Uncategorized

بقلم منى الكاشوري

شاكسها: هتكسفي ناصر حبيبك يابت؟..ده انا هأكلك بإيدي.. وواصل بحنان: اطمن انك اكلتي حاجة وهنمشي على طول.. دقايق وجاي استنيني! غادرها، ورغم قسواة ما تحياه، زحفت ابتسامة لشفتيها وهي تستعيد طعم حنانه عليها منذ لحظات وكأن بعودته واهتمامه بُذر الأمل بصحرائها مرة أخرى وانغرز بأرضها، وهاهي تتنعم بقربه وعشقه بعد غياب ، لقد عاد سندها بعد الله..سيكون كل شيء بخير.. ناصر لن يتركها..! هكذا ظلت تردد داخلها ولسانها يستغفر رجاءً بالصفح من الخالق لحين عودته!

مر أسبوع أخر وناصر يستميت بإنجاز بعض التشطيبات من سباكة ونجارة وتأسيس إضاءة حتى تصبح شقتهما صالحة فقط للعيش! وحان الوقت ليحدث العم ” رحيم” بأمر زفافه هو وجنة! هل ستجري الأمور كما يريد ويوافق والدها وترضى والدته عن زيجته؟ أم مازالت معركته مستمرة؟ عاصفة رفض توقعها من والد جنة، ولكن لن يتأثر مهما لطمته رياحها القاسية..أو يبرح مكانه قبل أن يأخذ موافقته على إتمام زيجتهما، الوقت ليس بصالحهم بعد الآن!

_ كلام إيه اللي بتقوله ده يا سي ناصر.. دُخلة ايه اللي عاوزها اخر الاسبوع؟ الأخير بثبات: معترض ليه ياعمي؟ هو حرام ابقى عايز مراتي في بيتي، انا بصريح العبارة كده مبقيتش قادر على العزوبية.. وانا لسه موالي طويل، مش هخلص الشقة حتى بعد سنة.. وعشان كده عملت اللي قدرت عليه عشان نعيش فيها، واما اخد جنة لبيتي هاكمل على راحتي!

هدر به ” رحيم” : وأنت عشان ترتاح تقلب الدنيا فوق دماغي وتتعس بنتي معاك وتاخدها لشقة. لسه خرابة؟ يا سيدي بعد سنة لو مخلصتش ابقي اتجوز، ع الأقل هتكون خليت للمطرح منظر وينفع يعيش فيه بني آدمين.. واكون انا جبت للبت شوية حاجات تسترها في جهازها زي كل البنات.. انما دلوقت مستحيل أوافق.. محدش فينا جاهز لقصة الدُخلة دي! وده كان شرطي عليك، هنكتب كتاب بدون دُخلة وأنت وابوك وافقتوا.. ولا ده كان كلام عيال؟

يعلم أن كل حديثه منطقي وصحيح وهو الملام لأنه لم يلتزم بهذا العهد وأخل به.. وان الضغط المادي ينال من الجميع ولكن لا حيلة له سوى الإصرار على رغبته مهما حدث، وإلا سينكشف الأمر.. ولو عليه لا ضرر.. ولكن هي من سينالها افتراءت المحيطين.. هي محقة حين قالت انها هي الطرف الخاسر والمُلامة وحدها بعيون اللذين سيكذبونهم ويرجموهم بذنب الخطيئة، حتى وإن كانت جنة في الأساس حلاله وحقه!

أقترب من العم وعيناه تشع إصرار أكثر من سابقه مردفًا على مسامعه:
_ جنة من حقها الدنيا ومافيها ياعمي.. وتستاهل تتجوز في قصر ولا الأميرات مش بس شقة.. بس انا إيدي مربوطة بضيق الحال وخلاص مضغوط من كل ناحية.. وحاسس اني مش هرتاح غير وهي في بيتي.. واقسملك برب العزة ما هقصر معاها ولا هنسى التزاماتي.. كل حاجة اتفقت فيها معاك هعملها.. هكمل التوضيب والعفش وربنا يقدرني اسد ديوني، بس وهي معايا هتهون عليا كل حاجة.. وانت كمان هتكمل جهازها وانا واثق انك هتلتزم باتفاقنا.. ارجوك توافق لأن صدقني مش همشي من هنا إلا بقرار نهائي منك..

