
وجلال مش واقف جنبها وسند. هزّت رأسها بالنفي، وعيناها ثابتتان عليه قائلة: واقف… بس مش مكانك. في مواقف معينة… مفيش حد يملأ مكان حد فيها. ثم أضافت بصوتٍ خافت يحمل وجعًا قديمًا: ميراي طول عمرها شايفة فيك حاجة أكبر من أخ… شايفاك أمانها. صمت، وكأن الكلمات أصابت شيئًا داخله.
فأكملت بهدوءٍ حاسم: ويوم فرحها… مش وقت تعويض ولا بدائل… هي محتاجة “معتز” نفسه. ظل صامتًا لثواني، وعيناه تزوغان بعيدًا عن الشاشة، كأنه يحاول الهروب من قسوة الكلمات… ثم قال بصوت منخفض:
وأنا لو نزلت… ممكن أخسر كل اللي بنيته هنا.
تنهدت غادة، لكن هذه المرة لم تجادله، فقط نظرت إليه طويلًا قبل أن تقول بهدوءٍ موجع: وفي حاجات يا معتز… لو خسرتها، ولا أي نجاح كيعوضها. عقد حاجبيه بضيق قائلًا:
بتحطيني في اختيار صعب ليه يا ماما. ابتسمت ابتسامة خفيفة، تحمل استسلامًا أكثر من حزن قائلة برياء:
أنا مش بحطك في حاجة… الحياة هي اللي عملت كده. بس إنت اللي هتختار… إيه اللي يستاهل يتخاف عليه أكتر. مرر يده على وجهه بإرهاق، ثم قال:
أنا تعبت من الاختيارات دي.
ردّت بنبرة أكثر لينًا:
وهي كمان أختك ومن حقها تبقي جنبها فى ليلة زفافها تتباهي بيم.
.
ساد الصمت بينهما… صمت طويل، ثقيل، كأن كل كلمة قيلت ما زالت تتردد في الفراغ.
ثم سمع صوتها أخيرًا، خافتًا كأنها تخشى تمسكه بقراره:
ميراي ما طلبتش منك كتير يا معتز… بس المرة دي طلبت. أغلق عينيه للحظة، كأن صورة أخته في ذهنه أصبحت أوضح… بفستانها الأبيض، تلتفت حولها، تبحث عنه بين الوجوه…
فتح عينيه فجأة، وقال بنبرة مترددة:
الفرح… إمتى بالظبط.
رفعت عينيها إليه، تظهر لمعة أمل حذرة قائلة: كمان شهر ويومين. ابتلع ريقه، وكأنه اتخذ نصف القرار فقط قائلًا: هشوف… لو في أي فرصة أرتب وضعي… هحاول أنزل.
لم تبتسم هذه المرة، فقط أومأت برأسها قاىلة :
حاول بجد… مش عشانها بس… عشانك إنت كمان.
وانتهت المكالمة… بعدما اصبحت غادة على يقين من إقتناع معتر، بينهما هو
مازال ينظر الى شاشة الحاسوب ، لا يجرؤ على كأن قرارًا واحدًا، فقط، أصبح يفصل بينه وبين شيء لو خسره لن يعود كما كان.
❈-❈-❈
بالبنك.. توترت سديم حين سحب مدير البنك من يدها الشيك ببطء،ثم ضغط على زر داخلي، فدخل احد اموظفين.
ناوله الشيك قائلًا:
اتأكد من الرصيد… وابدأ إجراءات الصرف.
خرج الموظف، وعادت الغرفة للصمت…
صمت ثقيل، يجثم على صدرها…
مرت الدقائق بطيئة… أطول مما ينبغي…
وأخيرًا… عاد الموظف.
لكن هذه المرة… لم يكن وجهه طبيعيًا..
نظر إلى المدير أولًا… ثم إليها، قبل أن يقول بحذر:
يا أفندم… الحساب عليه قيود. شعرت وكأن الأرض انسحبت من تحتها…
رفع المدير حاجبه بدهشة مُصطنعة قائلّا:
قيود إيه. رد الموظف.بتوضيح :
فيه تعليمات مباشرة… بعدم صرف أي شيكات صادرة من الحساب ده حاليًا.
ساد صمت قـ,ـاتل… لم تنظر له… لم تستطع.
لكنها فهمت…
فهمت كل شيء… دون أن يُقال…
قبــ,,ـــــضت على طرف حقيبتها بقوة… حتى ابيضت أصابعها،
وصوت واحد فقط كان يتردد داخلها:
كانت كذبة مُتقنة. رفعت رأسها أخيرًا… لكن عينيها لم تعد كما كانت.
لم يعد فيهما صدمة…بل شيء أخطر بكثير
إدراك متأخر…وثمن دُفع كاملًا…مقابل لا شيء. فاقت من غفوة صورها لها عقلها… على يد مدير البنك فوق يدها يهزها بدهشة:
يا آنسة… يا آنسة.
أغمضت عينيها لوهة ثم فتحتهما باتساع
شهقت بسُعال حاد، كأنها خرجت لتوّها من غرقٍ مفاجئ… فتحت عينيها باتساع، تتلفت حولها بارتباك، بينما يد مدير البنك لا تزال فوق يدها يهزّها بقلق:
يا آنسة… يا آنسة، حضرتِك كويسة.
رمشت عدة مرات… كأنها تحاول طرد بقايا كابوسٍ عالق بذهنها ، ابتلعت ريقها بصعوبة، وهمست بصوتٍ مبحوح:
أنا… أنا كويسة.
سحب المدير يده ببطء، ملامحه تحمل دهشة خفيفة:
شكلك اتوترتي زيادة عن اللزوم… بس مفيش داعي للقلق.
نظرت له بعدم فهم لثوانٍ… ثم انعقد حاجباها: الشيك.
..
وقبل أن يُجيب…
دُق الباب طرقًا خفيفًا، ودخل الموظف يحمل الأوراق، وعلى وجهه ملامح طبيعية هذه المرة.
تقدم خطوة وقائلًا باحترام:
يا أفندم، الرصيد متاح… وتمت الموافقة على الصرف.
تجمّدت للحظة…
ثم التفتت بسرعة نحو المدير، كأنها تتأكد أن ما سمعته حقيقي.
أومأ لها بهدوء قائلًا:
اتفضلي… تقدري تستلمي المبلغ. سقطت الكلمات عليها كالماء البارد… لكن ليس راحة خالصة، بل شيء ممزوج بارتباكٍ غريب.
مررت يدها على جبينها، وكأنها تتحسس الواقع قائلة باستفسار:
يعني… مفيش أي مشكلة.
رد الموظف بثقة:
لا يا أفندم، كله تمام. سادت لحظة صمت قصيرة…
لكن هذه المرة لم تكن ثقيلة كما في رأسها منذ قليل.
أخفضت عينيها للحظة…
تتذكر…
نظرات الشك… كلمة “قيود”… ذلك الإحساس القاسي بالخديعة…
ثم رفعت رأسها ببطء.
وأدركت…
كل هذا… لم يحدث.
كان مجرد ومضة خوف… كابوس سريع مرّ بعقلها في لحظة ضعف…
لكن رغم ذلك…
قلبها لم يهدأ…
قبــ,,ـــــضت على حقيبتها قليلًا… كأنها تتمسك بشيء ثابت، ثم قالت بنبرة أكثر تماسكًا:
تمام… خلصوا الإجراءات.
لكن داخلها…
كان هناك سؤال واحد لم يختفِ:
ليه أول حاجة عقلي راح لها… إنه خدعني.
سؤال… لم يكن بريئًا أبدًا. بعد قليل أمام أحد منافذ الصرف إستغربت ذلك المبلغ الكبير أمامها، تسألت. إيه المبلغ ده كله. أجابها:
ده المبلغ المكتوب فى الشيك متين وخمسين ألف جنيه. شهقت قائلة بتكرار وذهول
متين وخمسين ألف جنيه. أجابها:
أيوه يا أفندم الشيك أهو، أنتِ مقرتيش المبلغ. توترت هي بالفعل لم تقرأه، شبة شت عقلها لثواني ثم قالت بسؤال:
هو ممكن مصرفش غير خمسين ألف جنيه بس. اجابها:
طبعًا يا افندم، حسب رغبتك، ممكن تحطي باقي المبلغ فى حساب خاص بأسمك.
