
تلات مرات. وبعدين رد. — «ألو؟» صوته كان هادي جدًا. هادئ بشكل غريب. قلتله وأنا بحاول أتحكم في صوتي: — «كريم… إنت كنت عارف إن ليان تعبانة؟» سكت. وبعدين سأل: — «هي فين دلوقتي؟» ضحكت ضحكة قصيرة من شدة القهر. — «في المدرسة يا كريم.» — «طيب وأنا جاي.» — «لا.» — «يعني إيه لا؟ دي بنتي!» ضغطت على الدركسيون بقوة. — «بنتك؟» سكت. قلت: — «غريبة أوي الكلمة دي… بنتك، بس لما تعبت ما اتصلوش بيا… اتصلوا بمريم.»
الصمت اللي حصل بعد كلامي كان مرعب. — «مين قالك اسم مريم؟» هنا بالذات… حسيت إن قلبي وقع. قفلت المكالمة من غير ما أرد. وصلت المدرسة بعد حوالي عشرين دقيقة. نزلت من العربية وجريت ناحية البوابة. أول ما دخلت، لقيت مديرة المدرسة مستنياني. — «مدام هناء؟» — «فين بنتي؟» — «تعالي معايا.» مشيت وراها وأنا بحاول أتماسك. لكن أول ما فتحت باب غرفة الممرضة… شفت ليان نايمة على السرير، وشها أحمر، وشعرها مبلول من العرق.
— «ماما!» صرخت باسمي أول ما شافتني. جريت عليها وحضنتها. — «حبيبتي… أنا هنا.» لفت إيديها الصغيرة حوالين رقبتي وقالت: — «أنا كنت مستنياكي.» غمضت عيني. — «أنا جيت يا روحي.» وبعدين سألتها: — «مين كان معاكي؟» قبل ما تجاوب… دخلت مريم. كانت لابسة بدلة بيج شيك، وشايلة شنطة غالية، وفي إيدها زجاجة مياه. وأول ما شافتني… وقفت. وأنا كمان وقفت. اتقابلت عينينا. لثواني… ولا واحدة فينا نطقت. وبعدين قالت بمنتهى الهدوء:
— «الحمد لله إنك وصلتي.» بصيت لها باستغراب. — «إنتِ كنتِ هنا؟» ابتسمت ابتسامة صغيرة. — «آه… المدرسة كلمتني.» — «ليه؟» سكتت. بصيت لمديرة المدرسة. — «ليه كلمتوها هي؟» المديرة فتحت ملف ليان وقالت: — «لأن اسمها موجود كجهة اتصال أساسية في حالات الطوارئ.» — «إيه؟!» — «البيانات اتحدثت من حوالي شهرين.» بصيت لمريم. وبعدين رجعت بصيت للمديرة. — «مين اللي حدّث البيانات؟» المديرة ترددت. — «والد ليان.» حسيت إن رجلي ما بقتش شايلاني.
— «كريم؟» — «أيوه.» مريم قربت مني خطوة. — «هناء… ممكن نتكلم برا؟» بصيت لها بحدة. — «ماله جوه؟» — «مش قدام البنت.» بصيت على ليان. كانت بتبص لنا ومش فاهمة. بلعت غصتي. — «اتفضلي.» خرجنا للممر. أول ما الباب اتقفل، قلت: — «إنتِ عايزة إيه من بنتي؟» وشها اتغير. — «أنا مش عايزة حاجة من بنتك.» — «أمال ليه اسمك موجود في ملفها؟» — «اسألي كريم.» — «أنا بسألك إنتِ!»
قربت مني وقالت بصوت واطي: — «يمكن لو سألتي جوزك عن اللي حصل يوم الجمعة اللي فاتت… تفهمي.» تجمدت. — «إيه اللي حصل يوم الجمعة؟» مريم بصت حوالينها. وبعدين قالت: — «كريم ما قالكيش؟» — «قال لي إيه؟» ابتسمت ابتسامة غريبة. — «ولا حاجة.» ومشيت. مسكت دراعها. — «استني!» لفت وبصت لإيدي على دراعها. — «سيبيني يا هناء.» — «مش هسيبك غير لما تقوليلي إيه اللي حصل يوم الجمعة.» قربت من ودني وهمست:
— «كان المفروض تسأليه… ليه كان معايا في المستشفى.» وسحبت دراعها ومشيت. وقفت مكاني كأني اتثبت في الأرض. المستشفى؟ كريم قال لي يوم الجمعة إنه كان في اجتماع في التجمع الخامس. قال إنه رجع البيت متأخر بسبب اجتماع طارئ. طلعت موبايلي بسرعة واتصلت بيه. المرة دي رد من أول رنة. — «أيوه هناء؟» — «إنت كنت فين يوم الجمعة؟» سكت. — «كريم، بسألك سؤال بسيط.» — «في الشركة.» — «طول اليوم؟»
— «آه.» — «ما خرجتش من الشركة؟» — «لا.» قفلت عيني. وبصوت هادي جدًا قلت: — «تمام.» وبعدين فتحت تطبيق الصور على موبايلي. وقعت عيني على صورة كنت واخداها يوم الجمعة. كانت صورة عادية لليان وهي بتلعب في الجنينة. وفي الخلفية كان فيه جزء صغير من بوابة الفيلا. قربت الصورة. وقربت أكتر. واتجمدت. عربية كريم كانت واقفة قدام البيت. لكن كريم قال إنه كان في الشركة. والأغرب… إن في نفس الصورة، كانت عربية مريم واقفة بعدها مباشرة.
