باهتمام والدتها كما قالت.. وبشغفه وهو يقترب للمرة الأولى.. تمارس دلال العروس المتعبة بأول زواجها.. تستقبل نصائح والدتها بخجل.. لكن كل هذا وأكثر ضاع منها.. أصبحت بكارثة.. وزواجهما أضحى أمرًا مطلوب إنجازه بأسرع وقت ممكن! من يشعر بها الآن وهي تعاني أعراض الحمل والغثيان وآلام البطن وكثرة النوم والهزلان.. وبدلًا من ان تنول راحة ودلال ورعاية.. هاهي مطالبة بإنجاز الكثير من شغل المنزل عاجزة حتى عن الشكوى او التذمر..!
أراد أن يسعدها بشيىء بسيط.. لأنهم على مشارف قدوم شهر كريم ..فابتاع لها فانوس رمضان الملون بحجم كبير ويعلم انه سيروقها وتدخره ليُعلق في منزلهما كما تفعل بكل شيء ذو قيمة..وتحتفظ بيه من ضمن أشيائها البسيطة بجهاز عُرسها..!
كاد أن يطرق الباب.. لكنه رآه منفرجًا..يبدو ان احد الصغار خرج دون أن يوصده.. فولج للداخل وقبل أن يتفوه بكلمة شاهدها وهي جاثية على ركبتيها تدعك الأرض بفرشاه صغيرة وتنظفها بمعالم إعياء وشحوب واضحة.. فانفطر قلبه وتقطع نياطه وهاجت روحه غضبًا لأجلها ومن نفسه.. زوجته التي تحمل طفله الآن.. بدلًا من أن يرعاها ويدللها ويفرح معها هو والجميع.. هاهي تعاني توابع غلطته التي يصبغ عليها دائمًا نكهة شرعية..! اقترب ليرفعها من على الأرض ليوقفها أمامه، فبصر شحوبها وهزلانها اكثر عن قرب.. فغمغم بحزن:
أنا أسف.. سامحيني ياجنة! فجأة وضعت كفها على فمها وشعور الغثيان يهاجمها بضراوة.. فركضت أمامه لتفرغ ما في معدتها بآنات زادت فزعه جنونه عليها.. فذهب ليسندها متمتم: تعالي ارتاحي وانا هساعدك ( وأجلسها فوق مقعد قريب وجثى أمامها يطالعها وكفيه مستقرة فوق ركبتيها) حبيبتي شكلك تعبانة اوي.. لازم تكشفي ياجنة اكيد في علاج وأدوية ومقويات محتاجة تاخديها في الأول! لم. تجيبه وهي تلتقط انفاسها اللاهثة بعد عناء القيء، فمسح على وجهها بحنان ثم نهض وخلع قميصه، فنظرت له بريبة غير مصدقة ما تظنه؟! هل ينوى الآن ما جال بذهنها وسيخلف وعده لها؟؟؟؟
لكنها اتسعت عيناها وهي تشاهده يثني أطراف بنطاله لعدة طبقات ويمسك الفرشاه ويواصل ما كانت تفعله بقوة وسرعة لينجز عملها بدلا منها قبل أن تأتي والدتها وتشاهده.. وبالفعل ظل ينظف تحت أنظارها المذهولة، ثم احتل قلبها شعور السعادة وهي تراه يفعل ما يفعله لأجلها.. دغدغها هذا الإحساس.. وكم تحبه وتريد ان تهنأ معه وتحتمي به من كل شيء.. تنهدت ثم غمغمت: كفاية يا ناصر انا هكمل.. وبعدين لو امي جت شافتك هتهزأني!