وإلا ماتلومنيش على حاجة بعد كده! حدجه بنظرة ثاقبة وطرح تساؤله:
يعني إيه الكلام ده! طب ابوك عنده علم بجنانك ده؟
_ أبويا مالوش دعوة.. ولا حتى امي، انا راجل وأدرى بمصلحتي! _وإذا قولت مش موافق هتعمل أيه يا ناصر؟ التزم الأخير برهة من الصمت وأردف:
بيني وبينك جنة! خلينا ناخد رأيها..! رحيم: ولو رفضت هي كمان؟
_ مش هرد عليك غير بعد ما نسمعها..! ” بت ياجنة.. تعالي عايزك! وهاتي امك معاكي”
سمعت صياح والدها وهو ينادي بغضب، فارتجفت، وذهبت وهي تحاول الثبات! تتبع والدتها التي لبت استدعاء زوجها وهي ترتجف خوفًا من القادم..!

_ نعم “يابا”..!
اقترب وسألها مباشرًا:
ناصر عايز يتمم جوازكم ويعمل دُخلة أخر الاسبوع.. إيه رأيك على الكلام ده؟ ظلت صامتة مطرقة الرأس، فلكز أبيها كتفها بعنف أوجعها صائحا:
ماتردي يابت ولا القطة كلت لسانك..ردي وقولي لأ خليه يروح يشوف حاله و احنا نشوف حالنا..! استاء ناصر لتعامله وهو يرى وجعها المحفور بوجهها الذابل، فتمتم: براحة ياعمي الكلام مش كده بردو..سيبها تاخد قرار براحتها

ثم وجه حديثه لجنة: قولي رأيك ياجنة ومتخافيش من حاجة، فتمتمت بصوت واهن: موافقة يابا..! ولو ع الشقة انا راضية وواثقة إن ناصر هيوضبها واحنا سوا..!
صُدم رحيم من جوابها، وراح يُحلل الأمر بعين أخرى، وللمرة الأولى يلاحظ شحوب ابنته وهزلان جسدها..! فتمتم لزوجته بريبة: _ خدي بنتك واخرجي وسيبيني مع ناصر..!
همت أم جنة بقول شيئا ما، فأوقفها زوجها بأشارة صارمة من عينه، فابتلعت باقي حروفها، وأخذت ابنتها وأغلقت الباب خلفهما..!

صفعة قوية نزلت على وجه ناصر فور إنغلاق الباب، فبرزت عروق الأخير غضبًا وللحظة وقف أمامه يناطحه النظرات القاسية، وعين رحيم تكشف كل شيء وتجرد نواياه.. ما عاد للإنكار والمواراه مكان..لقد فطن الأب لما حدث! ابن أخيه لم يفي بالوعد.. وأتم زواجه فعليًا على ابنته! شعر بالغضب وراح يصفعه ثانيا هادرا: _ بقى ٱأمنك على بنتي تخون ثقتي؟ وتخون العهد اللي بنا واتفاقي معاك أنت وابوك؟ اخص عليك اخص!.. ( ماكانش في نيتي اخون، وغلطت غصب عني وماتنساش انها مراتي)

لم تهدأ ثورته بتبريرات ناصر ودفاعه فجادله بحدة:
_ صحيح البت بالشرع والقانون مراتك..لكن مش من حقك تخالف اتفاقنا، وزي ما بيقولوا العقد شريعة المتعاقدين، و بعُرف الرجالة انا اتفقت معاك على كتب كتاب وبس، الدُخلة دي ماكنتش في الحسبان، والناس كلها عارفة انه كتب كتاب وبس، يعني شرط الأشهار انت ماعملتوش، وطلعت مش قد كلمتك.. وأنا غلطان إني وافقت تعقد عليها قبل ما اجهزها واسترها قصاد الناس..! ليه تجبرني اجوزهالك بحالتك دي وتعيشها في ضنك.. ليه ما صبرتش

_ غصب عني! ماكنتش ناوي اخلف وعدي ولا اتفاقي بس اعمل إيه، ده اللي حصل.. ومادام كله بقى على المكشوف، يبقي خلاص نتمم كل حاجة قصاد الناس عشانها هي مش عشاني.. لأن محدش هيصدق ان اللي حصل، حصل وهي مراتي.. وانا مش هتحمل حد يجيب سيرتها بكلمة! _ إنت مكتف إيدي وبتقولي اختار؟ ياخسارة يا ناصر كان نفسي تطلع راجل!

ناصر وهو يبتلع إهانته احترمًا له: ياعمي أنت عارف كويس اوي أني راجل وارجل من أي حد..وانا مش هفضل اقول واعيد انها مراتي على سنة الله ورسوله! وانا بشر وضعفت لأني بحبها وعايزها.. وانا اهو جاي اقولك خلينا نتلم في بيت واحد.. واقسم بالله هلتزم بكل حرف قولته وكل حقوقها هعملها في بيتي معززة مكرمة..!

