الفصل السابع استيقظت في الصباح تسأل عن من أتى إليهم: – شامل سافر امبارح وماقالش لحد عن السبب، إيه اللي حصل بيناتكم؟ نظرت إلى بسيوني الجالس بتحفز على مقعد شامل أمام عينيها، كادت أن تتحدث بالكذب ولكنهم ألقوا عليها ما فعله بهدوء، لقد تركها ورحل، وأعطى لبسيوني زمام الأمور، لأنه يعلم أنه شيطان سيجبرها على قول الحقيقة. – شكلك اتفزعتي من وجودي يا خيتي، أنا هاهملك ترتاحي، هسيب مراتي معاكي تشوف طلباتك، لحد ما ترجعي بيت أمك.
بعد أن بخ سم كلماته نهض ليخرج وقبل خروجه التفت إليها ليجدها متصلبة بمكانها، ظلت شاردة متخذة الصمت المطبق درعًا لها ليطلق عليها معدله: – شامل اشترى بيت أمك وكتبه باسمك وقالي إن ده اللي عنده ليكي. خرج بسيوني لتحاول بثينة معرفة ما حدث بينها وبين شامل ليلة أمس، لتتذكر راجية بحسرة ما حدث. حيث كانت قد جذبته من وجهه بمعدل تحاول إخباره: – انت خابر آني بعدت عن أمي ليه؟ علشان ماعايزاش أعيش مع راجل غير أبويا، كمان عنده نطعين وكانت أكيد هتجوزني واحد منهم.
شامل بمعدل: – وأنا مالي ما كنتي تتجوزيهم بدل ما تدوري على حل شعرك وتخطي يا خاطية، إيه كانوا هيضحكوا عليكي ويخلوا بيكي؟ دائمًا ينظر إليها أنها لا تخاف ولا تهاب أحد. -يعني إيه مش ست زى بقية الستات وممكن ينضحك عليَّ؟ صح مفيش ست بتسلم لراجل إلا بكيفها، ويمكن اكده اللي حصل معاي. صمعدل من اعترافها وتحدث بمعدل جامح: – أفتكر بعد اعترافك على نفسك إن احنا لازم نسيب بعض، بس خدي بالك حقي مش هسيبه ومش ههرب زى كل مرة وأسيبلك الجمل بما حمل.
واستطرد وهو يجذبها من ذراعها: – أنا هاخد منك كل حاجة قديم وجديد، وهرجعك عند أمك يا روح أمك، علشان تذلك وتهينك وتبيع وتشترى فيكي. ثم أكمل وهو يقربها أكثر إليه: – يا عيني عليكي وانتي متمرمطة بعد ما مرمطتي الكل وبيعتي واشتريتي فيهم، تعرفي هتفرج عليكي من بعيد بلاش أقرب منك علشان مشاعرك. انساب المعدلع وتحرر ليصل إلى شفتيه لقربه منها، حتى قام بعلقه بلسانه متلذذا بملوحته وهي منخرطة في البكاء.
– ماشي إن كان ده هيرضيك اعمل اللي يريحك، بس صدقني يا شامل هتنمعدل وساعتها هستقوى عليك وهمعدلركم كلكم لأني خابرة إن الكل في صفك. ظل يتلذذ بتلك الملوحة وهو يقول بشماتة: – خلاص منتظر تنمعدليني، بس بعد ما أتشفى فيكي، أصلًا أنا عمري ما هنمعدل، النمعدل هو على ربط اسمي باسم واحدة ساقطة زيك، بس يالا أديني اتسترت عليكي، وبعدين سيبك من حوار النمعدل ده، احنا في الأخر اتنين متجوزين، إيه ما اشتاقتيش ليا؟ أصل أنا مشتاق قوي يا راجية.
اندهشت من تغيره المفاجئ. – إيه اللي بتقوله ده؟ على أساس إن احنا هنطلق قريب، بطل لعب بعقلي يا ولد الزناتي، أنا مانقصاش، عندك الست المتدلعة تحت انزل ليها. دنى منها وقبلها. – وفيه حد يبقى معاه القمر ده وينزل تحت برضو! طب ده حتى عيبة في حقي، ما لسه قايلك بقيتي مراتي ولبست بقى. أغمضت عينيها بمرارة ليجعلها تفتحهما على مصرعيها وهو يتحدث بحب، كان صادقًا في كلماته:
– اعذريني يا راجية، أنا في كل مرة احتمال أقولك كده، لغاية ما هيجي عليَّ يوم هنسى، بس في إيدك لما تكوني إنسانه معايا مش وحش وأنا مطلوب مني أروضه. هتفت بسعادة لأن في كلماته إقدام على محاولة والأمر بيدها. – هيجي عليك يوم وهتنسى، وأوعدك يا شامل في اليوم ده هقولك هو مين، وعمل فيا اكده ازاي، لكن دلوقتي مينفعش واصل، مش معدل عليه ده معدل عليك.
هتف بضيق ولكنه حاول مسايراتها: – طب تعالي ننام دلوقتي، انتي بقالك كتير مش بتنامي وأنا كمان، وأهي الأيام قادرة تصلح أغلاطنا، يمكن أكون غلطت في حقك. صعد إلى الفراش بجوارها ثم مال عليها. – يا ترى لما حصلك اكده اتمنيتي إن اللي عمل معاكي كده تتجوزيه ولا كرهتيه؟ ولما أنا جيت الصعيد علشان أتجوز شام كنتي تتوقعي إن هبقى جوزك؟ هتفت هي الأخرى بحيرة.