هتف بحزم: حتى لو جت مايهمنيش، انا مش غريب وبساعد مراتي..! ( وواصل بسرعة انجاز كل شيء ثم جلس جوارها).. أسمعي ياجنة.. انا لازم اوديكي لدكتورة تشوفك وتكتبلك علاج عشان الغثيان والضعف اللي انتي فيه.. وانا خلاص كلمت ناس اعرفها هتسلفني مبلغ حلو اظبط بيه الدنيا بسرعة واجيب أوضة نوم على قدنا وهطلب من ابوكي نتجوز فورا صاحت بفرحة: بتتكلم. جد ياناصر.. يعني خلاص هتحل المشكلة وتاخدني بيتك.. ثم خفت حماسها وهتفت بخوف: بس ابويا مش هيوافق لأن لسه جهازي مش كامل ده يدوب كان بيبتدي يجيب حاجات هو وامي.. أكيد هيرفضوا..!
هتف بقوة: مش هستسلم لرفضهم.. وهصمم نتجوز في خلال شهر بالكتير.. وان كان على جهازك يكملوا واحنا في بيتنا انا راضي..ثم منحها نظرة اكثر أمان: المهم انتي متخافيش قريب جدا هتتحل مشكلتنا..! هزت رأسها وهمت بالحديث، فهاجمتها نوبة. غثيان أخرى لتهرول أمامه ويسمع ثانيًا صوت آنينها وقامتها الهزيلة منحنية تفرغ ما بها.. فساعدها بغسل وجهها وتجفيفه ثم أرقدها على فراشها محذرًا :
اسمعي اللي هقوله.. انتي هتنامي دلوقت.. خلاص شغل البيت خلص وامك مش هتقدر تتكلم اما تلاقيكي نايمة..! ثم غادر الغرفة وعاد حاملًا هديته وأردف: جبتلك الفانوس اللي كان نفسك فيه.. كل سنة وانتي طيبة ياحبيبتي..بإذن الله مش هايجي العيد غير واحنا محددين جوزنا..! ابتسمت بسعادة وهي تتخيل فانوسها الجميل يضوى وسط منزلهما.. نعم ستنتهي اهميته بانتهاء الشهر الكريم .. لكنها ستصنع هي طقوسها ومناسكها الخاصة بعد أن تظلل الراحة سقف حياتهما للأبد..وبتلك الابتسامة الحالمة تحت أنظاره المتأملة بصمت، سقطت بغفوتها التي تقاتل لتنالها، فأسدلت جفنيها وارتخى كل جسدها المستغيث لنيل الراحة!
فظل يتأملها بحزن..ثم مال بشفتيه يُقبل جبينها قُبلة أودع بها وعد غير منطوق ان معاناتها لن تدوم طويلًا الفصل الثالث
————
نهضت بعد انتهاء الفحص الطبي، والممرضة تزيل تلك المادة اللزجة عن بطن جنة.. ليصل لسمعها صوت الدكتورة وهي تلقي تعليماتها أمام زوجها:
_ هي في أول الشهر التاني.. الأعراض اللي عندها طبيعية. جدا لأنها في أول شهور الحمل.. بس طبعا هي محتاجة مقويات لأنها ضعيفة. جدا وياريت لو تبعد عن اي ضغط نفسي لأن واضح ان في حاجة مأثرة عليها..وماينفعش تمارس نفس شغل البيت.. لازم راحة تامة.. وتنام دايما على ضهرها..! وأخر حاجة ممنوع تصوم.. حالتها ماتسمحش.. وضروري تنتظم في علاجها..! استمع لها ناصر باهتمام يواري حزن دفين داخله.. كيف الراحة ولا أحد يعرف بحملها ووالدتها تُثقل عليها كثيرا بأعمال البيت دون أن تدري أنها تؤذيها..
لذا ازداد عزمه على اتمام زواجهما بأقرب وقت ممكن!
_____________________
_ مافيش حاجة نفسك فيها ياجنة! هتفت باقتضاب وهي تسير جواره تطالع الطريق حولها: لأ..!
داعب أصابعها بين كفه:كفاية زعل بقى هانت وتتحل.. أنا خلاص هاخد المبلغ اللي طلبته من ناس معرفة عشان اظبط بيه بسرعة أوضة نوم واشطب السباكة والكهربة وبعدها هكلم ابوكي فورا..! تمتمت: طب انت قولت لأهلك اننا هنتجوز أخر الشهر؟
_ لأ.. قلت استنى شوية!