لم يجد والد حنة ما يقوله بالتزم الصمت، فتمتم ناصر: أنا هروح احضر لفرحنا يوم الخميس يا عمي.. وحقك عليا وسامحيني أنا غلطت، بس محدش فينا معصوم، وانا بردو شاب وانت عارف وفاهم!
وواصل باستجداء: وعارف إنك في يوم هترضى عننا ومش هنهون عليك! وغادر وتركه لأفكاره التي صاحبها لوم شديد لذاته، فهو من ترك له الحرية ليحدث ما حدث ومنحه الثقة الكاملة، لما يلومه وحده؟ هو أيضًا مُلام بهذا الأمر..!
ويجب أن يرضخ ويُسرع بزيجتهما.. حتى يتجنب الأقاويل.. فإن كان ظنه صحيح.. فلا مجال للتباطؤ..!

_ أرتاحتي دلوقت في اللي احنا فيه بسببك؟ بكت جنة وهي تتألم من كل شيء.. كل شيء أصبح يؤذيها، وتمتمت بخزي لوالدتها الثائرة: غصب عني يامه.. والله غصب عني، محسبتهاش، سبت نفسي لشيطاني، وقلت يابت ما انتي مراته وعاقد عليكي، يعني مش حرام! هتفت الأم: بس حقوقك ضاعت دي حتى قايمة عفش لسه ما اتكتبتش، وكرامتك اتهانت من كلام امه ونظرتها ليكي، ومش هتسلمي من لسانها السو بعد كده، وهتنغص عليكي عيشتك بالكلام، وهتقلب ابنها عليكي! ومتأكدة انها مش هتحضر الفرح أصلا. قوليلي هيكون شكلنا إيه وقتها قصاد الناس؟

وواصلت تأنيبها: استغفلتينا وصغرتينا وانتي عارفة البير وغطاه ولسه مجبناش حاجة تسترك وترفع راسك قصاد جوزك وأهله، وبعدين سيبك من كل ده، افرضي المحروس خلي بيكي وقال محصلش مني وشوفوا من مين؟ حد يقدر يكدبه؟ _ مستحيل.. ناصر مايعملش كده.. وبعدين احنا في زمن فيه ميت طريقة تثبت إن هو اللي عمل كده! واصلت الأم جدالها بافتراضات قاسية:
بس تمن الإثبات ده.. سمعتك هتتلوث وتبقى على كل لسان.. وكله هيألف حكايات عنك براحته ويقولوا دي كانت وكانت.. نسيتي إنك في حتة شعبية بتنتشر فيها الوحشة قبل الحلوة؟
وواصلت بنفس الغضب: طب بلاش، افرضي خبطته عربية وراح فيها..!

أسرعت تدعو له بانزعاج: بعد الشر عليه يامه! فاستأنفت الأولى حديثها: وحتى لو قولتي بعدها ده حصل بينا جواز حقيقي.. كانوا هيصدقوا بسهولة.؟
الناس دايما بتميل للوحشة وتكبرها وتعمل قصص من الهوا.. ليه تحطي نفسك في الموقف ده! ثم اقتربت تلك المرة واردفت بنبرة موجعة:

ليه تضيعي فرحتك زي أي بنت خارجة من بيت ابوها بتتباهى باللي جابه وهي بتفرج اصحابها وأهل حتتها على جهازها؟ ليه تتجوزي وانتي مكسورة وبتداري مصيبة وتعبانة وحزينة، بدال ماتتجوزي وانتي فرحانة .ليه تتجوزي في شقة مايسكنش فيها بشر.. شقة هتتكسفي حد يجيلك فيها.. لأنها لسه عريانة حيطانها مالهاش لون ولا ساترها ستارة ولا حتى كرسي تقعدي ضيفك عليه؟ ليه ماتفرحيش بكل حاجة هتعيشيها لأول مرة معاه وانتي مرتاحة من غير هموم..

وواصلت بصوت أكثر بؤسًا: انا كنت عمالة اقول هجيب وهجيب عشان اشرفك قصاده هو وأهله.. ليه يابنتي ماصبرتيش على الحلال بس بالأصول!. اسمعي يابنتي اخر نصيحة من امك اللي شافت وسمعت كتير.. البنت في الحسبة دي هي لوحدها اللي بتطلع خسرانة حاجات كتيييير أوي..ضحكتك اللي من القلب.. ذكرياتك الحلوة اللي هتفضل معاكي سنين وسنين هتحكيها لولادك بعد كده بزهو.. قوليلي دلوقت.. هتحبي تفتكري الفترة دي في حياتك؟ هتحكيها لولادك ولا هتتكسفي وتتوجعي كل اما تيجي في بالك؟