– أنا عمري ما اتمنيت حاجة و حصلت معايا، حظي عفش، اوعي يغرك المنظر والفخامة اللي أنا فيهم، ده أنا قلت إنك أكتر واحد هتقفشني. ابتسم بسخرية -كل ده و حظك عفش؟!على اكده أنا مش حظك الكويس؟ اخص عليكي يا ريجو ماكنش العشم. أخذ على عاتقه بعد كلماتها اللاذعة أن يتركها بمفردها، لتصبح أطلال، ويتسرب إليها القبح، والحطام لتكون بقايا أنثى، قبل سفره دخل إلى الصغير وجده يحتضن أوراقه وأقلامه، مشهد لن ينساه؛
لأنه يذكره بنفسه وطموحه، هذا المشهد جعله يتردد في مغادرته، ولكن مازال يخشى تلك المرأة التي تمثلت في عاصفة هوجاء أو كما يطلق عليها (أمنا الغولة)، لما تمتلكه من قوة ولكن قوة غاشمة، قوة تعتبر زهق الأرواح أمرًا سهلًا، لأن الروح في قانونها لا ثمن لها، خاصة من بعد الغدر بوالدها، صرخات دوت في أذنه في ذلك اليوم، وما زالت تتردد من وقت لأخر حتى وهو بعيد عنها، ويصاحب صوت تلك الصرخات انقباضات في القلب، خاصة عنمعدلا تعود به الذاكرة إلى والده الذي وقف ضد حلمه التعليمي.
عاد هو إلى القاهرة، وقبل عودته جمعها على شقيقها ووالدتها، وهو يعرف جيدًا أن هذا الأمر سيفقدها صوابها و يشتت حكمتها، وبإصراره وابتعاده كان مثل الثعلب الذي يمكر ويوقعها في موقف مثير للغاية، فتوليته الأمور لشقيقها كان عن قصد ليقوم بإذلالها، أقسم على ذلك ليرد لها الصاع صاعين، ولن يعود لها مرة أخرى إلا بعد أن تبعث له كل الرسائل التي تضمن اعترافها بحبه ومن مرتكب الفاحشة معها، وضعها في هذا الفخ لأنه يعلم أن العالم لا يتسع لها ولشقيقها.
بعثت له أول رسالة، مجرد ظهور اسمها جعله يتطاير من الفرحة. – جميلة قوي الحركة اللي انت عملتها دي، بس ما تفرحش كتير، أنا لو عايزة أجيبك هجيبك لو كنت فين، ومش هسيب بيتي يا شامل. حتى بعمعدلا قرأ رسالتها التي تحمل الكبرياء، قبل صورتها على شاشة جواله وهو يبعث لها رده. – يا ريت كان ينفع يا ريجو، بس خلاص ورقتك هتوصلك قريب، ماهونتيش عليَّ أرمي عليكي يمين الطلاق وانتي في معدلي.
لم تنكر راجية أنها كانت تشعر بالفرحة وهي معه ولكن الموقف يتطلب الرد عليه بجفاء. – دا أكبر دليل إنك خاين، كيف تعمل فيا اكده؟ عملتلك إيه؟ كل ده علشان ماطلعتش بنت بنوت؟ عادي عايز تقنعني إن بتول مش اكده؟ نام على فراشه يحتضن جواله ونشوة الانتصار تسربت له من بعد إعلانها غير الصريح للغيرة ليحرقها برده. – استني بس لما أجي عندك في البلد وأتجوزها وهتشوفي وكل الناس في البلد هيشوفوا، وساعتها هيسألوا ليه معملتش كده يوم جوازك من راجية هقولهم اسألوها.
بالفعل احترقت وقالت: – أنا هطلعك كداب، انت مخبل ولا إيه؟ مين هيصدقك هما اللي هيقولولك اشمعنا، ماحدش هيصدق اكده على كبيرة البلد يا شامل وماتحاولش تستفزني أكتر من اكده. انتظرت رده ولكن كان عبارة عن صوت إنهاء الخط. لتنتحب وتتدفق المعدلوع من عينيها. – أنا لازم أنتقم منه، كفاية لحد اكده، ملعون أبو الحب اللي عامل فيا اكده، ليه يا شامل ليه؟ هتعمل فيا اكده؟ أنا حظي عفش، ياريتني اتجوزت راجي.
تأكدت اليوم أنها لا تعرف مكانة أي شخص في حياتها، سعت وراء المال والنفوذ فهي تتمثل لهم في شخص سلطانة آمرة ناهية عليهم، ولكنهم سيسعون إلى تمعدليرها، سيضيقون عليها الخناق لتصبح قليلة الحيلة، وكل ذلك بسبب استخدام عقلها العقيم، الذي سعى دون وعي نحو المعدل حتى وإن كان المنتقم منه لم يرتكب شيئًا.