أومأت قائلة:
تمام. نهض من خلف مقعده قائلًا:
تمام فى إجراءات فتح حساب، إتفضلي معايا. بهد دقائق كانت تقرأ كل ورقة توضع أمامها بتدقيق قبل أن توقع عليها حتى إنتهت… كادت تنهض لكن الموظف قال لها:
ممكن تستني هنا بس دقايق وهرجع لك بالڤيزا. لم ينتظر جوابها وغادر، ظلت دقائق حتى عاد مد يده لها ببطاقة تُشبه البطاقة الشخصية، لكن بلون مختلف كذالك مدموغ عليها شعار المصرف.. توترت سائلة:
إيه دي.
أجابها:
دي الڤيزا الخاصة بحضرتك، عشان تسهل لك سواء عاوزه تسحبي مبلغ او إيداع. إرتبكت قائلة:
تمام شكرًا لك. إبتسم قائلًا:
وإتفضلي دول خمسين ألف جنيه اللى قولتي عليهم.
نظرت لذاك المغلف الذي بيده لوهلة ترددت لكن بالنهاية إستسلمت وأخذتهم منه ووضعتهم بخقيبة يدها ثم شكرت الموظف وغادرت وبرأسها تهكم من معاملة الموطفين هنا لها باحترام عكس ما كان يفعله موظفين تلك الشركة،حين طالبت بمعاش لوالدها… وصل الى رأسها أن حقًا للمال سطوة كما أخبرها والدها سابقً لكن هي كانت بعالم آخر، عالمٍ تُقاس فيه القيم بالقلوب لا بالأرصدة، حيث الاحترام يُمنح لإنسانية المرء لا لثقل أرصدته..
ابتسمت بسخرية مُرة وهي تخطو خارج المبنى، تضغط على حقيبتها وكأنها تُمسك بحقيقة لم ترغب يومًا في تصديقها… الآن فقط فهمت…
أن الكلمات التي كان يرددها والدها لم تكن تشاؤمًا، بل خبرة موجعة:
“المال مش بس بيغير العيشة… ده بيغير نظرة الناس ليكِ.”
رفعت رأسها قليلًا، وكأنها تُقاوم شيئًا انكسر بداخلها، وتمتمت بخفوت:
بس أنا… مش هتغير. ورغم ذلك، في أعماقها، كان هناك صوت خافت يسألها بمرارة:
وهل العالم هيسيبك تفضلي زي ما إنتِِ.
.”***********
على الجانب الآخر…
قبل لحظات كان يتحدث بهدوء مع “مهند” حول بعض الأعمال الخاصة… الى أن صدح هاتفه..
نظر له سرعان ما تبسم، ثم نظر الى مهند قائلًا:
خد الملف معاك راجعه فى مكتبك.
فهم مهند ذلك فليست المرة الأولى غمز ببسمة قائلًا:
مهمة أوي صاحبة المكالمة. قذفه بالقلم بمرح قائلًا
منين جالك إنها صاحبة مش صاحب. غمز بمرح قائلًا بفهم: أصل لو صاحب المكالمة راجل مكنتش هتوزعني وكنت هترد قدامي عادي، عالعموم، الله يسهلوا. غادر مهند بينما هو قام بالرد سريعًا…يسمع:
زي ما حضرتك قولت،البنت فعلًا وصلت البنك…أوامر حضرتك إيه. أجابه:
إصرف الشيك..بس بعد نص ساعة كده..خليها تنتظر فى مكتبك وإفتح الكاميرا الموصولة على موبايلي.
فعل المدير مثلما قال له
شعر بهدوءٍ تام، ظهره مستند إلى المقعد الجلدي، وهاتفه بين يديه… وعيناه مثبتتان على الشاشة.
الكاميرا لم تكن عشوائية…
زاوية واضحة… تُظهرها بالكامل.
كل حركة… كل ارتباك… كل نفسٍ متقطع…
شاهدها وهي تتوتر… وهي تغيب للحظة…
وحين مال جسدها قليلًا، ضاقت عيناه بتركيزٍ أشد، كأنه يقرأ ما خلف الملامح، لا الملامح نفسها…
همس لنفسه بصوتٍ منخفض:
لسه بتخاف…
مرر إصبعه ببطء على حافة الهاتف، دون أن يرفع عينيه عنها..
وحين رآها تفيق… تتلفت… تسأل عن الشيك… ثم تسمع الإجابة…
لم يبتسم…
لكن شيئًا ما في نظرته تغير…
ارتخاء خفيف… أو ربما… رضا محسوب…
عاد بجسده إلى الخلف، وأخذ نفسًا بطيئًا، كأن نتيجة اختبارٍ ما قد ظهرت أخيرًا.
كويس…