نفذت طاقتها.. ليتها ظلت تصفعها وتجلدها بدلًا مما قالته وألمها أكثر بكثير من صفعاتها الدامية.. الآن فقط أدركت جنة ماذا فقدت وفيما أخطأت!
________________________
استقبلت غضب زوجها العاصف بصبر وهو يهدر: ازاي تعرفي حاجة زي دي واتخبي عني؟ بتقرطسيني انتي كمان يافاتن؟ أنا مش سألتك البت حالها غريب طمنتيني؟ كنتي بتضحكي عليا؟

_ يمين بالله ابدا.. وقتها ماكنتش اعرف حاجة، واما عرفت ماكنتش قادرة احكي وخوفت تأذي البت.. وناصر كان مختفي واستنيت اشوف هيعمل ايه
ثم اقتربت بحذر تستجديه:
_ المصيبة خلاص حصلت هنعمل إيه يا رحيم.. البت طلعت “حبلة”..لو عاندنا ورفضنا نعمل دخلتهم، بطنها هتبان والناس مابترحمش، مش هيظنوا فيها غير السوء وهتبقى سيرتنا لبانة يتسلوا بيها..! اشتعلت الدماء بعروقه وتأججت رغبته بسحقها و
نهض بقسمات مخيفة تنبيء بشر قاصدًا غرفتها ليفرغ بها كل طاقة غضبه مما فعلته به وبنفسها، فاعترضت طريقه وهي تتوسله:

_ أحب على إيدك يا رحيم.. لو ض*ربتها هتروح فيها دي مافيهاش حيل الله يسترك وكفاية اللي خدته مني
هاج بها: ماتم*وت ولا تغور في داهية على الأقل تريحنا.. هي بعد ما استغفلني وركبتني قرون هخاف عليها؟! بكت ومازالت تستجديه: غبية وماعرفتش انها أذت نفسها باللي حصل.. بس خلاص مامنوش فايدة الكلام يا اخويا.. الحل دلوقت نزفها على ناصر ونخلص، ومسير النفوس تهدى.. انما أي عنف دلوقت هنخسرها ودي بردو جنة يا رُحيم!

صامتًا يحاول التحكم بما يجتاحه، ويحتله الضيق واللوم بآنٍ واحد.. كيف غفل عنهما وترك الأمور تفلت من يده.. ومن أين له الآن بمال كافي لجهازها حتى يسترها أمام الناس ويفي حقها عليه دون ضغط..!وكيف سيستقبل الناس تلك العجلة بزواجها، مؤكد لن يسلم من همساتهم..! _ مابدهاش يا رحيم.. انا هدبر قرشين بمعرفتي ونجبلها شوية حاجات قد مانقدر ونجوزها اخر الأسبوع.. ونخلص من هما وتبقى مع جوزها..كده كده كان هياخدها..!

_ بس ياخدها بالأصول ونكون مش مضغوطين بالشكل ده! ولا خافين من كلام الناس.. ده غير أن هو نفسه مش مستعد ماديًا، ولا جهز حاجة، كان صبر بدال الكروتة دي!
_ اللي حصل حصل خلاص.. شوف هتعمل أيه وابتدي بلغ المعارف واعزمهم ع الفرح..!
صمت دون رد.. فليس هناك ما يقال.. وصار إتمام زواجهما حتمي لتفادي أي شيء يضر بابنته وسمعتها..!
_ _____________________ _ يعني إيه؟! هتتجوز من غير رضايا يا واد ياناصر؟

_ بقولك إيه يامه.. أنا مش واد انا راجل.. وانتي ناسية اني عاقد على جنة يعني جوازنا تحصيل حاصل.. مش فاضل بس غير اتمم جوازي قصاد الخلق.. وانا مش فاهم انتي عايزة ايه، ماتسيبيني اعمل اللي على مزاجي، دي حياتي في الأخر، وسواء اتجوزت مديون ولا لأ.. أنا اللي هشيل الليلة، محدش خسران حاجة فيكم.. ليه بقى وقف الحال ده، بدال ماتدعيلي دعوة حلوة؟

_ دعوة حلوة بعد ما…..
قاطعها بحزم شديد: لو قولتي كلمة واحدة في حق جنة مش هسامحك ولا هنسهالك طول عمري.. ولو عايزة تكسري خاطر ابنك يوم فرحه.. ماتحضريش..!
مات الكلام!
وتركها تأخذ قرارها بمفردها وذهب ليحضر لزفافه!