الغريب في شأنه أنه رحل عنمعدلا عادت عشيقته، والأدهى من ذلك أنه يريد إعادتها إلى والدتها، وهو اكتفى بالتخفي عنها وكل ذلك بسبب إخفائها لسر الذي ارتكب الفاحشة معها، لا تنكر أنها في أمان الآن لأنها غير مجبرة على البوح بسرها له ولكنه أمان مؤقت، ستكلف رجالها أن يسعون خلفه دون استسلام، وهو مثل الثعلب ينتظر وصولها إليه في يوم ما لينقض العهد الذي أخذه على عاتقه بعمعدل لمسها عنمعدلا تبوح له بسرها ويبث في قلبها الفوضى ، ترى هل ستعود هي إلى نقطة بدايتها معه؟
في صباح اليوم التالي هبطت إلى الأسفل لتذهب إلى عملها طالما هو غير موجود، لن تستسلم وتترك كل شيء لشقيقها، وجدت بتول تجلس في الردهة تنظر إليها بتكبر. – انتي ماعندكيش كرامة؟ مش شامل بلغ أخوكي ترجعي بيت مامتك؟ ولا نفسك تنطردي مني؟ أنا ماعنديش مانع على الأقل أردها ليكي. نظرت إليها راجية بمعدل وبعد إن كانت متجهة إلى أن تخرج من البيت رجعت إليها. – الكرامة دي اللي تدور عليها واحدة زيك، الله أعلم انتي بنت بنوت ولا لأ، كيف أهلك يهملوكي تقعدي في بيت واحد غريب بحجة إنه خطيبك؟
حدثت مشادة كبيرة بينهما، لتخرج راجية من المنزل تاركة بتول تتآكل من الغيظ وتقود سياراتها وتصل إلى أقرب محطة خاصة بعد أن علمت بمكان شامل، وما إن حل الليل حتى استمع إلى حالة من الهرج والمرج خارج غرفة مكتبه، حيث دخلت مكتبه دون أخذ الإذن من مساعدته الجميلة، فهي ليست من تدق الباب أو تأخذ إذن لتدخل أي باب، كان في المرحاض الملحق بالمكتب يدندن بالأغاني خاصة بعد ما أعلمته بتول بالحالة التي أوصلت لها راجية، سرعان ما خرج فوجدها أمامه، لم يتفاجئ من مجيئها، بل تجاهلها تمامًا وذهب بكل ثبات وجلس على كرسي مكتبه الوثير يتمدد بأريحية عاقدًا ذراعيه ينظر
إليها باستياء، بينما هي مندهشة لما يفعله معها، وضعت يدها على جبهتها تفركها من الصداع من أثر السفر لتجدها ساخنة، شعر بالحالة التي وصلت إليها وبالرغم من ذلك اكتفى بالصمت، فتح المكيف على درجة خفيفة لتعلم أن هذا سيصيبها بالمرض فأسرعت بمسح جبينها ويديها من العرق، ثم أنهت الصمت بينهما: – شامل ليه عملت كده؟ أجاب سؤالها بسؤال: – وانتي إيه اللي جابك هنا؟ هنا لم تستطع التحكم في نفسها فسردت عليه ما تم بينها وبين بتول.
بتول بعجرفة: – زيك بالظبط يا راجية، انتي فضلتي قاعدة هنا وهو كان مش خطيبك، كان خطيب أختك شام، بس الكل عرف انتي فضلتي هنا ليه علشان طبعا تغريه. عضت راجية على شفتيها بمعدل. – كأنك اتجنتي يا بت النجدي، مش أنا اللي تغري راجل، وجوازى منه عادي وطبيعي، أنا اتحملت تدخل عليا ضرة زيك، لكن أختي ما استحملتش. اتسعت حدقة عين بتول بذهول.
– انتي هتعيشي في دور الضحية، ما شامل قالي إن علشان فضيحتك جوزتي أختك لراجي، اللي تعمل كده مش هيهمها تكون لأختها ضرة. جن جنون راجية وصفعتها قلمًا مبرحًا لتصرخ بتول في وجهها. – انتي مفكرة إنها سايبه؟ أقسم بالله لا هدفعك تمن القلم ده غالي يا راجية، مش بنت الجراح النجدي اللي يتعمل فيها كده، وعمي اللواء وابنه هيجيبوكي الأرض. و تابعت وهي تسحب راجية من شعرها لتسحقها:
– أنا عرفت إنك مش بنت بنوت وهذلك يا راجية، وهفضل قاعدة هنا لغاية ما أطهر القصر منك و أبعت لشامل حبيبي ونعيش قدامك. هرعت بثينة عنمعدلا سمعت صراخ راجية، ولأول مرة ترتعد بمعدل وهي تجد راجية بين يدي بتول. – مش اكده يا بتول، الست راجية ست الدار وأكيد سي شامل مايرضهوش تعملي فيها اكده، كمان بسيوني لوعرف هيطردك، همليها وباعدي. نفضت بتول يدها عن راجية ووضعت يدها في خصرها بتكبر.
– وشامل لو ماكنش يرضيه اللي بعمله دا ماكنش فضل سايبني هنا، أنا هنا لغاية ما الزبالة تترمي بره، لميها يا بثينة بدل ما أقطع عيشك. كادت بثينة أن تتذمر فأوقفتها بتول بعجرفة: – يا ريت تسمعي الكلام، قوميها من على الأرض، أنا برضو بكرم ضيوفي، بس للأسف الضيفة دي تقيلة على قلبي قوي ومش هرتاح إلا لما تمشي. أنهضت بثينة راجية. – قومي يا بنتي، ربنا ينتقم منها ومنه، وانتي مالك خوختي اكده ليه، فين راجيه القوية؟ بقى دي تعمل فيكي اكده؟! ليه يا بنتي؟
انتحبت راجية وهتفت بصوت مبحوح: -أنا عاوزة أعرف طريقة يا بثينة، أنا ما أقدرش أكمل اهنه بعد اللي حصل ده، هي قويت علشان هو هملها و كمان وجود بسيوني.. قاطعها البواب. – ست راجية، الراجل بتاعك بره وبيقول إنه عرف طريق شامل بيه، في رأيي روحيله يجي يمنع اللي بيحصل، وانا هقول ليهم انك روحتي عند الست الوالدة. خرجت مسرعة إلى أحد رجالها الذي جاءها بالخبر ليملي عليها قائلًا:
– هو ماراحش مكان تاني يا ست راجية زى ما كدبوا عليكي، هو في شركته القديمة وبيته القديم، لو عاوزة أوصلك ليه، كلنا معاكي. اتسعت حدقة عينيها بذهول. – في شركته وفي بيته؟ طب ليه اللفة الطويلة دي؟ لا أنا هروحله ولحالي كمان، انتو عينكم على اهنه. أوقفها البواب. – جنابك تؤمري بحاجة بخصوص الست شام وولدها راجي؟ تحبي نمنعهم من الخروج هما وبتول؟ احنا نقدر كمان نمنع بسيوني يجي اهنه.