لم. تجيبه.. فصمتا مخيمًا عليهما الضيق والكٱبة، هل ستسير الأمور بتلك السلاسة ويتزوجوا.. لم مازال في جعبة أيامهما القادمة عقبات.. تنهدت وهي تتذكر كيف أصبحت تتجنب رؤية أبويها والخزي يملأها تجاههم.. تشعر بكره لذاتها بعد ما فعلت.. وهاهي تقاسي تبعات جرمها معه.. هي المخطئة الأكبر.. لم تمنعه كما يجب أن يكون شاركته الرغبه.. فحملت الذنب الأكبر.. ولا تعرف أي قربان ستدفع! _ سرحانة في إيه؟ رمقته بصمت ثم أومأت هاتفة: ولا حاجة، فلم تجد ما تقوله.. بعد قليل وصلا أمام منزلها، فودعها:
هسيبك واول ماتصحي الصبح كلميني.. ماشي؟
تمتمت باقتضاب: ماشي..! _ أنا عايز اتجوز ! تركت أم ناصر قطعة القماش القديمة التي كانت تنظف بها النافذة والتفت له متعجبة: تتجوز ازاي، ما انت كاتب كتابك يا واد واما تخلص تجهيز شقتك هتتجوز.. عايز إيه تاني؟! _ الشقة لسه موالها طويل ومش هخلصها حتى في سنتين!
_ ومالوا.. حتى لو سنتين.. هي بنت فاتن هتطير؟ منين ما تخلص ابقى اتجوز..!
فرك مؤخرة رأسه بتوتر : بصي يامه.. بصريح العبارة كده.. أنا عايز مراتي في بيتي، وبعدها هكمل تشطيب الشقة. براحتي!
دبت على صدرها باعتراض غاضب: ننننعممم هو إيه النغمة الجديدة دي يا واد انت.. تتجوز على البلاط؟ ليه يعني.. ماتصبر اما نقبض الجمعيات اللي هنساعدك بيها وانت تشد حيلك في شغلك وتظبط الشقة سباكة ونجارة ونقاشة وعفش ..ده انت عايز جبل فلوس.. امتى هتعمل كل ده؟ انت عايز تفضحنا وسط الحتة؟ هيقولو إيه لو اتجوزت كروتة كده، إيه يجبرنا على كده؟
_ وانا مالي بالناس يامه..
أنا عايز ادخل ع البت واتكن في بيتي واحنا أحرار ندخل في قصر ندخل في عشة مايخصش حد لا مؤاخذة! رمقته بريبة: واد انت.. هتوغوشني ليه، إيه اللي عفرتك كده ع الجواز؟ ده انت لسه عمنول كنت بتقولي مش عارف هتوضب شقتك منين وانك بتفكر تمد المهلة سنتين مع عمك.. إيه اللي جرى وشقلب حالك؟ _ مافيش! وأجاب باقتضاب وتركها هاربا من نظراتها الكاشفة.. فغمغمت وهي تبرم بعض خصلات شعرها:
وحياة مقاصيصي البيضا دي.. الموضوع في إنة.. ومش هيغمضلي جفن إلا أما اجيب أرار الحكاية!.
_________________
أم ناصر: بقولك إيه يا ابو ناصر..كلم الواد ابنك ده عقله! ولاشوف في دماغه إيه بالظبط! _ ليه هو مجنون؟ _ أيوة اتجن! أما يقولي عايز اتجوز دلوقت واحنا في الظروف دي يبقي اتجن يا اخويا.. ده لسه شقته خرابة وعايزة فلوس ياما عشان تنفع تتسكن..! _ بس انا متفق مع اخويا إن الدخلة مش قبل سنة، يكون هو جهز البت واحنا نكون ساعدنا ابننا باللي نقدر عليه، أنا عامله جمعيتين لسه هقبض أولهم بعد 3 شهور!
مصمصت شفتيها بسخرية: ماهو ده اللي قولته ، بس المحروس مش عاجبه ولا قادر على بعد بنت أخوك!