تتأمل ثوب زفافها بعين دامعة.. متذكرة كيف اضطرت استعارته من إحدى صديقاتها كي تختزل أي تكاليف إضافية، متغاضية عن كونه لا يطابق ابدا ما تمنت أن ترتديه يوم عُرسها المنتظر. كما وافقت أن تتزين على يد صديقة أيضًا، بدلا من اللجوء لمركز تجميل يناسب طموحها كما تفعل أي عروس، لم تحقق أحلامها البسيطة مراعاة لظروف ناصر ..وكل هذال لا يساوي شيًا أمام سعورها الخزين الكئيب بليلة عمرها.. كم كانت والدتها محقة.. هي فقدت أشياء غالية .. بليلة عمر لن تتكرر.. لتضاف ذكرى تعيسة أخرى لسلسلة ذكريات ستحاول وأدها بعقلها.. يجب ان تنسى تلك الفترة بكل ما عانت بها.. ولكن هل ستنجح؟

__________________ جالسًا جوارها بمقعده المزين يتبادل ابتسامات مزيفة مع الجميع، فالإرهاق يتملك كل جسده، يتمنى أن يغفو وينال قسط طويل من الراحة، فكأنه كان يعدو وما وقف يلتقط أنفاسه إلا الآن.. تنهد وشعر بالندم فاقدًا كل شعور بالمتعة والشغف، فلم يسير شيء كما تمناه.. كان يخطط ألا بتزوج بدين مهما حدث بعد ما كان يسمع مآسي رفاقه المادية.. وتمنى أن تكتمل شقته كما يجب، لكنه لم يستطع سوى تدبير غرفة. نوم بسيطة فقط، تاركًا الجدران بلونها الكئيب!

لمح والدته ترمقه بضيق ملتزمة مقعدها وكأنها ضيفة ومدعوة گ الأغراب.. يعلم انها حضرت رغما عنها حتى تقف جواره فلم تطاوعها أمومتها على تركه.. يدري بغضبها.. لكن هو يعلم كيف سينال رضاها مرة أخرى..!
___________________ انتهى زفافهما المتواضع، وأخذها ناصر لشقة الزوجية التي ما أن شاهدتها حتي ايقنت خسارة اخرى.. وهي ترى كآبتها وفراغها من كل شيء سوى غرفة. نوم..! _اتفضلي ياحبيبتي.. نورتي بيتك! أخيرا ارتاحنا وحلينا المشكلة على خير..!

هزت رأسها ملتزمة الصمت.. وذهبت لتستريح فالإعياء يتملكها بقوة، واصبحت غير قادرة على الوقوف على قدميها..! اما هو فلم يكن افضل منها حالًا..الضغط النفسي بالأيام السابقة ولهاثه وهو ينتقل من مكان لمكان حتى ينجز ما يقدر عليه قبل الزفاف.. قد نال منه الكثير.. وانتهت ليلتهما الأولى بعد الزفاف.. وكلًا منهما يعطي ظهره للأخر غارقًا بنومه وهمومه..!

ولكن قبل ان تغفو، التفتت تنظر له بعد ان تركها وغرق بنومه أولا دون أن يلمسها.. وتصورت كيف كان سيتصرف لو كانت عروسه التي لم ينالها من قبل.. هل كان سيتركها ويغفو هكذا؟ لم يحتضنها حتى ليخفف عنها غربتها بهذا المنزل الغريب عنها..! بكت بصمت ولم. تمضي لحظات إلا وهي ساقطة بنومتها وأخر العبرات تُكمل طريقها فوق وجنتها المنطفئة!
________________
تُرى كيف ستكون الحياة بينهما بعد ذلك؟
وهل سيظل أهلهما على قطيعتهم معهما؟الفصل الخامس
_________

لم تزور ابنتها سوى مرتان..يوم الصباحية حتى لا يتسائل أحدًا لما لم تبارك لابنتها العروس كما تقتضي العادات بثاني أيام العُرس.. وبأخر يوم بأسبوعها الأول.. وبعد فترة أخرى أعلنت للجميع حملها بالشهر الأول، رغم أنها تخطت الشهر الثاني ببضعة أيام.. فحين تحين ولادتها بالشهر التاسع سيظن الجميع انها ولادة مبكرة وانها ستنجب طفل ” ابن سبعة”.. وبالفعل أخبرت الجميع، فأطلقوا الزغاريد العالية كنوع من الزهو والفرحة والمباركة لابنتها جنة! _ مش هنزور أبلة جنة يامه؟

قطعت الصغيرة نجلاء شرود والدتها فهمست:
بعدين لما افضي هنزورها.. روحي ذاكري وانا هطلع على السطوح احط أكل للطيور وانزل!
…………… تعلم ان لديه حق.. لكن قلبها يشتاق لجنة.. وبالوقت ذاته لا تقدر على مخالفة أمر زوجها في الذهاب إليها.. خاصتًا مع أطلاقه يمين عليها ألا تذهب دون عمه.. هو يريد معاقبتها هي وزوجها ولن تلومه.. لكن إلى متى ستُحرم من رؤيتها.. إلى متى؟! “منك لله يا بنت فاتن.. فرقتيني عن ابني”

صاح عليها: انتي مش هتبطلي ترمي كل حاجة على جنة؟ وابنك ماغلطش ابدا؟ ترضيها تحصل مع نوال بنتنا يا نادرة؟ هتفت بفجاجة: أنا بنتي متربية و…..