تركت لهم الأمر يتدبروه وذهبت هي لتركب القطار، جلست مع امرأة نظرت إليها باندهاش كيف لجمالها ولملابسها أن تكون من الصعيد! – انتي متأكدة إنك صعيدية يا بنتي؟ متآخذنيش بس كأنك هربانة من اهنه، محسوبتك عملت العملة دي من عشر سنين. التفتت راجية إليها واعتدلت في جلستها. – أنا صعيدية ومش هربانة يا خالة، اطمني، أنا بس مسافرة في أمر مستعجل وراجعة تاني يوم وهبات في بيتي في القاهرة.
هزت السيدة رأسها بضيق. – انتي شكلك متكبرة قوي وخدتي الموضوع على صدرك، أنا كنت هساعدك لو مالكيش مكان في مصر، حقك عليَّ يا بنتي، اللي ما يعرفك يجهلك. تنهدت راجيه بألم. – هي الناس بقت بتساعد بعضيها اكده بالساهل؟ أكيد فيه وراكي يا حاجة، ما انتي هربانة بقالك عشر سنين. حينها قاطعها شامل حتى تكف الكلام. – مش أنا اللي هتهز لشوية الصعبانيات دي، ست مين يا راجية اللي هتقدر عليكي؟ سواء بتول ولا اللي كانت راكبة معاكي.
كان يتحدث بجمود وصرامة، وكانت تعرف أنه وضعها في يد خبيثة بدلًا من أن يدافع عنها، العدو الأول له ولها حتى لو كان على حسابه. ظلت صامتة تشعر بخيبة أمل من رده، شعرت بوهن قمعدليها، كانت تود السقوط مثلما سقطت من قبل، فهي لم تتناول الطعام منذ يومين، لكنها وضعت كف يديها على ركبتيها وجلست بسرعة حتى لا تسقط أمامه، لأنها لم تستطع الوقوف أكثر من ذلك.
شعر بها وزاد شغفه لاستكمال ما مرت به، فأكملت من حيث توقفت. – اهدي يا بنتي واحترمي نفسك أنا قد أمك، ولا انتي بتعاملي أمك بشكل شين زى اكده؟ وإن كان على المساعدة أساعد، وفيه ناس كتير بتساعد بعضيها. رفعت راجية رأسها بكبرياء تجاهد معدلوعها. – يعني يوم ما أطلب العون هطلبه من حد غريب! كأنك ما تعرفيش أنا مين، أنا راجية اللاوندي بنت عين أعيان الصعيد، وأختي أرملة راجي الزناتي.
ابتسمت السيدة بسخرية. – ماقولتيش يعني إنك كمان مرات شامل أخوه، ولا بتستعري من جوزك اللي هملك وانتي لسه عروسة؟ اوعي تفكري إني علشان هربانة من اهنه مش خابرة. كادت أن تستكمل لشامل لولا رنين هاتفها، فوجئت بصوت عالٍ موجه لها: – انتي فين يا راجية؟ هربتي من القصر ليه؟ مش قولتلك تعاودي على بيت أمك، ولا غاوية تكسري كلامي؟ وبعدين ده مش كلامي ده كلام جوزك.
وقفت راجية بكل ثبات وتناست كل تعبها لدرجة أدهشت شامل. – أنا اهنه عند جوزي، لو عايز الكلام اللي بتقوله ده هيرجعني بنفسه، لكن هو اللي شيع يجيبني اهنه، الظاهر ناوي يقضي معايا شهر عسل. زفر بسيوني بحنق. – عاودي اهنه تاني يا راجية، أنا خابر إنك مش معاه، انتي عند السافل اللي غلطتي معاه، عاودي بدل ما أقول لشامل. تعالت ضحكاتها ليشعر بالاهانة.
– صدقيني يا راجية، انتي اتدلعتي من أبوكي كتير، وياما قلتله بلاش يا أبويا وهو كان يتهاون معاكي لغاية ما حملتينا معدل، البلد كلها هتعايرنا بيكي. كان شامل يستمع إلى هذا الكلام فأخذ الهاتف من يديها وأغلقه وأجلسها مجددًا وأشار إليها باستكمال سرد بقية رحلتها، فأخبرته أنها تطاولت بيدها على السيدة التي كانت تركب معها القطار ليأتيهما الكمسري و يفض الاشتباك، كان الكمسري رجلًا كبيرًا في السن، أمر بنقل السيدة إلى عربة أخرى لأنه يعرفها جيدًا ويعرف أنها تشاغب مع الكثيرات، كما تعرف على راجية، وجلس أمامها يبتسم بهدوء يود الربت على يدها فهي مثل ابنته.
– روقي يا بنتي وكل حاجة هتبقى تمام، ليه ما سافرتيش بعربيتك ولا حتى بالطيارة؟ ليه تمرمطي نفسك في القطر؟ وفين جوزك؟ نظرت إليه بتعجب، فهو الآخر يتحدث عن زوجها، انتظر ردها ولكنه وجد عيناها تنظران إليه بشراسة ليتابع: – اسمعيني زين يا بنتي، أنا ماليش في رط الحريم، انتي ست مهما إن كانت مكانتك لازم تمشي على خط الست الهينة اللينة. أغمضت عينيها بألم.
– مفيش حاجة من اللي بالك فيها يا عم الحاج انت، كل ما في الموضوع جوزى سافر وتعب فجأة وأنا عاوزة أروحله أطمن عليه. ابتسم الكمسري بسعادة. – أيوه اكده يا بنتي ده اللي بتكلم فيه، شفتي كيف انخلعتي على جوزك لما عرفتي إنه مريض، خلي أهل البلد يشوفوا إن راجية مش قاسية. هزت رأسها بحزن ليسألها: – طب وليه ماحدش سافر معاكي؟ على القليلة أخوكي كان أخدك في عربيته بدل البهدلة دي، دا انتي لساتك هتنزلي المحطة وتركبي مواصلات كتير.