تغاضى عن سخريتها اللازعة والذي اعتادها تجاه ابنة أخيه وتمتم: أنا هكلمه واشوف قصته إيه.. روحي حضري لقمة أحسن بطني فاضية من الصبح! _ ماشي يا اخويا.. ( وصدحت تنادي) بت يا شهد، حطي الطبلية وهاتي حبة مخلل لمون، وتعالي خدي مني اطباق الأكل لابوكي!
شهد مُبرتمة: أنا بذاكر يامه مش فاضية!
صاحت الأخيرة بصوتها الساخر:
حوش حوش المِذاكرة اللي مقطعة بعضها، محسساني هتطلعي داكتورة ولا مهندزة.. ده البت أية اللي سنك بتاكل الكتب وبتعمل مع امها كل حاجة وانتي وهيبقى أخرك دبلون يا مايلة..فزي يابت طلعتي حسي بدال ما اجيلك بالشبشب.
شهد بحنق شديد: حااااااضر.
وراحت تغمغم بضجر:
كل بنات الجيران احسن مني وانا اللي مغضوب عليه،
أمهات أخر زمن
_____________________ _ يعني إيه يا ناصر.. أمك مش موافقة؟ وابويا وامي أكيد هيرفضوا.. دول لسه ماجابوش قشاية في جهازي.. هنعمل أيه؟
وضع رأسه بين راحتيه ببؤس:
مش عارف انا خلاص مخي وقف.. أمي وابويا رافضين، ومحدش هيقدر يساعدني، وامي شكلها شاكة في حاجة!
جنة بفزع وهي تدب على صدرها:
يانصيبتي؟! أمك لو عرفت هتفضحني ياناصر.. هي مابتحبنيش وهتتلكك عشان تخليك تسيبني!
رمقها بحنق: وانا جردل يابت انتي ولا عيل بشورت عشان انفذ كلام امي.. أنا راجل وهمشي بدماغي ومحدش له حاجة عندي!
انهارت والهواجس تشتعل برأسها:
انا مش عايزة فضايح ولا مشاكل لامي وابويا.. ابوس ايدك اقنع امك واوعي تعرف حاجة دي ماهتصدق عشان تقهر امي وتضايقها بالكلام وانت عارف انها ولا بتحبني ولا بتقبلها!ك، لازم تتصرف ياناصر، انا خلاص ولا بقيت عارفة انام ولا اكل ولا اشرب.. بخاف اقعد مع حد يلاحظ عليا حاجة، والحمل اعراضه بتبان! ثم راحت تندب بصوت تخنقه العبرات:
ياريتني ماضعفت.. ياريتني ماسمحتلك تقرب وتستغل ضعفي.. انا اللي محقوقة.. أنا الغلطانة!
صاح بصوت هادر:
كفاااااية بقى..أبو النكد بتاعك ياشيخة.. كل شوية ندب ندب.. وبعدين ماهو كان بمزاجك وبكيفك.. أنا مغصبتكيش، وكنتي تقدري تمنعيني ماتعمليش فيها قطة مغمضة وانا اللي شيطان رجيم وضحكت عليكي..وواصل بنفس العاصفة: وديني لاغور من وشك وماهتشوفيني وابقي اقعدي اندبي للحيط واخبطي راسك فيه واتصرفي لوحدك.. أنا إيه جابرني على الهم ده!
وأختفى تحت أنظارها الذاهلة لما قال.. هل عايرها ضعفها؟ هل طعن بأخلاقها حين استسلمت لرغبتها معه؟ هل فقدت باقي كرامتها للتو..والأقسى من ذلك.. هل بكلمته الأخيرة سيتخلى عنها وتصبح سارة أخرى وتعيش توابع فضيحتها وتخسر أهلها وسمعتها وحقوقها وكل شيء..؟! سقطت على ركبتيها ودموعها تُزرف بغزارة والمشاهد السوداء تتوالي بسخاء لخيالها منتظرة مستقبل مظلم.. مظلم جدًا..!