اتسعت عيناها برعب وهي ترى كف زوجها وهو يهم بصفعها.. ثم تراخت بقبضة مضمومة كاظمًا غضبه، ثم لوح بسبابته محذرا: قسمًا عظمًا لولا الفضايح قدام العيال لكنت عدمتك العافية.. بنت اخويا متربية وقطع لسانك تجيبي سيرتها تاني.. ولو كررتيها مش همسك نفسي وهتخربي بيتك بأيدك.. عايزة تخاصمي ابنك براحتك وخدي وقتك لحد ما تهدي.. لكن تجيبي سيرة مراته بالعاطل مش هضمن رد فعلي معاكي بعد كده! اتقي شري وماتفرجيش علينا الناس بعد العمر ده كله!
وغادر بزوبعة غضبه وتركها منكمشة خوفًا تلاشي بعد رحيله، واستعادت عيناها نظرتها الكارهة:
_ ماشي يابنت فاتن.. ماشي!
____________________

مضى ثلاثة أشهر وأصبحت فعليا بأول شهرها الخامس، لكن أمام المحيطين بالشهر الثاني. ولأن بطنها بدأت في البروز، حاولت ان تحتجب اغلب الوقت حتى لا يلاحظ أحدا سرعة ظهور حملها.. وان ترتدي كل ملابسها الفضفاضة!
أما زوجها ناصر فغرق بدوامة عمله ليل نهار حتى يُسدد كل ديونه وأقساطه، خاصتُا أنه جلب لها بعض الأشياء الضرورية.. كتلفاز وثلاجة وغسالة..وهذا زاد أعبائه المادية، فكثف عمله وأصبحا لا يلتقيا إلا قليلا يوم إجازته التي يقضيها بالنوم لينال أكبر قسط من الراحة حتى يوصل ساعات عمله الطويلة بالأسبوع التالي!

معاناة شديدة تخوضها وهي تصعد لشقتها بالطابق السابع.. رغم أن ناصر منعها أن تذهب السوق وتبتاع أغرض، معتمدا على يوم أجازته وإحضار كل شيء.. لكن أرادت أن تريحه من هذا العبء وترفهه عن نفسها بالخروج قليلا.. ولم تعمل حسابًا لحالتها.. وهاهي يكتنفها دوار شديد ومازلت بالطابق الثالث
ارتخت قدميها وجلست علي الدرج بإعياء واضح.. فوجدتها الجارة الشابة على تلك الحالة أثناء صعودها فهتفت بجزع: إيه ده مالك قاعدة كده ليه حصلك حاجة؟
جنة بوهن: لا ابدا.. أصلي حامل ودوخت شوية، هرتاح واطلع بيتي.. اتفضلي انتي اقفلي بابك عادي!

هتفت الجارة: لا طبعا هتدخلي معايا اعملك عصير يقويكي واطمن انك كويسة! همت جنة برفض عرضها فقاطعتها الأخيرة بإصرار:
جوزي لسه مجاش وانا لوحدي.. تعالي نقعد سوا وفرصة نتعرف على بعض.. مش معقول نكون جيران ومش نعرف حتى أسامينا أيه.. الجارة بود وهي تقدم العصير:
أنا أماني.. متجوزة من شهرين.. يعني لسه عروسة..! ممرضة في مستشفى حكومي.. وجوزي محمد مدرس ابتدائي..في المدرسة اللي جمبنا جنة بابتسامة بسيطة: وأنا جنة.. كنت بشتغل قبل جوازي في خياطة العبايات الجاهزة.. وجوزي ناصر مكانيكي سيارات! وزي ما انتي شايفة، حامل في شهري الخامس!

_ ما شاء الله.. انتي كده متجوزة قبلي بوقت بسيط! هزت رأسها ببعض الحزن، فواصلت الأخيرة بحماس:
تعالي بقى افرجك على شقتي وهي لسه جديدة.. فرصة قبل ما نجيب عيال ويخلوها خرابة!

راحت تستعرض أمامها أناقة شقتها وجمالها البسيط.. وهي تذكر كم عانت هي وزوجها وصبروا حتى اكتملت ثم تزوجوا.. تذكرت حينها شقتها وخلائها حتى من لون حيطان يبدد كآبتها.. وكيف خجلت أن تدعوها لتستضيفها..كيف تفعل ولن تجد مقعد تجلسها عليه
وهذا غير استعراضها نزهاتهما معا بعد الزواج.. وكيف تمضي أوقات طيبة بصحبة زوجها.. وعلمت انهما لا يعانون أي ديون تؤرقهما.. وينتظرا فقط ان يكتمل حلمهما بطفل يؤنسهما ويحلي أيامهما.. !