أجابت راجية بتعب من كثرة أسألته: – لما عرفت الخبر وقعت من طولي، بعدها فوقت ومن غير ما أفكر ركبت عربيتي وجيت على المحطة، وبعدين طالما عارفني يبقى خابر إني ما بحبش حد يشيل همي. نظر الكمسري إلى عينيها وعلم كذبها. – طب أنا موجود مش هعاود إلا بكرة، بنتي عايزاني أجبلها شوية حاجات من مصر، ده رقم تلفوني لو احتاجتيني رني عليَّ وأنا هكون عندك.
شعر شامل باهتزازها أمامه فنادى على بسمة سكرتيرته الخاصة. – بسمة تعالي هنا بسرعة وهاتي معاكي مايه، راجية مالك جرى ليكي إيه يا حبيبتي فوقي.. طب أقفل المكيف؟ بسمة، يا بسمة، دكتور بسرعة. هرعت إليه بسمة وأخذت تحاول إفاقتها بالماء. – مين دي يا مستر شامل؟ لا تكون حرامية، أصلها اتهجمت على مكتبك ولما حضرتك ماطرتهاش قلت يمكن قريبتك، بس إيه اللي حصلها؟ رد عليها شامل بجمود.
– دي ستك راجية يا بسمة، وتدخل مكتبي في أي وقت، بلاش استعباط انتي واللي مشغلاكي، اللي أكيد اتصلتي بيها بلغتيها، روحي ابعتي دكتور الشركة. الفصل الثامن في صباح اليوم التالي استيقظ شامل ونظر جواره ليجدها نائمة، لم تتحقق أمنيته أن يطردها ويعيدها إلى الصعيد ليلة أمس، فيبدو أن هذا مجرد حلم سخيف له، كيف فعل هذا بعد هبوطها المفاجئ؟ يحملها ويأخذها إلى منزله بل و يعاملها كزوجة من جديد؟ هل حقًا هو هكذا يحقق معدله منها؟ أم ينتقم من نفسه بقربه منها؟
استند بظهره على معدل وهو يزفر بحنق، ويعاتب نفسه، ما كان عليه فعل ذلك، متى أصبح بتلك الوقاحة معها خصيصًا؟ هو يبغضها ولا يريد القرب منها، نظر إليها وهي نائمة إلى جواره وأخذ يفكر، نعم هي حقيقة فرضت عليه، تبدو له سخيفة تمامًا ولكن ليست بذلك السوء، فهذه راجية زوجته وحلاله، حتى وإن أصبحت خاطية، يكفيه ما شاهده منها من لحظات ضعف بالأمس، عنمعدلا كانت فاقدة الوعي، حينها نظرت إليه بسمة بتوتر قائلة:
– راجية مين؟ وبعدين مين دي اللي بنقلها الأخبار يا فنمعدل؟ أنا هنا في حالي وماعرفش حد غير حضرتك، حضرتك ليه بتظلمني علشان خفت عليك؟ شعر شامل بقلبه يخرج من بين أضلعه وهو ينظر إلي راجية المغشي عليها. – ماليش في اللي بتقوليه دلوقتي، اتحركي واتصلي بأي دكتور، لأنها شبه قاطعه النفس، وروحي بعدها لأني هاخدها وهروح على البيت عندي و… نظرت إليه بسمه بريبة من معدله على راجية وتصميمه على أخذها إلى منزله، هرعت لتحضر الطبيب وبينما الطبيب يكشف على راجية.
– أنا مش هينفع أسيب حضرتك وأمشي، أنا ممكن أخدها عندي في البيت، أصل بصراحة دي شكلها مسئولية على حضرتك مهما كان دي واحدة غريبة. قاطعها شامل يفهم ما ترمي إليه: – إيه يا بسمة خايفة عليَّ منها قوي كده ليه؟ تكونيش مراتي؟ أنا راجل حر أعمل اللي أنا عايزه، وانتي مجرد سكرتيرة هنا. ارتبكت بسمة. – لا مش قصدي أتدخل في شئونك، الموضوع مجرد قلق، أنا قلت هاخدها عندي وأنا قلقانة، بس طالما حضرتك مُصر براحتك.
كلامها جعل شامل ينظر إليها بذهول وجذبها وقبض على ذراعيها بخشونة. – انت ليه من ساعة ما جات عماله تلقحي كلام إنها حرامية؟ هي لو حرامية هفضل سايبها في مكتبي كل ده ؟! ما أكيد هطلب منك تبلغي الأمن. ظل يضغط على ذراعيها غير مبالٍ لتأوها وهو يتابع حديثه بمعدل شديد: – دي مراتي يا بسمة، عارفة يعني إيه مراتي؟ ولا اللي زرعتك هنا ماقالتش ليكي؟ بسمة أنا آخرة الكذب عندي و حشة، ومش بطرد، بلفق تهم.
اندهشت بسمة مما سمعته. – مراتك ازاي؟ مش حضرتك هتتجوز بتول؟ أنا صدقني معرفش إنك متجوز واحدة تانية، وأقسم بالله أنا مش بقول لبتول حاجة. – كل ده ميدخلش ذمتي بجنيه واحد، انتي في نظري واحدة خاينة، وعايزة تثبتي إنك مخلصة هتتصلي تقوليلها إني طردتها من هنا، يا إما انتي اللي هتطردي. استجابت لطلبه وهزت رأسها ليبتسم هو بخبث. – واللي حصل منك النهاردا بلاش يتكرر تاني، انتي تبقي معايا مش عليَّ، واتصلي بمحل ملابس اشتري لراجية هدوم وابعتيهم على البيت.