رجعت البيت بعد ما اطمنت على ليان وخدتها معايا. كنت ساكتة طول الطريق. ليان نامت في الكرسي الخلفي. وأنا كل تفكيري كان في سؤال واحد: كريم كان بيكدب ليه؟ وصلنا البيت. دخلت أوضة ليان، غطيتها، وبوست رأسها. وبعدين نزلت الصالة. بعد حوالي نص ساعة… سمعت مفتاح الباب. دخل كريم. وأول ما شافني واقفة في الضلمة… اتخض. — «إنتِ لسه صاحية؟» ما رديتش. خلع الجاكيت وحطه على الكرسي. قلت: — «مريم قالتلي إنك كنت معاها يوم الجمعة.»
إيده وقفت في الهوا. ثانية واحدة. بس كانت كفاية. — «مريم قالتلك إيه؟» — «يعني كنت معاها؟» — «لا.» — «إنت كنت فين؟» — «قولتلك… في الشركة.» قربت منه. — «كداب.» رفع عينه عليا. ولأول مرة… شفت الخوف في عينيه. قلت: — «أنا شفت عربيتك يوم الجمعة قدام البيت.» وشه شحب. — «إنتِ كنتِ فين؟» — «مش مهم.» — «هناء… إنتِ بتلعبي بالنـ,ـار.» — «وأنت اللي ولعت النـ,ـار.» سكت. وفجأة…
سمعنا صوت من فوق. صوت باب بيتفتح. بصينا لبعض. كريم اتحرك بسرعة ناحية السلم. مسكته من دراعه. — «مين فوق؟» — «محدش.» — «كريم… بنتي نايمة في أوضتها.» رفع عينه للسقف. وشه كان مرعوب. وفي اللحظة دي… سمعت صوت ست من فوق بتقول: — «كريم؟» الصوت كان واضح. صوت مريم. اتجمدت مكاني. بصيت لجوزي. وبعدين بصيت للسلم. مريم كانت واقفة فوق… وفي إيدها ظرف أبيض كبير. وبصتلي وقالت: — «كويس إنك رجعتي يا هناء.»
نزلت أول درجة. وقالت: — «لأن الظرف ده… فيه حاجة لازم تعرفيها عن بنتك.» — مديت إيدي ناحية الظرف. فتحتُه. طلع منه تقرير طبي، وصور، وأوراق قديمة. وأول صورة كانت لليان وهي نايمة على سرير مستشفى. التاريخ كان قبل أربع سنين. قلت: — «إيه ده؟» مريم قالت: — «دي مش أول مرة ليان تدخل المستشفى.» بصيت لكريم. — «إنت قلتلي إن ليان عمرها ما دخلت مستشفى غير لما اتولدت!» كريم ما ردش.
قلبت الورقة. كان فيه تقرير طبي باسم: ليان أحمد مراد. لكن تاريخ الميلاد كان مطابق لتاريخ ميلاد بنتي. قلت: — «إيه معنى ده؟» مريم ردت: — «معناه إن في حاجة عن بنتك إنتِ ما تعرفيهاش.» كريم صرخ: — «كفاية يا مريم!» بصيت له. — «إنت عارف؟» سكت. — «كريم… إنت عارف؟» فضل ساكت. — «قول الحقيقة!» وأخيرًا قال: — «ليان… مش بنتك البيولوجية.» حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي. — «إيه؟»
مريم قالت: — «والأغرب… إنها مش بنتي أنا كمان.» بصيت لها. — «أمال بنت مين؟» قالت: — «الحقيقة أكبر من كده.» قبل ما تكمل، سمعنا صوت طفلة من فوق. جريت على أوضة ليان. لكن السرير كان فاضي. وعلى المخدة كانت فيه ورقة صغيرة. فتحتها. كان مكتوب: «ماما… أنا عارفة إنك مش أمي الحقيقية.» وفي آخر الورقة: «والست اللي أخدتني قالتلي إن بابا هو اللي طلب منها تعمل كده.» صرخت: — «ليان!»