أسبوع مضى وهي على نفس الوتيرة الكئيبة.. تتجنب الجميع قدر المستطاع محاولة التحكم بنوبات غثيانها أمام اسرتها ورفاق عملها..تنتظر ظهوره مرة أخرى بعد نوبة غضبه الأخيرة، لكنه اختفي ومن حينها لم تراه.. قررت أن تتغاضى عن كبريائها الذي لم يعد له أساس بعد ما حدث، وذهبت لمكان عمله تسأل عنه، فوجدته لم يواظب بحضوره.. نغزها قلبها أكثر.. هل حقًا سيتخلى عنها بتلك البساطة؟ ماذا تفعل إن طال بعده وانتفخت بطنها، كيف ستحجب هذا الأمر؟.. ليس لديها حتى مسكن يخصها تلجأ إليه.. فاقدة لأي حقوق.. حتى ذهبها الزهيد لن يكفي شيء إن فكرت في بيعه..
أسندت رأسها بجوار عشة الطيور فوق سطح منزلها، تبكي وهي مختبئة من العيون!
الندم ينغر قلبها.. لما لم تنتظر.. لما لم تمنعه.. هي أثمة مثله بحق نفسها.. نعم هي زوجته شرعًا ولكن هل يكفي هذا لإثبات حقوقها.. ماذا لو طلقها ونكر مابينهما وتركها تواجه توابع أزمتها بمفردها گرفيقتها..؟ هي وسط مجتمع له أعرافه وثوابته.. قاسي لن يرحم مثلها، ولن يضع باعتباره انهما عاقدين القران.. سيلفظوها ويتهموها بالفسوق و سوء السلوك وتصبح منبوذة بينهم وتتلطخ سمعة والديها وحتى أشقائها..!
ظلت غارقة بدوامة أفكارها السوداء حتى غفت وسط نسمات باردة صفعت جسدها ونخرت عظامها وأوهنتها أكثر..لتزداد مرضًا على ما هي عليه، ويتسبب في امتناعها هي الأخرى عن الذهاب عملها لأيام..!
____________________
رحيم: البت بنتك دي مش عاجباني يا فاتن، بقالها فترة مش مظبوطة ماتشوفي فيها إيه؟ _ شكلها متخانقة مع ناصر لأن مختفي من كام يوم مابيجيش زي عوايده.. واما سألتها مارضتش تحكي
رحيم: يعني تفتكري ده السبب؟
_ أمال هيكون إيه يا ابو جنة.. بكرة أما يظهر المحروس خطيبها هترجع تاني وشها منور والضحكة من الودن للودن يا اخويا.. ماتشلش هم انت وروح صلي العصر وريح جتتك على ما نجهز الغدا..! _ ماشي.. مادام ده رأيك!
_____________________ _ أنا مش فاهمة الواد ابنك ده غطسان فين.. أسبوع بحاله غايب عن البيت.. آل أيه؟ قاعد يومين عند صاحبه.. من إمتى الكلام ده؟ هتف زوجها بضجر: وبعدين معاكي، هو بت هتخافي عليها؟.. سيبيه يفك عن نفسه يومين ما انتي عارفة ضيقته بسبب الشقة والهم اللي وراه..!
هدرت به: ماهو اللي جايبه لنفسه.. مستعجل ليه ع الجواز.. مايوضب براحته وكله برزقه.. ليه محكم دماغه يتجوز الأيام دي.. ثم همست بخفوت: إلا اذا كان الموضوع فيه إنه!
قال بريبة: تقصدي إيه؟
هزت رأسها نافية: لا ماتحطش في بالك.. ده خاطر كده بيروح ويجي في دماغي.. المهم يوله يرجع البيت انا مش عاحبني بياته بره.. بدال ما اروح احرجة قصاد صاحبه
أردف بتحذير: إياكي! ده راجل مش عيل هتجيبه من ايده، سيبيه يرجع براحته.. وفضيها سيرة بقي خليني اغفل ساعتين!
تركته وشخصت عيناها بشرود وهواجس ما تدور بعقلها وينقصها فقط اليقين.. وتعرف ماذا ستفعل!