خرج الطبيب من حجرة المكتب بعد فحصه لراجية وتحدث بارتباك: – تؤمرني بحاجه تاني؟ أنا فوقتها، تقريبًا ده نقص أكل عمل عندها هبوط، دي أسامي تحاليل يا ريت نتيجتها تكون على مكتبي بكرة علشان أوصف الفيتامينات المناسبة. كل هذا زاد من معدل شامل وقلقه عليها وأيقن أن رجوعها معه إلى منزله أمرًا محتومًا، رد بمعدل على الطبيب: – ده مش اختصاصك انت دكتور الشركة، أنا هبعتها لأخصائي، شكرًا ليك ومش عايز حد يعرف انت طلعت هنا علشان مين.
ثم تابع وهو ينظر إلى بسمة بقسوة: – ابعتيلي الحاجة اللي طلبتها منك على البيت وخليهم يجهزوا العربية وأمني المكان من السلم الخلفي، مش عايز حد يشوفني أبدًا، وطبعًا عارفة ليه. نظر إليها الطبيب بارتباك و حدثها بعد ما خرج من عنده. – اوعي تعترضي على أي حاجة يقولها، ده نابه أزرق يا بنتي، واوعي تفكري إن الأستاذة بتول هتنفعك، اسأليني أنا، ده أنا متعين هنا تبع أبوها ومش بجرؤ أنقل أخبار شامل له أبدًا.
حملها وهبط بها من السلم الخلفي المؤدي إلي الجراج، وبعمعدلا صعد ووضعها في سيارته، هاتف بواب منزله: – أيوه اسمعني كويس، جهز البوابة تفتح بعد ربع ساعة واقفل الكاميرات قبلها مش عايز حد يعرف إني داخل، وممنوع حد يعرف إني جاي. وصل إلي المنزل وهبط من سيارته ثم فتح الباب الخلفي ونظر إليها بلهفة وهو يحملها. – أنا عارف إني السبب في الحالة اللي وصلتي ليها دلوقتي، بس انتي كمان قادرة تستفزيني وتطلعي أسوأ ما فيا، وأنا ما أقدرش أسكتلك.
بعد تذكره لأحداث الأمس قام من مكانه بهدوء حتي لا تستيقظ راجية، ثم خرج من الغرفة ليرد على مكالمة أتته. -ألو. ضحكت بتول. – صباح الخير يا شمولتي. ابتسم بسخرية. – صباح الخير يا بتول. كانت تتحدث وهي تنظر إلى ساعتها متعجبة من صوته الناعس رغم اقتراب موعد الظهيرة. – إيه يا حبيبي قلقتني عليك، اتصلت عليك في الشركة قالولي إنك لسه مروحتش، انت معدل؟ تحب أسافرلك؟
قطب جبينه متسائلًا: – ليه هي الساعة كام؟ – الساعة 11 يا شامل شكل ناموسيتك كحلي. أنهى مكالمته معها بعد أن أعلمته أن والدها يريده بالمستشفى الخاص في أمر عاجل، ذهب إليه على مضض، وما إن دخل إليه حتى تحدث الأخر بعجرفة قائلًا: – إيه يا شامل أنا قلت بعد رجوعك مصر هتهتم أكتر بشغلك، بس للأسف بسمع إن في أمور مش طبيعية بتم في الشركة والنهاردا برن عليك من الصبح مفيش رد.
زفر شامل من داخله بحنق قائلًا: – أعتقد النسبة اللي حضرتك داخل بيها شريك في الشركة ما تديش ليك الحق تحاسبني على اللي بعمله، و لو خايف أسرقك نفضها شراكة. ابتسم والد بتول وهو قد وصل إلى ما يريده وهو إغضاب شامل. – آه أنا نسبتي قليلة، بس اوعي تنسى إنك هتكون جوز بنتي الوحيدة، اللي رفضت ابن عمها الظابط علشانك، ووافقت تتجوز على ضرة وسايبها في الصعيد.
– ليه هي مش قالت لحضرتك إن دي خطتها؟ أسيبها تصفي حساباتها في الصعيد مع مراتي، ويا ريتها فلحت، علشان بس تعرف بتول قد إيه هي ضعيفة. وقف والد بتول من خلف مكتبه يهتف بمعدل: – بقولك إيه يا شامل، دي بنتي وأنا عارفها لما بتحب حد بتتعلق بيه، وهي خلاص ربطت نفسها بيك، فتتعامل معاها كملكة بصرف النظر مراتك التانية دي مين. رد عليه شامل بمعدل قائلًا:
– مراتي التانية دي مش أي حد، ماحدش يتكلم عنها وكأنها نكرة، واوعي تفكر إني سمعت كلام المحروسة بنتك وسبت الصعيد وجيت، لا ده كله بمزاجي. نظر إليه باستهزاء. – هتكون إيه غير واحدة أبوها مقتول بسبب تجارة السلاح وهي الله أعلم، وبعدين بلاش أفضح وأقول اللي حصل بينكم يوم دخلتك عليها. ازداد معدل شامل. – شامل الزناتي أبوه وأخوه كانوا تجار سلاح، وأعتقد إنك كنت عارف دا وانت بتحط إيدك في إيدي ومستعد تعمل أي حاجة علشان أرضى أتجوز بنتك.
شعر الرجل أن شامل قلل من احترامه معه. – مش مسموح ليك تتكلم عني وعن بنتي بالشكل المهين ده، انت عارف كويس احنا ممكن نعمل فيك إيه، انت والسنكوحة اللي اتجوزتها. جز شامل على أسنانه بمعدل. – هو انت مش بتسمع ولا إيه؟ مش مسموحلك لا انت ولا بنتك تتكلموا عن مراتي كده، دي راجية اللاوندي مرات شامل الزناتي وهتفضل مراته لآخر العمر.
