مسكت أيسل يد رقية وهي تقول بلهفة : – رقية، شهاب مش وحش والله، أنا مش عارفة هو عمل كده ليه، أنا مصدومة زي زيك من اللي خططله، بس هو والله من جواه مش وحش، بالعكس كان بيحبك اوي، أنا اللي بغبائي كرهتكوا في بعض. – خلاص اللي عدى فات ومات، سامحيه زي ما انا سامحته، شهاب فعلاً بيحبك. هتفت رقية برزانة وسط اندهاش أيسل، ولم تكتفي بهذا القدر بل عادت وأكملت حديثها :
– ياريت لما تدخلي متتكلميش في أي حاجة عدت وفاتت، أكيد هو مش في حالة تسمح انك تعاتبيه. احتضنتها أيسل بقوة وهو تطبع قبلات فوق وجنتها : – أنا بحبك اوي اوي، وأنتي أحسن أخت في الدنيا كلها، هدخله أنا بقى. دخلت أيسل بسعادة عارمة وارتياح نفسي، فابتسمت رقية وشعرت وكأنها لأول مرة تتصرف بطريقة صحيحة، وأثناء انغماسها بالتفكير، انتبهت ليد قوية تجذبها داخل غرفة مجاورة، رفعت بصرها بعدما أدركت أنه حمزة من ملمس يده والتي باتت تحفظه عن ظهر قلب…
– حمزة بتعمل إيه!. أغلق حمزة الباب خلفه قائلًا : – صالحتي الكل، والدنيا عندك وردي، وتيجي عندي أنا تقلب برق و رعد. – برق ورعد إيه أنت مقتنع باللي أنت بتقوله، هو ده مكان مناسب نتكلم فيه!. اقترب منها وهو تبتعد للخلف تحذره بيدها ونظراتها : – بص أي حركة كده ولا كده، صدقني مش هسامحك. ضيق عيناه وهو يتظاهر بعدم الفهم مردفًا : – حركات إيه يابنتي، هو انتي طلعتي منهم.
شهقت بعنف وهي تقول : – لا أنا مسمحلكش، احترم نفسك. – احترم نفسي ازاي أكتر من كده، وانتي ماشية توزعي حب على اللي حواليكي، والغلبان مستنى أي كلمة حلوة منك. عقدت حاجبيها ببلاهة : – هو مين الغلبان ده. حاوطها بيده في لمح البصر وشدد قبضته عليها، بينما كانت هي تتلوى بين يده، تدفعه بخفة بعيدًا عنها. – أنا الغلبان في حبك، أيه يا ست أنتي الشر ده، خفي شوية عليا.
كتمت ضحكتها بصعوبة، وهتفت ببرود : – أنت تستاهل أكتر من كده. اقترب بوجهه منها، وثبت نظره فوق نظرها : – بذمتك أنا استاهل، ده أنا حتى يتيم، ايه معندكيش قلب يحس باللي زي. عقدت حاجبيها تقاوم الاستسلام له، فقالت بعناد : – لا معنديش. مال على وجنتها اليمنى وطبع قبلة صغيرة فوقها هامسًا بعدها : – طب وكده. ابتلعت ريقها وهي تجيب باهتزاز : – لا بردوا. -طب وكده.
هتف بها عندما كرر ما فعله على وجنتها اليسرى ولكن الفارق هنا قبلات متفرقة بطول خدَّها.. اختفت نبرتها تقريبًا وهي تجاهد بالتحدث، وتبدد عنادها وقوتها، بينما هو استمر في قبلاته، حتى وصل إلى شفتاها وقبلها قبلة طويلة، غاصا معًا في بحور العشق، بعدما استطاع حمزة أن يمحى أي أثار سلبية كانت تتشبث بعقلها، مغلقين باب الوجع والفراق نهائيًا..
استمعت لصوت جلبة في الخارج، فارتبكت وابتعدت عنه بخجل على الفور بعيدًا عنه وهربت من قبضته بقلب كاد ينتفض من مكانه، وأنفاسها اضطربت لدرجة أن صدرها كان يعلو ويهبط في وتيرة سريعة للغاية، بينما هو كان يقبض على حافة النافذة يحارب مشاعره والتي تدفقت بداخله كالكثبان، ولا شك أن الصفاء أخيرًا عرف طريقه لقلبه وعقله بعد هذا الكم من الشوائب والتي كانت تعكر صفو حياتهم. **** بعد مرور فترة..