_ صباح الخير يافاتن.. جنة عاملة إيه سمعت إنها مرضانة!
هتفت الأخيرة: أه والله يا ام ناصر.. معرفش البت مالها تعبانة خالص ودبلانة! خشي عندها وانا هحط أكل للطير واحصلك!
…………
ما أن وقع بصرها على وجهها الذابل وجسدها الهزيل حتى اشتعلت الظنون أكثر.. حدجتها بعين خبيرة وهي تتفحص معالم معينة بجسدها الذي طرأ عليه بعض التغير، لتتيقن وقتها أن شكوكها كانت صحيحة لقد حدث بينها هي ناصر شيء.. لذا أراد إتمام زواجهما بأسرع وقت..! تنحنحت فانتبهت حنة لوجود الحماة، واعتدلت هاتفة: ازيك ياخالتي.. متأخذنيش مش قادرة اقوم!
_ لا ياختي خليكي.. ثم دنت من وجهها وهتفت بغموض أوجس الأولى: اللي زيك. محتاجة راحة.. ولا إيه ياخطيبة ابني؟
تجرعت ريقها بتوتر: قصدك أيه ياخالتي، راحة عشان إيه ..ده ..ده شوية برد!
_برد؟! اظن انتي فاهمة قصدي إنتي فاهماه كويس.. عيب عليكي اللي عملتيه، وياعالم حصل كده بينكم من إمتى يابنت فاتن! شكلك كنتي مقضياها من قبل كتب الكتاب مسخرة مع الواد عشان تطويه تحت جناحك! عشان كده صمم يعقد عليكي رغم انه لسه مش جاهز، وبعدها زودتي العيار حبتين وبقي دلوقت عايز يخدك بيته اللي لسه خرابة.. أخص على دي تربية أخص!
قذفت أم جنة ما بيدها بعد أن سمعت حديث والدة ناصر، وهاجمتها مدافعة عن ابنتها:
_ أخرسي يا وليه يا ناقصة! انتي جاية ترمي بلاكي على بنتي؟ .. إيه التخاريف اللي بتقوليها للبت دي؟ إيه فاكرة محدش هيعرف يرد على لسانك اللي عايز قطعه!
_ أنا اللي لساني عايز قطعه، ولا بنتك مقصوفة الرقبة اللي سابت نفسها للواد وقرطستنا كلنا.. وياعالم سلمت روحها امتى؟!
فقدت أم جنة ما تبقى من عقلها واتجهت إليها بعاصفة تنبيء بالخطر: بقولك أخرسي انا بنتي أشرف من عيلتك كلها، ويستحيل توطي راسنا لحد.. بنتي عارفة الأصول وعمرها تغلط من ورانا..!
ضحكت أم ناصر ضحكة ساخرة وهتفت:
طب بصي في وش بنتك وفي شكل جسمها اللي اتغير وابقي تعالي اتكلمي عن الشرف والأصول.. واقطع دراعي إن ما كانت بنتك حبلة.. ولو سيبتيني انا اكشف عليها هعرف!
ازدادت هياجًا وفردت ذراعها مشيرة لباب الغرفة:
أخرجي من بيتي بدال ما الم عليكي أمة لا إله إلا الله.
تمتمت بتهكم: أنا اصلا مش هقدر افضل هنا دقيقة واحدة ويحرم عليا بيتكم!
وذهبت لتتركها لمعركتها الأكبر وهي تواجهه نظرات والدتها الذاهلة، التي بدأتها بسيل من الصفعات التي لطمت وجهها والمسبات الجارحة و أسئلة لا حصر لها، والصمت المخزي ورأسها المنتكسة كان جوابها ودفاعها الوحيد.. لتنهزم قواها بغتة، وتنكفيء على جانبها فاقدة للوعي! صاح يعنفها بقوة بعد أن كشفت عن نيتها البغيضة:
انتي اتجننتي يا وليه.. جوازة ايه اللي تفركشيها؟
_جوازة ابنك، ماهو بقولك ايه يا ابو ناصر، علي جثتي الجوازة دي تكمل.. انا ماكانش عاجبني البت دي من الاول.. وظنوني طلعت في محلها.. بنت اخوك بت فلتانة وبلفت الواد وضحكت عليه وخليته ي.!