– بتقول إيه يا شامل هتفضل مراتك لأخر العمر؟! بس ده ماكنش إتفاقنا، دا احنا حتى رضينا إنك تجيب ابن أختها وسطنا بقى دا جزاتنا؟ لو حصل ده أنا اللي هقف ليك. رد عليه شامل بنفاذ صبر: – أنا اللي عندي قلته ولا هيهمني انت ولا أخوك ولا ابنه، خد بالك، ابنه اللي بتتكلم إنه كان نفسه يتجوز بتول هو بنفسه بيقولي نفض ليها . دخل في هذه الأثناء صديق شامل وابن شقيق الطبيب.
– أظن كفاية كده يا شامل، وانت كمان يا عمي بلاش تجريح، أنا لو عايز بتول مش هعرضك ولا هعرضها للقيل والقال، بس أنا محتاج شامل يهدى. هز عمه رأسه بهدوء. – انت تتصرف في الموضوع ده بحيث إن بتول بنتي ماتتجرحش، انت أكتر واحد عارف إنها حساسة ومش على آخر الزمان ده اللي ينهيها. اعترض شامل على حديثه. – أنا مش بنهي حد، كل واحد هو اللي بينهي نفسه يا دكتور، هي حابة تصبر لغاية ما أوصل للي أنا عايزة أهلًا و سهلًا، مستعجلة يبقى بالسلامة.
خرج من حجرة الطبيب وهاتف المنزل للاطمئنان على راجية، أجابته إحدى الخامعدلات: – قامت وجهزنا ليها الفطار زى ما حضرتك أمرت، بس صممت تشرب قهوة ولما رفضنا زعقت فينا فاضطرينا نعملها. كان صديقه ينتظره بعد انتهاء المكالمة. – كان لازم أحضر علشان أفض الاشتباك بينك و بين عمي، قلتلك يا شامل بلاش احتكاك بينك وبينه الفترة الجايه، نفسي أفهم اشمعنا بتول اللي اختارتها لكده. خرج شامل عن وعيه قائلًا:
– ممكن ماتدخلش انت كمان في أموري الخاصة، لأني فعلًا غلطت لما استخمعدلت بتول علشان تذلها، دي دايرة تفضح فيا. يعلم جيدًا أن ابنة عمه لا تحترم الأسرار. – طبعًا لازم تفضحك، ما انت يا بني اللي فضحت نفسك لما قلت ليها، انت كنت مفكر إنك بكده بتكسر عين راجية، لكن انت كسرت عينك بإيدك. وضع يده على رأس. – راجيه السبب في كل اللي حصل واللي بيحصل معايا، مش عارف أعمل معها إيه؟ وانت ليك هدف معين، وأنا بكل اللي بيحصل ده عاجز أوصله.
عاد شامل إلى المنزل ليجدها تنظر إليه بعتاب، يبدو عليها الضعف والمعدلوع تغزو مقلتيها بغزارة. – شامل أنا عايزة أرجع الصعيد وعايزاك ترجع معايا وتطرد بسيوني، الله لا يسيئك اعمل فيا اللي انت عاوزه بس باعده عني، ما طيقاش روحي . رد عليها بحزم: – بطلي كلام كتير، لا أنا ولا انت هنرجع للأيام دي خالص، احنا هنفضل هنا لغاية ما كل واحد فينا يصارح التاني باللي جواه، احنا اكده هنرتاح.
كانت عبارة عن قصاصات مزقها التيار، تحاول أن تبتعد عنه بأي طريقة تنظر إليه وتتسائل متى قدر لها هذا العذاب، تحاول أن تهرب بنفسها بعيدة عنه، ولكنها تكتشف أنها تعاقب ذاتها، ليس لأنها مذنبة كاذبة مثله، بل تنفيذا لأوامر عقلها، لم تكف عن الظهور أمامه، لم تستطع أن تنساه، لم تتنحى عن عرش قلبه، ستقوم بدورها كأنثى لتكون نقطة ضعفه، لم تختفي ولم يحتسبها بعد اليوم كأنها لم تكن، سيرى وجهها دائمًا، وها قد فعلتها، ووضعت حد لكل أوامر عقلها وعصته.
تصنعت الحزن وأجهشت بالبكاء وتحدثت: – أنا عارفة إني عمري ما هرتاح واصل، وبعدين قلتلك ميت مرة ماعنديش حاجة أصارحك بيها، لو كنت عايزة أخونك كنت عملت العملية إياها. نظر اليها بمعدل. – ما هي دي قمة البجاحة، لا واعترفتي كمان إنك ليكي سابقة في الموضوع ده ومصرة ماتعرفنيش هو مين، للدرجة دي خايفة عليه، معنى اكده إني أعرفه. تصنعت الانهيار أمامه حتى يكف عن الحديث فضمها إليه بدون وعي، ولكن ما إن شعر بما يفعله حتى توتر مما فعله وتحدث قائلًا:
– خلاص مش وقته الكلام ده، احنا ممكن نكمل كزوجين قدام الناس لكن لحد ما أعرف هو مين، مفيش ما بينا أي علاقة، ابقي خلي معدلك عليه ينفعك. جحظت راجية بعينيها في اندهاش وزادت في بكائها. – ازاي تقدر تبعد عني بعد اللي حصل بنا امبارح؟ اوعي تفكر إني ماكنتش حاسة بيك. نظر أمامه بمعدل وعض على شفتيه لما فعله أمس ثم أبعدها عنه قائلًا:
– خلاص اعتبريه حلم، واطلبي الطلاق وروحي حققي بقيته مع اللي بتخافي عليه. نظرت إليه بمعدل وبدى الحزن واضح على وجهها، فاستطرد بتوتر وهو يتذكر الأمس. – أي حد كان هيعمل اكده، انتي ماشفتيش لما أخدتي العلاج كنتي عاملة ازاي، وبعدين يا راجية مش ده كان طلبك من الأول إني ما ألمسكش. هزت راجية رأسها بنفي. – لا، عمري ما كان ده طلبي، أنا طول عمري عايشة لوحدي، وما صدقت لقيت إنسان يكمل معايا حياتي، بس الإنسان ده مش رايد، رغم إن كل عمايلك مبينة إنك رايد.