شعرت جنة بالضغط يزداد عليها وأنها تختنق.. تريد الاختلاء بنفسها بأسرع وقت.. كما أخذت قرار أن تظل منطوية دون علاقات ببنايتها حتى لا تتحسر على حالها أكثر.. استأذنتها بالمغادرة مع وعد كاذب باللقاء في زيارة أخرى!
في اليوم التالي! _ جنة ساعة زمن وتصحيني، أوعي تنسي احسن اتأخر على شغل بالليل! اعترضت: شغل أيه؟ انهاردة الجمعة ياناصر يوم أجازتك!
_ لا منا جاتلي سبوبة حلوة هاخد منها قرشين، اهو ينفعوا أخر الشهر في سداد الأقساط اللي عليا..!

هزت رأسها بتنهيدة وقالت: ماشي.. الله يعينك، بس انا كنت نفسي اخرج انهاردة اي حتة معاك، زهقانة يا ناصر، هطق من الوحدة.. ولا نافع اروح لامي وابويا اللي زعلانين ولا هما بيجوا.. ووالدتك مش بتيجي تشقر عليا، ولا مختلطة بجيران هنا اتسلى معاهم.. ونفسي اشم هوا انا وانت و………… سمعت صوت أنفاسه الصاخب فالتفتت لتجده غارق بغفوته، فدمعت عيناها وهي تدثره بغطائه وأطفأت ضوء الغرفة، وراحت تجلس وحدها كعادتها كل ليلة!
____________________

العبء ثقيل وديونه تحرمه النوم..صار وكأنه يلهث دون توقف..وهو يقتص ساعات زهيدة من يومه لينام حتي يواصل عمله ليل نهار ليحصل على أكبر قدر من النقود شهريًا.. وعلاوة على كل هذا مقاطعة أهل زوجته ووالدته التي مازالت على موقفها تجاة جنة..!
_ في واحد بيسأل عليك. يا اسطى ناصر ومستنيك برة!.. التفت للصبي وتسائل: مين ده يا عز؟
_ معرفش يا اسطى، قال انه قاعد على القهوة اللي قصاد الورشة!
ذهب وما أن رآه حتى هلل وهو يلثم كفه:
وحشتني “يابا” عامل إيه انت واخواتي وامي؟
ربت والده على كتفه ودعاه للجلوس:

الحمد لله يا ابني بخير.. انت عامل ايه طمني عليك؟
_ نحمد ربنا على كل حال..مش ناقصني غير تسألوا عليا.. ونفسي امي ترضى عني انا ومراتي.. وعمي رحيم وحماتي.. كلهم مقاطعنا محدش بيزورنا خالص.. بقينا مقطوعين يابا ومالناش حد! التاع قلبه وهتف بمؤازرة حانية بفطرة قلبه گ أب:

بعد الشر عليك يا ابني.. مقطوع ازاي وانا على وش الدنيا.. أنا صحيح زعلان من اللي حصل خصوصا ان عمك رحيم مقاطعني من وقتها.. وامك في الرايحة والجاية تدب كلام زي السم تلقيح على جنة ومحملاها سبب كل حاجة.. بس ماهانش عليا اسيبك.. وصحيح أنت غلطت.. بس صلحت غلطتك وطلعت راجل وشلت المسؤلية وماهربتش واستندلت زي غيرك ..عشان كده عديت على بيتك ازورك!

قاطعه ناصر بفرحة: بجد يابا؟! يعني زورتني وشوفت جنة؟
هز رأسه مجيبًا: أه ولله عديت وجنة قالتلي انك بتشتغل بالليل والصبح وهي اللي قالتلي عنوان شغلك الجديد!
صمت ليلتقط مغلف من جيب جلبابه وواصل:
_ خد يا ناصر يا ابني.. دي أول جمعية قبضتها.. شوف ناقصك إيه في بيتك وهاته.. واوعدك كل شوية هجيبلك مبلغ زيه.. وواحدة واحدة تكمل بيتك وتستره يا ابني!