صفعة نزلت على وجهها وهو بقترب بنظرة تطلق شرار غاضب: أخرسي.. بنت اخويا أشرف من اي واحدة واياك.. إياك تجيبي سيرتها على لسانك مرة تاني.. وإلا قسمًا عظمًا هتشوفي مني وش عمرك ماشوفتيه قبل كده!
جحظت عيناها بذهول وهي تنظر له وتغمغم وكفها يحتضن وجنتها الملتهبة: بتضر*بني بعد العمر ده كله؟! وعشان بنت فاتن؟ _ دي بنت اخويا مش بنت فاتن.. وكلامي مش هيتعاد تاني.. اقصري الشر احسن.. وجواز ابني ماتدخليش فيه من هنا ورايح!
حملقت بقامته المغادرة بذهول تحول لحقد على تلك اللعوب التي تسببت فيما حدث.. وأضمرت لها الكثير من الكره الذي لن ينمحي بأيامها القادمة!
ثلاثة أيام لا تحاكيها أو تنظر لها.. والحزن يتملكها وازداد فوق كاهلها الهموم.. كيف الخلاص من هذا النفق الذي أدخلتهم فيه ابنتها الحمقاء بفعلتها.. لو درى زوجها ” رحيم” ستكون كارثة ولا تضمن رد فعله.. والأكثر أن ناصر مختفي منذ أيام.. هل ينوي التنصل من مما فعل؟ الويل كل الويل إن فعل وتخلى عن مسؤليته!
أما جنة فلم يبقى لديها أي قوة بعد مواجهة والدتها القاسية والتي تتجنبتها وتنبذها گ جرثومة.. وتعلم أنها مثلها تكتوي بنيران الظنون السوداء وتطاردها هي الأخرى، أن يرضخ ناصر لوالدته ويتركها تواجه بمفردها مجتمعها بطفل منه ربما ينكره ويدخلون بدوامة أخرى! حقًا سيثبتون نسبه، لكن بعد ان تتلوث سمعتها وتصبح علكة الأفواه..!
اخذتها قدميها لشقتهما التي ترتفع لسبعة طوابق.. ورغم انها بحالة صحية لا تسمح لها بمجهود الصعود لكنها صعدت ودلفت بعد أن فتحت بابها الموصد! ظلت تنظر حولها بحزن.. وهي تتخيل كم حلمت بها بعد ان تكتمل.. وكيف انتقت لون الجدران وحددت غرفة نومها وأين سيكون مطبخها الصغير وهي تتفنن بصنع مالذ وطاب له كل يوم.. تصورت حين تأتي والدتها وأشقائها الصغار يزورنها وتتباهي هي بمسكنها الخاص.. الآن فقدت كل شيء.. فرحتها.. كرامتها.. أمانها.. حقوقها.. واحترامها بعين والدتها ووالدته هي الأخرى.. والقادم سيكون أسوأ حين يعلم والدها المسكين الذي ينتظر دوره بجمعيات صغيرة ليبتاع لها ما يستطيع!
هل سيعود ناصر؟
أم ستكون نسخة أخرى من صديقتها؟الفصل الرابع
الخذلان!
هو حصادها منه تلك اللحظة!
هو مقصلة نحرت عنق الأمل داخلها وعظمت الخوف گ مارد يكاد يبتلعها بجوفه المظلم.. تشعر بالوهن يسرق قوتها وقامتها ترتخي جالسة بإعياء على أرض شقتها العارية بعد ان اكتنف رأسها دوار شديد! تميل برأسها ترتاح على الجدار الرمادي بلونه الكئيب تنتحب بصمت..مقيدة الكلمات بحلقها الجاف وكأنها بصحراء انقطع عنها قطرت المطر.. زاهدة بكل شيء.. تفكر أين هو؟ متى سيعود؟ هل ينوي تركها؟ وماذا تفعل حينها؟! عشرات الأسئلة تتراقص على أوتار أعصابها المشدودة!