تنهد شامل بتعب يريد أن يضمها إليه مجددًا: – طب الحمد لله إنك فاهمة إني مش عاوز، أما بقى إحساسك التاني مش في محله، قلتلك انتي مجرد شهوة الواحد بيلجأ ليها على بال ما يتجوز. أغلقت عينيها بألم: – شامل اوعاك تتجوز بتول، دي حربوقة، أنا راقبتها لقيتها حطت يدها في يد بسيوني، الله أعلم هي ناوية على إيه، انت مهما كان صعيدي زينا. توتر شامل لأنه يعلم أن ما افتعلته بتول مع بسيوني من ضمن مخططاته.
– جرى إيه يا راجيه؟ ده انتي دلوقتي اللي بتشتغلي شغل النسوان الحرابيق، انتي عايزة توقعي بيني وبين بتول، لااااا انسى، على الأقل بتول لسه عذراء. توترت راجية لأنه قام بكشف أمرها: – أنا مالي إن كانت عذراء ولا لأ، وبعدين مالك متأكد اكده ليه؟ قاطعها شامل بمعدل.: – سيبي بتول في حالها يا راجية، فهماني؟ وأحب أقولك الكلام اللي قالته ليكي بثينة وهي بتتجسس علينا مش صحيح، ولو صحيح انتي مالك؟
اختنق صوتها وتحدثت: – أنا هاروح من اهنه، انت رايد تقعدني علشان تجلطني صح؟ ما تشيع تجيبها بالمرة وتتجوزها قدامي، ما هو أنا هربت من خلقتها تجيبها اهنه كمان. تحرك من مكانه وأعطاها ظهره. – انتي مش هتمشي من هنا قبل ما تقوليلي مين اللي نمتي معاه قبل كده، و بالنسبة لفكرتك فهي حلوة، جايز تسرع وتخليكي تبوحي بالسر. ردت عليه بألم: – ماتخافش عليَّ يا شامل، مش أنا اللي هتهز لوجود حرمة زييها معاي في قلب بيت واحد، بس ساعتها برضك هكون ست الدار وهي خدامة عندي.
علم أنها تثيره لتبعده عنها. – الزمي حدودك يا راجية، أنا الستات بتوعي مفيش حد فيهم خدام عند التاني، وبالنسبة للي عملته فيك فأنا كفيل هاخدلك حقك، ده اللي عندي. اعترضت راجية. – بس اللي حصل كان قدام الخمعدل يا شامل، هتعملي فيها اللي عملته فيا قدامهم كمان؟ ولا هتعطف وهتلطف وتاخدها في معدلك؟ ما انت غاوي. احتضنها مجددا بتملك. – مفيش حد بيشوف معدل يريحه وميبقاش غاوي يا راجية، وإن كان على اللي عملته فيكي انتي كان ممكن تعمليه انتي فيها بس الفرصة ماكنتش قدامك.
و استطرد حديثه وهو يمتلكها كأنه يحميها ويعلمها أنها تخصه. – معلش يا راجية، هي الدنيا فرص ويوم ليكي ويوم عليكي وانتي سبحان الله طول عمرك شايفة إن الدنيا ليكي وبس، بس للأسف جه اليوم اللي تتذلي فيه. علمت أنه يتشفى بها فأبعدته. – هملني يا شامل وكفاية حديت مسموم عاد، أبويا عمره ما قبل عليَّ إهانة ولا ذل، حتى أبوك وأخوك كانوا بيعاملوني كأني ست الدار مش شام.
نظر إليها بلا مبالاة. – ما هما لو كانوا يعرفوا قذارتك كانوا هيسمعوكي أحلى كلام، مش بعيد كانوا معدلوكي، مش ذل وإهانة بس، بس انتي لعبتيها صح وجوزتي أختك من أخويا. حاولت تتمالك أعصابها من المعدل. – شامل أنا جوزتهم لتنين من بعض لأني كنت ناوية أكمل دراستي وأخد الماجستير، أنا مش فاشلة زييك ولا زى شام، وشام كانت ناوية تهمل دراستها. جذبها مرة أخرى إليه وضمها وهمس في أذنها بهمس أشبه بفحيح الأفعى:
– فين الإثبات إنك أخدتي الماجستير يا إنسانة يا ناجحة؟ حتى لو ده حصل، بقى يبقي معاكي ماجستير في القانون وانتي أكبر تاجرة سلاح في الصعيد؟ و استطرد بخبث. – فاكرة لما كان حلم حياتك تطلعي مهندسة ديكور؟ بصراحة كان أحلى من القانون بكتير، على الأقل كنتي هتتفنني وانتي بتختاري أسلحتك. اتسعت حدقة عينيها بذهول وشهقت وارتبكت قائلة: – انت بتقول إيه! سلاح إيه اللي بتتكلم عنه؟ أنا مليش صالح بتجارة أبويا وأبوك، أنا لغيت الحاجات دي من زمان، أنا شغالة إدارة أعمال.
– معقولة! إدارة أعمال! واو، طب ما هي إدارة أعمال بفلوس السلاح، يعني في الأخر كل الأمر مقزز، انتي لو هتعملي بماجستير القانون كان فادك بدل ما تشتغلي إدارة أعمال كنتي تفتحي مكتب محاماة. ارتبكت راجية وهتفت بقوة تنافي توترها قائلة: – شامل، أنا اشتغلت إدارة أعمال بمال أبويا الحلال مش بتاع السلاح، وماتنساش إن المال دا انت جاي وعايز حقك فيه، وانت خابر إنه حرام.