اعتاد شهاب على رقية أكثر، وتبدد ذلك الجفاف الذي سيطر على طبيعتهم، بعدما استطاع هدم تلك الأفكار المخطئة والظن السئ به، من خلال حديثه معها أغلب أوقات جلوسهم، فمثلاً كان قديمًا يعتقد أن ذلك الوجه المتجهم من نصيبه فقط، وأن جمود ملامحها، وحديثها اللاذع كان عرض خاص له، ولكن الآن أدرك ما قالته أيسل عن شخصية رقية، وشعر بالذنب القاتل حينما أخبرته أيسل في لحظة صفاء عن ما مرت به رقية من خلال تجارب صديقاتها..
ابتسم حينما تذكر لقبه السئ والذي أطلقه على عفت صديقتها، ولم يمنع لسانه من سيل من الشتائم الحصرية والخاصة بها… تلك المدة التي قضاها بجوار عائلة أيسل، لها الفضل عليه في كل شيء، من تحسن حالته الجسدية والنفسية، ولن ينسى قط إصرار والد أيسل حينما قال… ” والله أبدًا أنت هتطلع من المستشفى علينا، عندنا رقية وأيسل وامهم يخدموك انت محتاج رعاية يابني، واحنا اهلك. ” ولن ينسى أيضًا مزاح حمزة والذي كان يخفي خلفه ضيقًا وغيرة وهو يقول :
“- ياعني اروح اعمل حادثة علشان تستضفوني عندكوا، أنا من حقي ادلع زي شهاب”. راحة غريبة لأول مرة يشعر بها، حقًا نهاية سعيدة أخيرًا، لقد ظن وظن حتى امتلئ عقله بالتخيلات المظلمة.. اتكئ على يده يراقب غرفة رقية، والتي تطوعت بها من أجله، هنا ما يقرب الأسبوعان، ولم يلاحظ أي علامات من الضيق منه، بل الجميع يقدم على خدمته ورعايته بحب. رفع بصره للسماء وتمتم بالحمد، بعد انتهاء تلك الكذبة أخيرًا.
انتبه على دخول رقية وهي تحمل صينية العشاء قائلة : – العشا يا شهاب. وضعت الصينية أمامه، فقال هو ممازحًا : – أنا حاسس ان حمزة هيتشل من الدلع اللي أنا فيه. – حاسس مش متأكد!. رن هاتفها بنغمة خصصتها له، فأشارت لشهاب قائلة من بين ضحكها : – جه على السيرة، هروح اكلمه، وأنت خلص أكلك. أومأ لها بصمت وبدأ في تناول عشاءه، بعدما ارتاح صدره، وتلك الابتسامة التي كانت تلازمه قديمًا عادت وتربعت على عرش فمه، أما عن عيناه فعادت لطبيعتهما الشقية.
****
دخلت رقية غرفة أيسل وهي تجيب على الهاتف :
– أيوه يا حمزة. – أيوة يا حمزة!!، اه واأنتي هاتفضي ازاي وأنتي بتدلعي في أستاذ شهاب. فركت رأسها بأصابع يدها وهي تحاول توضيح أن ما تفعله هو مجرد رعاية فقط لأنه مريض، والآخر لا يدرك ذلك، مُحتجًا بغضب، موضحًا أن رعايته تخصص أيسل فقط!، فقررت مضايقته، قائلة ببرود : – معلش أصل هو عيان بقى وكده!. هتف باعتراض : – نعم؟!، أنتي فعلًا بتعملي كده.
ضغطت فوق الحروف وهي تخرجها من بين أسنانها : – والله أنا بقالي أسبوعين بفهمك أن اللي بعمله ده مسموش دلع، وأنت مش قادر تفهم. – اللي مستغربله، أنكوا مفكرتوش تعزموني أجاي اقعد معاكوا يعني مكتفين بشهاب وبس. – معلش. قالتها بنفاذ صبر، فاغتاظ من ردها البارد، وقرر اغاظتها مثلما تفعل : – طيب سلام .