مفيش رد. في اللحظة دي موبايل كريم رن. رد. جاله صوت رجل: — «لو عايز تشوف ليان تاني… ما تخليش هناء تعرف الحقيقة كلها.» كريم سكت. الصوت كمل: — «لأن لو عرفت مين هي أمها الحقيقية… مش هتشوف بنتك تاني.» وقفل. بصيت لكريم. — «مين ده؟» قال: — «الرجل اللي كنا فاكرين إنه مات من خمس سنين… رجع.» — «مين؟» مريم قالت: — «ياسر الشاذلي.» — بعد دقائق، عربية سوداء وقفت قدام البيت.
ونزل منها رجل طويل لابس جاكيت أسود. كان ياسر. الرجل اللي كريم قال إنه مات من خمس سنين. دخل البيت وقال: — «خمس سنين وأنا مستني اللحظة دي.» كريم وقف قدامه. — «إنت مالكش حق تدخل هنا.» ضحك ياسر. — «بعد خمس سنين من الكذب؟ إنت آخر واحد يتكلم عن الحق.» وبعدين حط ملف بني على الترابيزة. — «كل الحقيقة هنا.» فتح الملف. أول ورقة كانت شهادة ميلاد. وبعدين قال:
— «في الليلة دي حصلت حالة طوارئ.» الدكتور نبيل، مدير قسم الولادة وقتها، دخل البيت بعده بدقائق. قال: — «ثلاث بنات اتولدوا في نفس الليلة.» بصيت له. — «ثلاثة؟» هز رأسه. — «أيوه.» بدأ يكشف الحقيقة. واحدة كانت بنتي الحقيقية. واحدة كانت بنت سارة، زوجة كريم الأولى. والثالثة كانت طفلة مجهولة الهوية، أمها ماتت أثناء الولادة. وفي وسط الفوضى… الأوراق اتبدلت. ومريم كانت تعمل في المستشفى وقتها. لكن التبديل ما كانش صدفة.
كان قرارًا لحماية الأطفال من خطر حقيقي. ثم اكتشفت أن ليان نفسها… كانت بنت سارة، زوجة كريم الأولى. أما الطفلة اللي اسمها نور… فكانت بنتي البيولوجية. والطفلة الثالثة اسمها سلمى. قلت: — «يعني أنا عندي بنتين؟» الدكتور قال: — «واحدة ربيتيها خمس سنين، وواحدة كانت بعيدة عنك طول الوقت.» بصيت لليان. كانت واقفة قدامي بتبكي. حضنتها. — «إنتِ بنتي مهما حصل.» وبعدها أحضروا نور. أول ما شفتها… عرفت. نفس عيني.
نفس ملامحي. نزلت على ركبتي وحضنتها. قالت: — «إنتِ ماما؟» ما قدرتش أتكلم. ضمّيتها. — «أيوه يا حبيبتي… أنا ماما.» لكن كانت لسه فيه حقيقة أخيرة. الطفلة الثالثة، سلمى، كانت في دار رعاية في الإسكندرية. سافرنا علشان نشوفها. كانت قاعدة لوحدها وماسكة عروسة قديمة. ولما شافتني، قالت: — «إنتِ ماما؟» قعدت قدامها. حضنتها. وفي اللحظة دي فهمت إن الأمومة مش دم وبس. الأمومة حب. وحماية. ووجود. — بعدها ظهرت الحقيقة كاملة.
سارة ما ماتتش بسبب حادث. كانت مريضة، وعارفة إن وقتها قرب. وقبل وفـ,ـاتها طلبت من مريم تحمي بنتها. أما ياسر، فكان داخل في صـ,ـراع خطير، لكنه هرب منه وقرر يساعد في حماية الأطفال. كريم اعترف بكل أكاذيبه. واعترف إنه كان عارف إن ليان مش بنتي البيولوجية، لكنه خاف يخسرها. أما تغيير رقم الطوارئ ووضع رقم مريم… فكان لأنه كان يحاول يخفي الحقيقة ويحمي الخطة القديمة من الانكشاف. لكن كذبهم كلهم كاد يدمرنا.
اتخذت الإجراءات القانونية لتصحيح أوراق البنات الثلاث. ليان فضلت بنتي. ونور رجعت لحضني. وسلمى خرجت من دار الرعاية وبدأت تعيش معانا.