وبخضم تساؤلات صامتة في عقلها المجهد انتفضت بغتة على يدٍ تربت على كتفها الهزيل، فصرخت بفزع لكنها ابتلعت باقي صرختها وهي تسمع همهمته: _ أنا ناصر ياجنة متخافيش! لم تصدق انها تسمع صوته فهتفت بذهول لتتيقن:
_ ناصر؟!
أنحنى ليضمها إليه: أيوة ناصر.. وحشتيني ياجنة! تصلبت بضع ثوان تستوعب حقيقة وجودها بين ذراعيه ثم تمالكت نفسها سريعا وتذكرت أخر ما قاله لها ثم غيابه ومرارة ما قاست، فدفعته بعيدا عنها بقسوة محاولة النهوض لتغادر، فمنعها مبررًا:
والله غصب غني.. عارف انك زعلانة بس كان لازم أبعد لحد ما اتصرف.. انا عاهدت نفسي مش هرجع غير وانا معايا الحل!
قاومت احتجازه لها بشراسة قدر قوتها وهي تهم بالنهوض بإصرار:
سبتني لأفكاري وخوفي وهمي وحزني اللي عيشتهم لوحدي ولا تعرف إيه حصلي وواجهت إيه وتقولي كان لازم ابعد.. خلاص ابعد وسيبني حتى لو همو*ت.. يارب امو*ت عشان ترتاحوا كلكم.. سيبني وابعد تاني زي ما كنت.. سيب القطة المغمضة اللي فتحت على إيدك وفي الأخر بتعايرها بضعفها.. سبني وامشي ياناصر.. سبني بقولك!
كلما ابتعدت اشتد بضمها إليه أكثر، تاركا لغضبها العنان لتنفثه بوجهه! مقدرًا ومدركًا أين أخذتها أفكارها السوداء، بعد ان نفذت قوتها وهي تقاومه أستكانت تبكي مستسلمة على صدره، فأسند جبهته على جبينها وغمغم بخفوت: أنا أسف.. عارف اللي انتي فيه، والظنون اللي دارت في دماغك ناحيتي ومقدرش الومك عليها، وسامحيني على أخر كلام قولته انا ماقصدتوش والله..انتي مراتي وحبيبتي ومستحيل ابصلك بصة وحشة أو اتخلى عنك ياجنة، وأنا خلاص اتصرفت في مبلغ كبير هعمل بيه اللي اقدر عليه في شقتنا وهروح لعمي وافاتحه في دخلتنا أخر الشهر!
ظلت تبكي مستسلمة لهدهدته لها منصتة لكلماته، فجذبها على صدره واستجداها: خلاص بقى بطلي عياط قولتلك هتصرف!
هتفت بوهن تشكو له كل ما ادخرته بصمت داخلها: خوفت ما ترجعش، خوفت تسيبني.. حسيت إني بم*وت..!
_ بعد الشر عليكي.. أم*وت قبلك!
ثم لثم وجهها المدفون بثنايا عنقه مستمعًا لهمسها الشاكي: أمك جت زارتني وعرفت باللي بنا وسمعت امي كلام زي الزفت وحلفت انك لو اخدتني مش هترضى عنك.. وامي مش طايقاني من وقتها ومقطعاني.. انا خايفة من اللي جاي ياناصر اما ابويا يعرف! أنا تعبانة أوي ومش قادرة اتحمل!
ربت على ظهرها وقبل رأسها المُطرق: كله هيتصلح أوعدك.. أهم حاجة نتلم في بيتنا.. ومسير زعلهم يروح وهيرضوا علينا تاني.. مش هنهون عليهم..!
ثم رفع وجهها إليه يطالعها بتفحص حاني: وشك أصفر أوي يا جنة، إنتي مابتاكليش؟
هزت رأسها بالنفي، فقبل جبينها وقال:
طب انا هنزل اجيب لقمة ناكلها سوا وعلبتين عصير وبعدها اوصلك البيت!
_ ماليش نفس.. خليني امشي احسن!