أبت كرامة ناصر أن تقبل إعانة من والده فرفض بحزم:
_ رجع فلوسك في جيبك يابا.. أنا عارف البير وغطاه.. أختي نوال جوازها قرب وهي أولى مني.. أنا خلاص استقليت بحياتي وبقيت مسؤل لوحدي وكل حاجة هتيجي لما ربنا يريد.. كفاية بس ترضى عني!
نكزه أبيه بقسوة كاذبة: وانت عشان فتحت بيت هتكبر على ابوك ي واد انت وترد ايده؟

استنكر ناصر: معاش اللي يرد ايدك يابا بس……
قاطعه الأخر: مافيش بس.. في حاضر يابا.. مهما كبرت واتجوزت وخلفت مش هتكبر عليا.. لما اساعدك أوعى ترفض.. ربنا يديني العمر ويرزقني وما اخليش حد فيكم ناقصه حاجة وانا عايش.. وصحيح القرشين دول مش كتير، بس اهي نواية تسند الزير زي مابيقوله!

واستأنف حديثه وناصر يرمقه بتأثر وغصة دموع تخنق صوته: مراتك مالقيتش كرسي تقعدني عليه يا ابني.. كانت مكسوفة وهي بتجيبلي كرسي من أوضة نومها.. خد المبلغ ده وادفع مقدم أنتريه تقعد عليه ضيوفها وتستر بيتها.. لو انا مش غريب.. في جارة ولا صاحبة ممكن تدق بابها.. اسمع كلامي واعمل اللي قولته.. وزي ما وعدتك الجمعيات اللي معمولة على أسمك هتاخدها كلها.. وربك كريم وهيفضل ساترها.. وان كان على امك ماتقلقش مسيرها تهدى وترضى عنكم.. انت عارفها لسان ع الفاضي!

لم يجد ناصر أبلغ من عناق دافيء صامت.. كان خير رسول لمشاعره الممتنة تجاه والده الذي كان أسخى بعناقه وهو يربت على ظهره مغمغما: يلا قوم خلص شغلك بسرعة وارجع لمراتك وروحوا اشتروا الأنتريه وخليها تختاره وفرحها.. وماتحملش هم.. كل يومٍ هو في شأن.. وبكرة الحال يتغير للأحسن بأمر اللي خلقك!

سبحان من بدل حاله من كآبة وحزن قبل أن يأتيه والده.. وبعد أن غادره..وگأنه منحه طاقة غير محدودة من التفائل وأنعش قلبه الذابل وأقبل على الحياة.. وشعر بشوق شديد لزوجته تلك اللحظة وكم يتوق لرؤية فرحتها وهما يبتاعوا غرفة أنتريه لشقتهما.. لن يبخل عليها.. سيختار لها شيء غالي حتى وإن طالت أقساطه.. وبالفعل انجز سريعا عمله وذهب تسبقه اللهفة لبيته.. وجنة!

تأخر الوقت وهو لم يأتي، فتراخت جفناها وأُسدلت لتسقط بغفوة على مقعدها دون إدراك لما حولها.. ولم. يمضي كثيرًا من الوقت إلا وأتى ناصر، ففوجيء بنومتها الغير مريحة وعنقها يتدلى بميل بسيط، ووجها شاحب..وعيناها تحوطها دائرة من هالات سوداء.. فاقترب منها محاولًا تعديل وضعها، فانتفضت للمسته وقالت بنعاس وجفنيها مازالا مطبقان : أنت جيت يا ناصر؟!
ابتسم وهو يتأملها: لأ، لسه مجيتش!
فردت بوعي غائب: طب اما تيجي صحيني احطلك عشا..!
ضحك بخفوت ثم تلاشت رويدا ابتسامته ليحتل وجهه نظرة غائمة حزينة وهو يطالعها بشفقة لا تخلو من شوق لها وهو يسترجع كيف مرت بينهما الشهور الماضية..

تقريبا لم يجالسها يومًا كامل، أو يخرج معها نزهة، أو يتثامر أو يُسمعها كلماتِ غزله الحانية كما كان يفعل.. حتى لقائهما گزوجين، صار له گروتين بارد، خالي من مشاعره الدافئة.. أهملها تمامًا..وتذكر كيف غفى أمامها وهي تقص له شكواها من وحدتها.. لكن رغمًا عنه غرق في سبات عميق، ولم يجد الفرصة ليسألها ماذا كانت تقول..أما هي، فلم تعيد عليه شكوتها مرة أخرى زاهدة في نيل اهتمامه، مكتفية بصمتٍ عاتب يسكن مقلتيها الذي ذهب صفائها، فعمله يبدأ من الصباح الباكر ويأتي ساعتين بمنتصف النهار يتناول غداءه معها ثم يمدد جسده ويغفو لينال بعضًا من الراحة .. ويذهب عُقبها لعملٍ أخر..

حتى ينتهي من التزاماته ومصاريف ولادتها.. ماذا يفعل وأصبح مسؤل عن عائلة ولديه أعباء كثيرة!

انت في الصفحة 4 من 6 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى